تقنية مبتكرة تنقل الإنترنت عبر الضوء بسرعات قياسية
يشهد العالم اليوم تزايداً غير مسبوق في الطلب على الاتصالات اللاسلكية السريعة والموثوقة، مدفوعاً بالانتشار الواسع للتطبيقات الرقمية مثل مكالمات الفيديو، وخدمات البث، والواقع الافتراضي، والأجهزة الذكية. ومع اعتماد هذه التطبيقات بشكل أساسي على تقنيات تعتمد على موجات الراديو مثل الواي فاي والشبكات الخلوية، بدأت هذه الأنظمة تواجه تحديات متزايدة، أبرزها ازدحام الطيف الترددي، والتداخل في البيئات الداخلية المكتظة، إضافة إلى ارتفاع استهلاك الطاقة مع تزايد عدد المستخدمين.
في هذا السياق، يبرز الاتصال اللاسلكي البصري كحل واعد ومكمل لهذه الأنظمة، حيث يعتمد على استخدام الضوء بدلاً من موجات الراديو لنقل البيانات. ويتميز هذا النهج بامتلاكه نطاقاً ترددياً أوسع بكثير، وعدم تداخله مع الأنظمة اللاسلكية التقليدية، فضلاً عن إمكانية توجيهه بدقة نحو مواقع محددة، ما يجعله مناسباً بشكل خاص للبيئات الداخلية مثل المنازل والمكاتب والمستشفيات ومراكز البيانات.

وبحسب دراسة نُشرت في مجلة “Advanced Photonics Nexus” وأوردها موقع SPIE، فقد نجح باحثون في تطوير نظام مبتكر للاتصال اللاسلكي باستخدام الضوء، يجمع بين السرعات العالية وكفاءة الطاقة. يعتمد هذا النظام على شريحة صغيرة تحتوي على مصفوفة من الليزرات شبه الموصلة (VCSEL)، وهي قادرة على العمل بسرعات عالية وكفاءة كبيرة، كما يمكن تصنيعها باستخدام تقنيات أشباه الموصلات القياسية، ما يسهل دمجها في أجهزة صغيرة مثل نقاط الوصول أو حتى الهواتف الذكية.
الميزة الأساسية لهذا النظام تكمن في قدرة كل ليزر داخل المصفوفة على إرسال بيانات بشكل مستقل، مما يسمح بتشغيل عدة قنوات نقل بالتوازي، وبالتالي زيادة السعة الإجمالية بشكل كبير مقارنة بمصدر ضوئي واحد. وقد أظهرت التجارب أن النظام تمكن من تحقيق معدل نقل إجمالي يصل إلى 362.7 غيغابت في الثانية، وهو من أعلى المعدلات المسجلة لنظام بصري لاسلكي صغير الحجم.
ولضمان كفاءة نقل البيانات، استخدم الباحثون تقنية تعديل تقسم البيانات إلى قنوات ترددية متعددة متقاربة، ما يتيح استغلالاً أفضل للنطاق الترددي والتكيف مع جودة الإشارة. كما تم اختبار النظام عبر وصلة بصرية لمسافة مترين، حيث حققت كل وحدة ليزر سرعة تراوحت بين 13 و19 غيغابت في الثانية.
ومن التحديات المهمة في هذا النوع من الأنظمة مسألة تداخل الحزم الضوئية عند إرسال عدة إشارات في الوقت نفسه. ولحل هذه المشكلة، تم تطوير نظام بصري يعتمد على عدسات دقيقة لإعادة تشكيل الضوء وتوزيعه على شكل شبكة منتظمة من نقاط الإضاءة، بحيث تغطي كل حزمة منطقة محددة دون تداخل كبير مع الأخرى. وقد أظهرت النتائج تحقيق درجة تجانس تفوق 90% في توزيع الضوء، مما يسمح بتخصيص كل حزمة لمستخدم مختلف داخل نفس المساحة.
أما من ناحية كفاءة الطاقة، فقد أثبت النظام تفوقه مقارنة بالتقنيات التقليدية، حيث بلغ استهلاك الطاقة نحو 1.4 نانو جول لكل بت، أي أقل بحوالي النصف مقارنة بأحدث أنظمة الواي فاي، وهو ما يمثل ميزة كبيرة في ظل تزايد استهلاك الطاقة عالمياً.
ورغم هذه المزايا، يؤكد الباحثون أن هذا النوع من الاتصال لا يهدف إلى استبدال الشبكات الحالية، بل إلى تكاملها، من خلال تخفيف الضغط عن الشبكات الراديوية في الأماكن التي تتطلب سرعات عالية. ومن المتوقع مستقبلاً دمج هذه الأنظمة في الإضاءة الداخلية أو الأسقف أو نقاط الوصول، لتوفير اتصال سريع وآمن وفعال من حيث الطاقة لعدد كبير من المستخدمين في آن واحد.
بهذا، تمثل هذه التقنية خطوة مهمة نحو تطوير شبكات لاسلكية داخلية من الجيل القادم، قادرة على تحقيق أداء أعلى دون زيادة موازية في استهلاك الطاقة، ما يعزز الاستدامة الرقمية في عالم متصل بشكل متزايد .




