تقييد متصاعد للحريات الطلابية.. هل تعيد الجامعات إنتاج أنماط سابقة من الرقابة؟
تابع المقالة تقييد متصاعد للحريات الطلابية.. هل تعيد الجامعات إنتاج أنماط سابقة من الرقابة؟ على الحل نت.
أثارت قرارات جامعية في سوريا خلال الآونة الأخيرة مخاوف متصاعدة من تقييد الحريات والخصوصية داخل البيئة الأكاديمية، بعد إجراءات طالت تواصل الطلاب، من حل مجموعات “واتساب” غير الرسمية إلى منع مكالمات الفيديو في السكن الجامعي، ما فتح باب التساؤلات حول حدود صلاحيات الإدارة.
إذ تثير هذه الإجراءات مخاوف من خلق بيئة رقابية بين الطلاب أنفسهم، في ظل تساؤلات عن آليات وقانونية التطبيق، وما إذا كانت ستصل إلى المراقبة وتفتيش الهواتف، كما تعيد هذه القرارات إلى الواجهة مقارنات مع أنماط سابقة من التضييق، عاشها السوريون.
قرارات تثير الجدل
في مطلع نيسان/أبريل الجاري، أصدرت الهيئة العامة للمدينة الجامعية في جامعة حلب، تعميماً يقضي بمنع إجراء مكالمات الفيديو أو أي شكل من أشكال التصوير المرئي داخل الوحدات السكنية المخصصة للطالبات.


وشمل التعميم كافة الأجهزة الإلكترونية والهواتف المحمولة، مبرراً ذلك بالحفاظ على “الآداب العامة” وضمان خصوصية الطالبات داخل الحرم الجامعي، مع التشديد على أن أي مخالفة ستعرض صاحبتها للمساءلة القانونية.
لتعود بعدها كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة حلب، بإصدار قرار إداري يقضي بمنح مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لإنهاء جميع المجموعات الطلابية غير الرسمية، وغير الخاضعة لإشراف الهيئة الطلابية أو إدارة الكلية.
ونص القرار على إزالة جميع المشرفين على هذه المجموعات “واتساب، تلغرام، وغيرها”، وإحالتهم إلى لجنة الانضباط لاتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم، مع الإشارة إلى إمكانية ملاحقة المشرف أو مؤسس المجموعة قضائياً، سواء كان من طلاب الكلية أو من خارجها.
وجاء هذا الإجراء، بحسب نص القرار، استناداً إلى “مقتضيات المصلحة العامة” وتطبيقاً لقرارات صادرة عن مجلس الجامعة، دون توضيح طبيعة المخالفات التي قد تترتب على وجود مثل هذه المجموعات.
القرارات الصادرة عن جامعة حلب والمدينة الجامعية، أثارت موجة استياء بين الطلاب والأوساط الحقوقية، وسط اتهامات للإدارة بتبني سياسات “مقيدة للحريات الشخصية” وتجاوز حدود التنظيم الإداري.
وقالت طالبة في السكن الجامعي، لـ”الحل نت” فضلت عدم الكشف عن اسمها، ” أنا ضد قرار إلغاء مجموعات التواصل بين الطلاب، ولكن مع وضع ضوابط لمكالمات الفيديو، لأنها أحياناً تكون مزعجة فعلا، خاصة في غرفة تضم عدة طالبات، حيث ترغب كل واحدة في التحدث مع عائلتها في الوقت ذاته، فيما تفضّل بعض الطالبات المحجبات عدم الظهور، لكن هذا الأمر ينبغي أن تعالجه إدارة السكن الجامعي من خلال التوعية أو تنظيم الاستخدام، لا عبر أساليب القمع والمنع”.
وقال طالب آخر، طلب عدم ذكر اسمه، إن القرار “مجحف بحق الطلاب”، مشيراً إلى أن مجموعات “واتساب” و”تلغرام” باتت وسيلة أساسية للتواصل وتبادل المعلومات بين زملاء الدراسة.

ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة تعميماً سابقاً صدر عن جامعة إدلب (الحرة) عام 2021، خلال فترة إدارة “هيئة تحرير الشام” للمنطقة آنذاك، وفرض قيوداً على مجموعات التواصل الطلابية، ما يعزز المخاوف من تكرار النهج ذاته اليوم، خاصة بعد وصولها إلى الحكم في سوريا بعد كانون الأول/ديسمبر 2024.
لا أساس قانوني للقرار
من جهته، يقول المحامي والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان ميشال شماس، إن القرارات الصادرة في جامعة حلب بما يخص المجموعات والمكالمات، تفتقر إلى أساس قانوني واضح، فلا يوجد في القوانين ولا الإعلان الدستوري ما يشير إلى ذلك، وبالتالي فهي تتجاوز حدود الصلاحيات الإدارية الممنوحة للجامعة بموجب قانون تنظيم الجامعات.
ويضيف أن صلاحيات الإدارة تقتصر على تنظيم المرافق الجامعية وضمان حسن سير العملية التعليمية، ولا تمتد إلى التدخل في الاتصالات الخاصة بين الطلاب أو فرض قيود على وسائل تواصلهم خارج الإطار الأكاديمي المباشر.
وبالعودة للقرار الصادر عن كلية الآداب بما يخص مجموعات التواصل الذي بدأ نص القرار بأنه جاء “بناءً على المصلحة العامة”، يقول شماس إن “مفهوم المصلحة العامة، لا يمكن استخدامه كمبرر فضفاض لتقييد الحريات”.
ويضيف: “القانون يشترط ثلاثة عناصر أساسية: وجود نص يسمح بالتقييد، ووجود مبرر حقيقي، وتناسب الإجراء مع الغاية. وفي هذه الحالة، لم تقدّم الإدارة أي مبرر تقني أو أمني يبرر المنع المطلق لمكالمات الفيديو أو التدخل في مجموعات التواصل”.
ويرى طلاب وحقوقيون، أن القرار، رغم تبريره بحماية “الآداب العامة”، يمثل انتهاكاً لخصوصية الطالبات في التواصل مع ذويهن، خاصة في ظل الاعتماد الكلي على التقنيات الحديثة، واعتبروا أن المنع يفرض حصاراً رقمياً غير مبرر داخل الغرف الخاصة التي يُفترض أنها مساحة شخصية آمنة.
ويُوضّح المحامي ميشال شماس، أن “مجموعات “واتساب” والمكالمات الخاصة تعد جزءاً من الحياة الخاصة التي يحميها الإعلان الدستوري نفسه، ولا يجوز تفتيش الهواتف أو مراقبة الاتصالات إلا بإذن قضائي. أي مطالبة بحل مجموعات خاصة أو التهديد بالملاحقة بسبب محتواها يعد مساساً بالخصوصية وحرية التعبير ومخالفة للقانون”.
القرارات تخلق بيئة من “خوف” و”الوشاية”
في الوقت الذي ترى فيه إدارة الكلية أن القرار صادر “للحفاظ على المصلحة العامة”، يرى الطلاب أن تلك الإجراءات قد تكون بداية لإيجاد “جواسيس” بين الطلاب.
لكن المشكلة لا تقف هنا، إذ تقول طالبة بكلية الآداب في جامعة حلب، لـ”الحل نت” فضلت عدم الكشف عن اسمها: “لا أعلم كيف ستتمكن الإدارة من معرفة الطلاب الذين ينشئون مجموعات، إلا من خلال طلاب آخرين، وهذا أمر يثير السخرية، وكأنهم يريدون تحويلنا إلى جواسيس على بعضنا”.
من جهته، يقول المحامي ميشال شماس، إن هذه القرارات لا تؤثر فقط على الحياة الجامعية، بل تخلق بيئة خوف وتشجع الرقابة والوشاية داخل المجتمع الطلابي، وهو ما يتعارض مع الدور الطبيعي للجامعة كفضاء للحوار وتبادل المعرفة”.
“أن مثل هذه القرارات تندرج في سياق متواصل لتوسيع القيود على الحريات الشخصية، لأن بعض من في السلطة اليوم وخاصة المشايخ لديهم مشكلة بالحريات الفردية وما يترتب عليها من حقوق وخاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة والتعامل معها”.
