طرد السفير الإيراني: اختبار للسيادة أم كسر للتوازن؟
بين بعبدا وواشنطن وحارة حريك، لا مكان للحياد بعد اليوم. فقضية “طرد” السفير الإيراني من بيروت ليست حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل تحوّلت سريعًا إلى اختبار مزدوج لاختلال التوازنات الداخلية، ولقدرة الدولة اللبنانية على ممارسة صلاحياتها في السياسة الخارجية تحت ضغط خارجي مباشر وضغط داخلي لا تقل تداعياته خطورة.
بينما تنشط الساحة الداخلية للبحث عن مخارج لأزمة سياسية حادة مقبلة، ثمة من بدأ يرى في إعلان الخارجية عن طرد السفير الإيراني قرارًا مشابهًا لقرارات الخامس والسابع من آب الماضي، ومشابهًا لقرار مرجعية الدولة في الحرب والسلم، وكل القرارات التي بقيت نظرية. إلا أن لهذا القرار تداعيات قانونية أولًا على مستوى الحصانات والامتيازات للسفير، وسياسية على مستوى العلاقة مع الحزب وإيران، وأمنية على مستوى وضع السفير محمد رضا شيباني في لبنان.
صلاحية رئاسة الجمهورية
قانونيًا، المسألة أوضح مما تبدو عليه سياسيًا، لكنها محكومة بازدواجية بين القانون الدولي والنظام الدستوري اللبناني. فإعلان دبلوماسي “شخصًا غير مرغوب فيه” هو حق سيادي مطلق تكفله اتفاقية فيينا، إلا أنّ ممارسته في لبنان تبقى خاضعة لضوابط دستورية تجعل القرار، في أصله، جماعيًا ضمن صلاحيات مجلس الوزراء، فيما يقتصر دور وزير الخارجية على التنفيذ لا التقرير.
يجب التمييز بين مرحلتين: الموافقة (agrément) التي تمنحها الدولة المضيفة قبل التعيين، وأوراق الاعتماد التي تُقدَّم لاحقًا لرئيس الجمهورية. في الحالة الراهنة، لم يكن السفير الإيراني قد استكمل اعتماده، ما يجعل سحب القبول منه مندرجًا ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية، استنادًا إلى مبدأ موازاة الصلاحيات. أما بعد الاعتماد، فيصبح تصنيفه “شخصًا غير مرغوب فيه” من صلاحية مجلس الوزراء وفق المادة 65 من الدستور.
بالتالي، لا يملك وزير الخارجية صلاحية إصدار قرار كهذا بشكل منفرد، بل يقتصر دوره على تنفيذ القرار وإبلاغه. وأي إجراء أحادي منه يُخرجه من إطار “أعمال السيادة” المحصّنة، ويُعرّضه للطعن أمام مجلس شورى الدولة بعيب تجاوز حدّ السلطة. وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية: القرار صدر من وزارة الخارجية، فيما المسار الدستوري يفترض صدوره عن المرجعية المختصة، ما يضعه في منطقة قانونية ملتبسة بين عمل سيادي محصّن وقرار إداري قابل للطعن، في وقت يلتزم فيه رئيس الجمهورية الصمت رغم امتلاكه الكلمة الفصل.
تناقضات خلف صمت بعبدا
سياسيًا، تعقّدت الصورة أكثر. المعطيات الدبلوماسية تتحدث عن ضغط أميركي واضح على لبنان لاتخاذ موقف من إيران، في ضوء اتهام الحرس الثوري بالمشاركة في الحرب إلى جانب الحزب. في المقابل، تتحدث مصادر وزارة الخارجية أن القرار جاء نتيجة تواصل مع رئيسي الجمهورية والحكومة، بعد نقاش انتهى إلى خيار سحب الموافقة على اسم السفير بدل الاكتفاء باستدعاء القائم بالأعمال ومساءلته، لا سيما وأن للخارجية اللبنانية مواقف معلنة منذ أكثر من شهر عن عدم قبول اعتماد السفير محمد رضا شيباني. أي إن القضية لم تحصل بشكل مفاجئ، بل حصلت بشكل تصاعدي يسمح بوقف القرار في حال رفضه، وصدوره في حال الموافقة.
