تمجيد «الضيعة» ومجافاة المدينة في لبنان
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
مرّ بنا استنكارُ محمد وهبي استعمال أنيس فريحة لفظة «حضارة» في عنوان كتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية». ومر بنا تسويغ أنيس فريحة استعمال هذه اللفظة بأنه يوثر إطلاق لفظة «الحضارة» على الناحية الروحية من المدنية لسبب أبداه. وكنت في مناقشتي لهذا السبب قد أظهرت زيفه. سأستكمل في هذا المقال النقاش أو المناقشة. نعم في القرية اللبنانية تتوفر الناحية الروحية، لكن ليس في تاريخها أي «مدنية» أو «حضارة» تذكر. والمدينة في لبنان -وعلى رأسها بيروت- لا تفتقر إلى هذه الناحية. فالناحية الروحية تتوفر فيها، وتشمل كل لبنان. إنه مثل الإسلاميين الذين يجرّدون الحضارة الغربية من القيم الروحية، ويختزلون صورتها في العلم والتقنية. فهو يُجرّد المدينة في لبنان من القيم الروحية، ويحرمها مما يسميه في الفصل الثاني من كتابه بـ«الفضائل اللبنانية» التي يتصف بها -كما قال- أكثر سكان القرى اللبنانية! العلمانية في لبنان ليست لها السيادة، بحيث يجوز الحديث عن تآكل القيم الروحية في مدن لبنان، وهو الحديث الذي كان يجري عن المدينة الأوروبية الصناعية. «العائلة الروحية» مصطلح خاص بالمسيحية إلا أنه في لبنان حدث تعميمه. فيقال «العائلات الروحية»، والمقصود بهذا التعبير هو الطوائف الدينية. في الأحوال الشخصية للمسيحيين في لبنان محاكم تسمى «المحاكم الروحية». المارونية لها محاكمها الروحية. والأرثوذكس والبروتستانت لهما محاكمهما الروحية. إن موضوع كتابه هو العادات والتقاليد المتعلق منها بناحية دينية وناحية اجتماعية وناحية معاشية، والمعتقدات الشعبية والخرافية والمأثور الشعبي في القرية اللبنانية. وهذه الموضوعات هي من «الثقافة»، وليست من «الحضارة» بالمعنى العلمي الحديث. في «الحضارة» هناك تاريخ نشأة، وهناك مراحل تطور أو صعود، وهناك مراحل هبوط، وتعتورها أزمات ومآزق. ومن مظاهرها حكومة إدارية ذات قوانين تنظيمية، وتركيبة اجتماعية طبقية، ولغة مكتوبة وعمران ببنيان باذخ. لا يوجد شيء من هذا في «حضارة» قرية أنيس فريحة التي يقول عنها: إنها آخذة في الزوال. فهذه المسائل لا تكون إلا في المدنيات أو الحضارات. يقول أنيس فريحة في مستهل الفصل الثالث من كتابه: «لا نعلم علم اليقين كيف كانت نشأة القرية اللبنانية الأولى. صمت تاريخي عميق يُخيم فوق ربوعها. فإن الآثار التاريخية -مقابر، أنصبة، بقايا هياكل، نقوش كتابية- تكاد تكون معدومة في أكثر القرى اللبنانية. أما السجلات والوثائق والعامة -إن وجدت- فحديثة العهد... وقل أن نجد في القرى اللبنانية الجبلية من يذكر اسم أبي الجد، ومنهم لا يذكر اسم الجد. فكأن القروي لا يحفل بالماضي، ولا يهتم بالتاريخ، فإن من كان همّه تفتيت الصخر ليستخرج من الصخر طعاماً لا يحفل بالماضي». جملته «الآثار التاريخية تكاد تكون معدومة في أكثر القرى اللبنانية» وضع لها هامشاً، قال فيه: «في لبنان آثار قديمة مصرية وفينيقية وبابلية - آشورية ورومانية إغريقية، ولكن أكثر هذه الآثار في المنطقة الساحلية، وعلى