ميشال شماس، محامي وناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان
ويخلص شماس إلى أن ما صدر من قرارات، لا يندرج ضمن التنظيم الإداري المشروع، بل يمثل خطوة إضافية نحو تقييد المجال الخاص للطلاب، ويثير مخاوف حقيقية من انتقال الجامعة من إدارة المرفق إلى ضبط الحياة الشخصية.
عودة ممارسات تقييد الحريات
بدوره، يُوضّح المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني، أن هذه الإجراءات تتجاوز البعد الإداري، وتمس بشكل مباشر نطاق الحياة الخاصة والاتصالات الشخصية.
ويقول الكيلاني إن مجموعات “واتساب” تُعد من الناحية القانونية جزءاً من نطاق الحياة الخاصة، حتى وإن ضمّت عدداً كبيراً من المشاركين، طالما أنها لا تتمتع بصفة رسمية ولا تُدار من جهة عامة. ويضيف أن أي إجراء يتضمن تفتيش الهواتف أو مراقبة المراسلات دون سند قضائي صريح، يُعد انتهاكاً لمبدأ المشروعية وقواعد حماية الخصوصية.
“أن هذه التدخلات من الناحية الحقوقية تمثل مساساً مباشراً بالحق في الخصوصية، وتعيد إلى الواجهة أنماطاً من المراقبة والتتبع التي عرفها السوريون في مراحل سابقة، بما يعكس استمرار ذهنية التدخل في الحياة الشخصية بدل حمايتها”.
المعتصم الكيلاني، مختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان
وفيما يتعلق بإحالة المشرفين إلى لجان الانضباط، يلفت إلى أن مجرد إدارة مجموعة رقمية غير رسمية لا يشكل مخالفة إدارية بحد ذاته، ما لم يتضمن خرقاً واضحاً لأنظمة جامعية محددة، ولا يرقى إلى مستوى الجريمة الجزائية دون توافر أركانها القانونية، معتبراً أن توسيع نطاق المساءلة في هذه الحالة يمثل انحرافاً في استخدام السلطة التأديبية.
ويؤكد، أن القانون لا يتيح للجامعة فرض عقوبات أكاديمية على نشاط يحدث خارجها أو في الفضاء الرقمي، فإن القاعدة القانونية تقضي بأن الاختصاص التأديبي للمؤسسات التعليمية يقتصر على الأفعال المرتبطة مباشرة بالمرفق الجامعي أو التي تؤثر بشكل ملموس على سيره.
لكن التأثير لا يتوقف عند الجانب القانوني.
ويرى الكيلاني أن هذه القرارات قد تنعكس على طبيعة الحياة الجامعية، إذ قد تساهم في خلق بيئة قائمة على الرقابة والخشية، وتفتح الباب أمام أنماط من التبليغ أو الوشاية بين الطلاب، وهو ما يعيد إلى الأذهان ممارسات سابقة ارتبطت بتقييد الفضاء العام.
ويخلص الكيلاني إلى أن مثل هكذا قرارات قد تعيد إنتاج ممارسات قائمة على الملاحقة والتضييق على الحريات، وهي ممارسات ارتبطت تاريخياً بمرحلة طويلة من الحكم القائم على تقييد الفضاء العام، ولا تزال آثارها مستمرة بأشكال مختلفة حتى اليوم.
- تقييد متصاعد للحريات الطلابية.. هل تعيد الجامعات إنتاج أنماط سابقة من الرقابة؟
- رابونا الجبالي تُسقط الوداد وتمنح المغرب الفاسي صدارة البطولة الاحترافية
- الزمالك في اختبار الحسم أمام شباب بلوزداد بإياب نصف نهائي الكونفدرالية.. وزحف جماهيري نحو القاهرة
- الزمالك في اختبار الحسم أمام شباب بلوزداد.. تحذير من «فخ الذهاب» ودعم شيكابالا في ليلة الكونفدرالية
- النصر يقترب من لقب دوري روشن.. 4 انتصارات تفصل «العالمي» ورونالدو لعب رغم المغص
تابع المقالة تقييد متصاعد للحريات الطلابية.. هل تعيد الجامعات إنتاج أنماط سابقة من الرقابة؟ على الحل نت.





