طرابلس بين تعدّد المرجعيات وسقوط الهيبة: إلى أين؟
كتب عمر بلح لقلم سياسي،
حين يخرج حزب التحرير ليعلن العيد في يوم، فيما تعلن دار الفتوى يومًا آخر، فنحن لا نعيش خلافًا فقهيًا عابرًا بل لحظة سقوط علني للمرجعية. إعلان العيد ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو أعلى تعبير عن وحدة القرار الديني، وعندما ينكسر هذا السقف، ينكشف أن الطائفة لم تعد تملك مركزًا واحدًا بل مراكز متنازعة. هذا التمرّد لا يمكن فصله عن السياق الأوسع: شعور متراكم لدى شريحة من الناس بأن القرار الديني لم يعد يُبنى معهم، بل يُملى عليهم. وهنا تحديدًا تتكسر الهيبة، لا لأن طرفًا يملك دليلًا أقوى، بل لأنه يملك الجرأة على كسر الإطار. ومع كل كسر جديد، يتآكل مفهوم “المرجع الواحد”، ويُستبدل بواقع أخطر: مرجعيات متوازية، كل منها يطلب الطاعة لنفسه. هذه ليست بداية أزمة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من فقدان الثقة، حيث لم يعد السؤال من يملك الحق، بل من يفرض نفسه كمرجع فعلي على الأرض.
وهذا الانفلات لم يبقَ في مستوى القرار، بل نزل إلى الأرض بشكل صادم في مسجد طينال، في قلب باب الرمل، حيث البيئة الشعبية التي تعيش يوميًا مع هذا المسجد وتعتبره جزءًا من هويتها. هناك، ظهر الانقسام بأوضح صوره: حلقتان من التكبير، صوتان في مساحة واحدة، وعبارة واحدة تُتلى فوق الجميع: “وَهَزَمَ الأحزاب وحده”، فيما الواقع يقول العكس تمامًا. وهنا يجب توضيح مسألة “أهل الدعوة” التي جرى اختزالها ظلمًا: المقصود بهم ليسوا جهة طارئة، بل مجموعة من الدعاة والشخصيات الدينية المحلية التي نشأت داخل هذه البيئة نفسها، وعاشت بين الناس، وشاركتهم تفاصيل حياتهم اليومية، من الأفراح إلى الأزمات. هؤلاء بنوا علاقة قائمة على القرب والثقة، لا على التعيين الإداري، ولهذا يملكون محبة حقيقية داخل باب الرمل ومحيط مسجد طينال. المشكلة لم تكن في وجودهم، بل في تصادم إرادتهم—المستندة إلى هذا القبول الشعبي—مع قرار رسمي صادر عن دار الفتوى. وعندما لا يُدار هذا التصادم بحكمة، لا ينتصر طرف، بل ينكسر التوازن، ويظهر المشهد الصادم: مسجد واحد… بصوتين.
هذا الانقسام، حين يُترك دون معالجة، لا يبقى محصورًا، بل يتحوّل إلى بيئة جاذبة لأي قوة منظمة تعرف كيف تتحرك داخل الفراغ، وهنا يبرز دور جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية. هذه الجماعة لا تعمل بعشوائية، بل بمنهج واضح قائم على التمدد الهادئ عبر المؤسسات والخدمات والانضباط الداخلي. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن حضورها في الوعي العام لشرائح واسعة من المسلمين ارتبط بخطابات وممارسات اعتُبرت مسيئة ومفرّقة، لا جامعة، ما يجعل تمددها في بيئة متوترة أصلًا عامل زيادة احتكاك لا عامل استقرار. وهنا المفارقة القاسية التي لا بد من قولها بوضوح: بينما يُرفع شعار “وَهَزَمَ الأحزاب وحده”، نكون عمليًا أمام تعدد أحزاب دينية تعمل كل منها وفق مشروعها الخاص. وفي بيئة مفككة، لا ينتصر من هو “أحق”، بل من هو “أجهز” وأكثر قدرة على استثمار اللحظة.
ومع هذا التراكم من الانقسام، يصبح أي عامل إضافي مضاعف التأثير، وهنا يأتي ملف دخول عائلات شيعية مهجّرة إلى طرابلس. من حيث المبدأ، هذا واقع إنساني لا يمكن التعامل معه إلا بمنطق المسؤولية والأخلاق، لكن تجاهل السياق العام هو قراءة ناقصة. نحن أمام مدينة تعيش هشاشة داخلية واضحة: مرجعية متنازعة، مساجد تشهد انقسامًا، وقوى تتنافس على النفوذ. في هذا الواقع، أي تغيّر— ولو محدود—لا يُقرأ كحالة طبيعية، بل كاختبار جديد لقدرة البيئة على الحفاظ على توازنها. وهنا تتضح الصورة الكاملة: من إعلان عيدين، إلى تكبيرتين في مسجد واحد، إلى تمدد قوى منظمة، وصولًا إلى حساسية أي تحوّل ديموغرافي… كلها حلقات مترابطة في سلسلة واحدة عنوانها فقدان التماسك الداخلي.
أمام هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى سماحة مفتي طرابلس محمد إمام، حيث لم يعد ممكنًا التعامل مع ما جرى كأحداث منفصلة. بين دعاء “وَهَزَمَ الأحزاب وحده” وواقع تتكاثر فيه الأحزاب داخل المسجد وخارجه، تقع مسؤولية إعادة وصل ما انقطع. المسألة لم تعد قرارًا يُفرض أو يُرفض، بل أزمة ثقة تحتاج إلى معالجة عميقة. المطلوب اليوم ليس فقط ضبط المنابر، بل إعادة بناء العلاقة مع الناس، خصوصًا في أماكن مثل باب الرمل، حيث المحبة الشعبية لأهل الدعوة ليست تفصيلًا يمكن تجاهله. إن لم تُصنع تسوية ذكية بين الشرعية الرسمية وهذه الحاضنة الشعبية، فإن كل قرار سيُنتج رد فعل مقابل. وعندها، لن يكون السؤال من يملك الحق، بل من يملك القدرة على فرض واقعه. وهنا تكمن الخطورة: أن تتحوّل المرجعية من موقع جامع إلى طرف في الصراع، وعندها، لا يعود الانقسام استثناءً… بل يصبح القاعدة.