وجه التدقيق في المدن القديمة وفي جوارها. تجد وصفاً لهذا في كتاب أرنست رينان المشهور (بعثة فينيقيا) وكذلك في كتاب الأب لامنس (تشريح الأبصار)». وهذا إقرار ضمني منه بأن التاريخ الحضاري الموغل في الزمن يعثر عليه في ساحل لبنان، وليس في قرى جبل لبنان. أوضح أنيس فريحة في مقدمة كتابه أن تاريخ القرية اللبنانية قائم على تقليد شفهي يتناقله أهلها جيلاً عن جيل، وأن مصدره فيه معرفته الشخصية للقرية اللبنانية، وشيوخ القرية وعجائزها. وهذا المصدر مصدر يعتد به في تدوين حياة القرية في مناحٍ شتى، ولا ضير أن يكون هو المصدر الوحيد. ذلك لأن تاريخها تاريخ أمي يفتقر إلى السجلات والوثائق المكتوبة، ومجتمعاتها مجتمعات أمية. وبما أن تاريخها تاريخ أمي، ومجتمعاتها ورثت الأمية من هذا التاريخ، فإن من المكابرة والمغالطة استعمال لفظة «حضارة» في الحديث عن ثقافة أو فلكلور القرية اللبنانية. في استعراضه التاريخي للفظتي «حضارة» و«ثقافة» في اللغات الأوروبية وفي الاصطلاح العلمي الحديث، يقول قسطنطين زريق عن اللفظة الأولى في كتابه «في معركة الحضارة»: «ولئن حاول بعض الكتاب تحويلها، كما فعلوا بقرينتها Culture إلى معنى أنثروبولوجي صِرف، أي للدلالة على حياة المجتمع بكاملها، سواء أكان هذا المجتمع راقياً أم غير راقٍ، فقالوا مثلاً Primitive Civilization (حضارة بدائية)، فإن المعنى الأول، أي المجتمعات المتصفة بالتقدم والرقي (أو التحضر) يظل هو الشائع». وأرجو ألا يفهم القارئ من خلال هذا الاستشهاد أنني أصنّف مجتمع القرية في لبنان بأنه مجتمع بدائي. فهذا المجتمع -على أميته في ماضيه- هو مثل غيره من مجتمعات الشرق الأدنى المتخلفة يصنف -حسب علم الاجتماع التاريخي وعلم الأنثروبولوجيا- ضمن المجتمعات التاريخية وليس ضمن المجتمعات البدائية. للتفرقة بين «ثقافة» و«حضارة» يمكن القول بأن «الثقافة» تشمل الجانب المعنوي الروحي، وبأنها تنمو بتراكم بطيء تتكون به ومن خلاله شخصية مجتمع معين. أما «الحضارة» فهي تشمل الجانب المادي العملي المَعيش في المجتمعات. وهذا الجانب يسهل انتقاله إلى مجتمعات أخرى وتفاعلها معها. في الشعر، فصيحه وعاميه، وفي الغناء في لبنان ثمة ظاهرة بارزة، وهي تمجيد «الضيعة». وكانت المسرحيات الغنائية الرحبانية (فيروز وعاصي ومنصور الرحباني) ذروة هذه الظاهرة. في كتابها «يوتوبيا المدينة المثقفة»، تناولت خالدة سعيد في الفصل الثاني منه هذه الظاهرة بالتأمل والدراسة. وقد أوقفت القارئ على جذورها وأسبابها وروافدها. وقد اختارت لهذا الفصل عنواناً معبراً ودقيقاً هو «القرية الفاضلة: المشروع الرحباني الفيروزي». موضحة أنها سكّت هذه التسمية على غرار «المدينة الفاضلة». «تمجيد الضيعة» الرومانتيكي في الأغاني اللبنانية تتخلله أحياناً مجافاة المدينة وظلمها. بعض أبناء المدن في بلدان الشام من ذوي الأصول المدنية يتبرمون من تمجيد «الضيعة» على حساب المدينة وأسطرة الحياة «الضيعوية». وفي حدود متابعتي قرأت من عقد مقالاً للحكواتية، بنت مدينة حيفا، دينيس أسعد عنوانه «بنت المدينة والفلاحون»، روت فيه حكاية انزعاجها من أغنية قديمة