إلا أن صمت بعبدا ترك خلفه الباب مفتوحًا أمام روايتين متناقضتين: الأولى تسريبات قالت إن القرار اتُخذ بموافقة رئيس الجمهورية ومبادرة منه، والثانية تسريبات أيضًا تشير إلى أنه لم يكن على علم به وكان يفضّل مقاربة أقل تصعيدًا. هذا الالتباس لا يعبّر فقط عن تضارب معلومات، بل تتحدث مصادر دبلوماسية أن ذلك يعني تردّدًا سياسيًا “غير مقبول” في تحمّل كلفة قرار بحجم كسر مع إيران.
بري-الحزب: تجاوز الخطوط الحمراء
موقف الثنائي الشيعي الحاسم برفض القرار واعتباره تجاوزًا للخطوط الحمراء هو موقف سياسي. يعتبر الثنائي أن القرار يؤسس لأزمة سياسية عميقة لن تبقى من دون تداعيات مستقبلية على المشهد الداخلي في البلد.
لكن في المقابل، إن دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري السفير الشيباني إلى عدم المغادرة لا توقف المفاعيل القانونية في حال قررت الدولة المضي بالقرار حتى نهايته. فهذه المفاعيل ليست شكلية لأنها تفقد الدبلوماسي صفته التمثيلية وما يرافقها من حصانات، ما يضعه نظريًا أمام احتمالات قانونية تصل إلى حد التوقيف إذا اتخذ القرار منحى تصعيديًا. إلا أن الوصول إلى هذا الحد يبقى مرهونًا بقرار سياسي واضح، وهو ما لا يبدو متوافرًا حتى الآن.
الحزب، من جهته، يتعامل مع الملف على قاعدة أن هذه الصلاحية تعود لرئيس الجمهورية، وأي محاولة للفصل بين القرار الرئاسي والتداعيات السياسية غير واقعية. فصمت الرئيس، في نظر الحزب، لا يمكن تفسيره إلا كقبول ضمني، حتى لو وصلتهم رسائل تبرير على أنه “مضغوط”.
واشنطن لعون: لا لأنصاف الحلول
أما دبلوماسيًا، فثمة رسالة أميركية أوضح: المطلوب من لبنان أن يثبت قدرته على مواجهة النفوذ الإيراني داخل أراضيه. وفي هذا السياق، لم يعد مقبولًا، بحسب مصادر خارجية، اعتماد سياسة “إمساك العصا من الوسط”. القرار، إذا اتُخذ، يجب أن يُعلن ويُحمى سياسيًا، لا أن يُمرّر بصيغة ملتبسة تتيح لكل طرف تفسيره بما يناسبه.
في الخلاصة، ليس السؤال اليوم: هل يُطرد السفير أم لا؟ بل السؤال الأعمق: من يحكم قرار السياسة الخارجية في لبنان فعليًا؟ رئيس الجمهورية وفق الدستور، أم توازنات الداخل، أم ضغوط الخارج؟
بين واشنطن وبعبدا وحارة حريك، لا تبدو سياسة أنصاف الحلول التي اتبعها رئيس الجمهورية منذ بداية عهده صالحة بعد اليوم. فبعد مقاطعة وزراء الثنائي لجلسة مجلس الوزراء احتجاجًا، لن يقتصر موقف الثنائي على المطالبة بالعودة عن القرار، لأنه في مفهومهما “أن ما قبل القرار ليس كما بعده”. هي أزمة سياسية كبيرة قد تعيد الكرة إلى ملعب قصر بعبدا لمعالجة ما قد يطيح بالاستقرار الداخلي. والانتظار خلف جدران القصر بانتظار مرور العاصفة لم يعد ممكنًا.
جوزفين ديب - اساس ميديا
The post طرد السفير الإيراني: اختبار للسيادة أم كسر للتوازن؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.