تمثيل المستشار القانوني أمام هيئة التحكيم في ضوء قانون المحاماة والاستشارات القانونية: قراءة بنيوية في النص وضرورة ضبط الصياغة
أحمد بن حسن البحراني
في ظل صدور قانون المحاماة والاستشارات القانونية بموجب المرسوم السلطاني رقم ٤١ / ٢٠٢٤، برزت جملة من الإشكالات التفسيرية التي تستدعي قراءة متأنية تتجاوز ظاهر النص إلى بنيته الداخلية ومقاصده التشريعية، ولعل من أبرز هذه الإشكالات مسألة تمثيل المستشار القانوني أمام هيئات التحكيم، في ضوء ما يبدو من عدم اتساق بين بعض النصوص، الأمر الذي فتح بابًا للاجتهاد قد يتجاوز حدود الأمان التشريعي إذا لم يُضبط بضوابط التفسير السليم.
ابتداءً، قرر المشرّع في المادة (١١) من القانون حظر ممارسة أعمال المحاماة على غير المقيدين في جداول المحامين المشتغلين، ثم بيّن على سبيل التحديد أن من بين هذه الأعمال تمثيل الغير أمام هيئات التحكيم في سلطنة عمان، وهو نص صريح في تكييف هذا النشاط بوصفه عملًا من أعمال المحاماة، لا يقتصر أثره على القضاء التقليدي، بل يمتد إلى التحكيم رغم طبيعته الاتفاقية. هذا التكييف له دلالة جوهرية، إذ يضع التمثيل أمام التحكيم ضمن المجال المحجوز للمحامي، ويُخضعه للقيود المهنية والتنظيمية ذاتها.
في المقابل، جاءت المادة (٦٧) لتمنح المستشار القانوني حق تقديم الخدمات القانونية، مع استثناءات تتعلق بإعداد وتوقيع صحف الدعاوى والمذكرات والطعون والطلبات المقدمة إلى جهات محددة، وكذلك الحضور مع ذوي الشأن أو عنهم أو تمثيلهم أمام تلك الجهات، وقد خلا هذا النص من ذكر هيئات التحكيم ضمن نطاق المنع، وهو ما قد يوحي، من زاوية لغوية مجردة، بإمكانية القول بجواز تمثيل المستشار أمامها، باعتبار أن ما لم يُستثنَ يبقى داخلًا في أصل الإباحة.
غير أن هذا الفهم، وإن كان يجد له سندًا في ظاهر العبارة، لا يستقيم عند إخضاع النص لقراءة أصولية وبنيوية متكاملة، إذ لا يجوز التعامل مع المادة (٦٧) باعتبارها نصًا منشئًا لإباحة مستقلة، بل هي نص يحدد نطاق مهنة الاستشارات القانونية داخل الإطار العام الذي رسمه القانون. ومن ثم، فإن ما قررته المادة (١١) من تكييف تمثيل الغير أمام هيئات التحكيم بوصفه عملًا من أعمال المحاماة يظل حاكمًا، ولا يمكن تجاوزه أو تقييده بسكوت لاحق، لاسيما وأن النسخ أو التخصيص لا يُفترض ولا يُستنتج بطريق الاحتمال.
كما أن القول بجواز تمثيل المستشار أمام هيئة التحكيم يؤدي إلى نتيجة غير متسقة مع البناء التشريعي، إذ يجعل الفعل ذاته خاضعًا لوصفين متناقضين في آن واحد، فيكون من جهة عملًا من أعمال المحاماة، ومن جهة أخرى مباحًا لغير المحامي، وهو ما يهدر مبدأ وحدة النص ويفرغ التكييف التشريعي من مضمونه. لذلك فإن التفسير الأقرب إلى منطق القانون يقتضي التمييز بين العمل التحضيري والعمل التمثيلي، فيجوز للمستشار القانوني الاشتغال بملف التحكيم من حيث الدراسة والإعداد وتقديم الرأي، دون أن يمتد ذلك إلى تمثيل الغير أمام هيئة التحكيم أو الحلول محلهم في إجراءات الخصومة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الصياغة الحالية للمادة (٦٧) قد أوجدت مساحة من الغموض، كان من الممكن تلافيها بنص أكثر إحكامًا يربط صراحة بين نطاق عمل المستشار وبين ما ورد في المادة (١١)، أو ينص بوضوح على إدراج التحكيم ضمن حالات المنع، تجنبًا لأي تأويل قد يُستغل عمليًا، خاصة من قبل بعض الكيانات المهنية التي قد تسعى إلى توسيع نطاق نشاطها استنادًا إلى هذا الفراغ الظاهري.
ومن ثم، فإن الحاجة تبدو قائمة إلى تدخل تشريعي أو تنظيمي يضع حدًا لهذا الجدل، من خلال صياغة نص قاطع لا يترك مجالًا للاجتهاد في مسألة تمثيل الغير أمام هيئات التحكيم، بما يحقق اليقين القانوني ويحافظ على التوازن الذي أراده المشرّع بين مهنتي المحاماة والاستشارات القانونية. فوضوح النص ليس ترفًا تشريعيًا، بل هو ضمانة أساسية لاستقرار المعاملات ومنع تضارب التفسيرات، خاصة في المجالات التي تمس مباشرة حقوق المتقاضين وأطراف النزاع.