لوديع الصافي من صغرها، هذه الأغنية هي أغنيته القديمة «الله يرضى عليك يا ابني». وكانت كلمات الأغنية: «ليلى يا ابني إن جارت الأيام بتعييش ع الزيتون والجبنة... وبنت المدينة بدّها خدّام وغير على ريش نعام ما بتنام»، يشعرها -كما قالت- ببعض الغيرة وبعض الإهانة. فتصدت لتفنيد هذه المفاضلة في هذا البيت في أكثر من وجه استناداً إلى تجربتها الشخصية. مع أن كتاب أنيس فريحة «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية» صدر في العام الذي بدأ فيه المسرح الغنائي الرحباني، وهو عام 1957، فإن هذا الأمر لا يعدو عن كونه مصادفة. أميل إلى أن أنيس فريحة لم يشرع في الإعداد لمادة الكتاب قبل سنوات قليلة من عام صدوره. ففي ظني أنه بدأ يجمع بعض مادته مذ كان طالباً في الجامعة الأميركية في عقد العشرينات الميلادية من القرن الماضي. ولا أعلم ما مدى استفادته في الكتاب من رسالته للدكتوراه (أفعال رباعية من لهجة رأس المتن في لبنان) التي أنجزها في جامعة شيكاغو عام 1935. في مقدمة كتابه، وفي الفصل الثاني منه (الفضائل اللبنانية)، يظهر بوضوح اتجاهه الآيديولوجي. اتجاهه الآيديولوجي قائم على آيديولوجية كيانية لبنانية. وهذه الآيديولوجية تقسيمية وانقسامية. فلبنان سكانياً، ينقسم إلى أصليين ووافدين، قدماء ومحدثين. الأصليون والقدماء هم سكان الجبل، والوافدون والمحدثون هم سكان الساحل. وهذه هي أقواله: «إننا حرصنا على أن نُدوّن ما نظنه مشتركاً عاماً أو ما يكاد يكون مشتركاً عاماً بين سكان لبنان: النصارى والدروز». «لم نأخذ المسلمين في هذه الدراسات فلكلورياً، لأنهم في نظرنا يختلفون فلكلورياً عن سكان لبنان القديم -النصارى والدروز- اختلافاً بيّناً. لم يسكن المسلمون القرى، وليس في حياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية ما يُشبه الحياة القروية. احتفظ المسلمون بالساحل والمدن. وإن في بعض القرى اللبنانية أفراد مسلمون مبعثرون هنا وهناك، فإن عادات هؤلاء لا تختلف عن عادات جيرانهم من النصارى والدروز». «إن ما يصدق في قرية نائية في جرود صفين، وما يقال عن الدروز في بعض الأمور لا ينطبق على النصارى، وما يقال عن الموارنة لا يصدق في الشيعة الذين يقطنون لبنان القديم (قبل أن تُضاف إليه مناطق لم تكن زمن الأتراك من لبنان)». «يحسن بجامع الفلكلور اللبناني أن يأخذ السكان في أربع فئات: الموارنة، والروم الأرثوذكس، والدروز، والمتاولة (الشيعة)، فيدرس المشترك بينهم». ويفهم من القول ما قبل الأخير أنه يدرج بعض الشيعة ضمن سكان لبنان القدماء. في قوله: «لم يسكن المسلمون القرى»، وضع هامشاً، قال فيه: «نبهني الأستاذ يوسف يزبك إلى أن بيروت القديمة كانت داخل السور. أما ضواحي بيروت مثل الأشرفية والمصيطبة ورأس بيروت فقد كانت مزارع تعيش على (شَيل القز) والزراعة كسائر القرى اللبنانية. وكان أبناء الضواحي كاللبنانيين القرويين في معايشهم وعاداتهم». وأضيف أن مدينة بيروت إلى الخمسينات وأول الستينات الميلادية احتفظت في بعض أحيائها بالطابع الريفي أو القروي. وهذا ما يتضح من صور فوتوغرافية أرشيفية. وللحديث بقية.





