ترامب... حين تحكم الشتيمة
لو كان للسياسة ميزان حرارة، لكان دونالد ترامب يرفعه بلسانه لا بقراراته. كلما ارتفعت النبرة، اعتبر أن الأمور تحت السيطرة. وكلما انخفضت، أعاد ضخّ الكلمات كما تُضخّ النار في فرن لا يهدأ.
المشكلة ليست في أن ترامب يهدّد. هذا جزء من شخصيته السياسية. المشكلة أنه حوّل التهديد إلى أسلوب لغوي دائم: قاموس جاهز من عبارات مثل "سنسحق"، "سندمّر"، "سنمحو"، مرفقة بوعد دائم بـ"الجحيم"، ومطعّمة، في كثير من الأحيان، بعبارات سوقية مبتذلة لا تمتّ إلى الخطاب السياسي بصلة. هذه ليست زلّات. هذا هو الخطاب نفسه.
اللافت أن هذه اللغة لا تتبدّل بتبدّل المناسبة. تُستخدم في الحرب، كما في التفاوض، كما في مخاطبة الحلفاء. كأن العالم كله يتحوّل، في ذهن الرئيس، إلى خصم في مناظرة شوارعية صاخبة. لا فرق بين منصة رسمية ومنشور على "تروث سوشال". الفارق الوحيد أن الأولى تُبث مباشرة، والثانية تُكتب على عجل.
عند هذا المستوى، تتحوّل البذاءة من انحدار لغوي إلى أداة حكم. كلما اقترب الخطاب من الشتيمة، ابتعد عن المساءلة. وكلما ازداد فجاجة، صار أكثر قابلية للتراجع، لأنه لم يُصغ أصلاً ليُحاسَب عليه.
المفارقة أن هذا الأسلوب، رغم فوضاه الظاهرة، يعمل بدقة: لا يهدف إلى الإقناع، بل إلى الإرباك. يرفع السقف كي يُربك الجميع، ثم يتركهم يتجادلون حيال كلماته لا أفعاله. حتى داخل معسكره، بدأ الصوت يرتفع. حلفاء سابقون يصفونه بـ"المجنون" و"غير المتزن"، وآخرون يتحدّثون عن خطاب منفلت لا يشبه رئيساً بقدر ما يشبه حساباً غاضباً على الإنترنت.
في النهاية، لا تكمن الخطورة في أن رئيس "أعظم دولة في العالم" يستخدم لغة بذيئة، بل في أن هذه اللغة أصبحت جزءاً من آلية القرار. وعندها، لا يعود السؤال ماذا سيفعل ترامب، بل أي عبارة سيطلقها بعد قليل... وعلى أي مستوى سترتفع حرارة العالم معها.





