تكبيرات ذي الحجة توحد ضيوف الرحمن في المشاعر المقدسة رغم اختلاف الألسنة
رَغْمَ تَبَايُنِ اللُّغَاتِ وَتَعَدُّدِ الجِنْسِيَّاتِ لِحُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، تَتَوَحَّدُ أَصْوَاتُ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ فِي مَشْهَدٍ إِيمَانِيٍّ مَهِيبٍ عِنْدَ تَرْدِيدِ تَكْبِيرَاتِ الحَجِّ الَّتِي صَدَحَتْ فِي الأَرْجَاءِ مَعَ حُلُولِ العَشْرِ الأَوَائِلِ مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ لِعَامِ 1447 هـ.
وَتُشَكِّلُ هَذِهِ النَّفَحَاتُ الرُّوحَانِيَّةُ مَلْحَمَةً جَمَاعِيَّةً تَجْمَعُ مَلَايِينَ المُسْلِمِينَ تَحْتَ رَايَةٍ لُغَوِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي المَشَاعِرِ المُقَدَّسَةِ، مُعْلِنَةً بَدْءَ أَعْظَمِ التَّجَمُّعَاتِ البَشَرِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
بِدَايَةُ الشَّهْرِ الفَضِيلِ وَالتَّوْقِيتَاتُ الزَّمَنِيَّةُ لِلْمَنَاسِكِ
وَكَانَتِ المَحْكَمَةُ العُلْيَا فِي المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ قَدْ أَعْلَنَتْ رَسْمِيّاً أَنَّ يَوْمَ أَمْسِ الِاثْنَيْنِ (18 مَايُو) هُوَ غُرَّةُ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ، وَبِنَاءً عَلَى هَذَا التَّحْدِيدِ الشَّرْعِيِّ، تَتَوَزَّعُ أَيَّامُ المَنَاسِكِ الرَّئِيسِيَّةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- بِدَايَةُ مَوْسِمِ الحَجِّ (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ): الإِثْنَيْنِ 8 ذِي الحِجَّةِ، المُوافِقِ 25 مَايُو.
- الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ (ذُرْوَةُ المَنَاسِكِ): الثُّلَاثَاءِ 9 ذِي الحِجَّةِ، المُوافِقِ 26 مَايُو.
- مُدَّةُ مَوْسِمِ الحَجِّ: يَسْتَمِرُّ لِمُدَّةِ سِتَّةِ أَيَّامٍ لِيَنْتَهِيَ يَوْمَ السَّبْتِ المُوافِقِ 30 مَايُو، حَيْثُ يُؤَدِّي الحُجَّاجُ مَنَاسِكَ المَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الجَمَرَاتِ، وَطَوَافَيِ الإِفَاضَةِ وَالوَدَاعِ.
إِحْصَاءَاتُ التَّدَفُّقِ البَشَرِيِّ وَالتَّسْهِيلَاتُ الرَّقْمِيَّةُ
وَفِي سِيَاقِ الجَاهِزِيَّةِ لِاسْتِقْبَالِ الحَجِيجِ، صَرَّحَ وَزِيرُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ السُّعُودِيُّ، الدُّكْتُور تَوْفِيق بْن فَوْزَان الرَّبِيعَة، بِأَنَّ عَدَدَ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ وَصَلُوا إِلَى المَنَافِذِ الحُكُومِيَّةِ لِلْمَمْلَكَةِ حَتَّى تَارِيخِ 13 مَايُو الجَارِي تَجَاوَزَ 860 أَلْفَ حَاجٍّ، وَسْطَ تَوَقُّعَاتٍ بِتَصَاعُدِ الأَعْدَادِ لِتَقْتَرِبَ مِنْ مُؤَشِّرَاتِ العَامِ المَاضِي 2025 م الَّذِي سَجَّلَ بُلُوغَ 1,673,230 حَاجّاً، مُقَابِلَ نَحْوِ 1.83 مِلْيُونِ حَاجٍّ فِي مَوْسِمِ عَامِ 2024 م.
وَلِتَسْهِيلِ التَّجْرِبَةِ الرَّقْمِيَّةِ لِلتَّنَوُّعِ العِرْقِيِّ الهَائِلِ، أَدْخَلَتِ المُمْلَكَةُ تَحْدِيثَاتٍ شَامِلَةً عَلَى النِّظَامِ الوَطَنِيِّ؛ حَيْثُ يُوفِّرُ تَطْبِيقُ "تَوَكَّلْنَا" خِدْمَاتِ الحَجِّ لِلْحُجَّاجِ وَالعَامِلِينَ بـ 19 لُغَةً عَالَمِيَّةً مُخْتَلِفةً، مِنْ بَيْنِهَا: الإِنْجِلِيزِيَّةُ، وَالإِنْدُونِيسِيَّةُ، وَالهِنْدِيَّةُ، وَالأُرْدِيَّةُ، وَالتُّرْكِيَّةُ، وَالفَرَنْسِيَّةُ، وَالصِّينِيَّةُ، وَالرُّوسِيَّةُ.
وَرَغْمَ هَذَا التَّعَدُّدِ التِّقْنِيِّ البَاهِرِ، تَبْقَى التَّكْبِيرَاتُ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ هِيَ القَاسِمَ المُشْتَرَكَ الَّذِي يَلْهَجُ بِهِ الجَمِيعُ فِي الطُّرُقَاتِ وَالفَيَافِي.
فِقْهُ التَّكْبِيرِ: بَيْنَ المُطْلَقِ وَالمُقَيَّدِ
مِنْ جَانِبِهِ، أَوْضَحَ أَمِينُ الفَتْوَى بِدَارِ الإِفْتَاءِ المِصْرِيَّةِ، الشَّيْخ مَحْمُود شَلَبِي، أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ يُعَدُّ سُنَّةً نَبَوِيَّةً مُؤَكَّدَةً، وَيَنْقَسِمُ شَرْعِيّاً إِلَى نَوْعَيْنِ رَئِيسَيْنِ:
- 1. التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ: يَبْدَأُ مَعَ دُخُولِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ، وَلَا يَرْتَبِطُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ صَلَاةٍ مُحَدَّدَةٍ، بَلْ يَجُوزُ فِي الأَسْوَاقِ وَالبُيُوتِ اسْتِنَاداً لِفِعْلِ الصَّحَابِيَّيْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ.
- 2. التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ: يَرْتَبِطُ بِأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَةِ خِلَالَ أَيَّامِ العِيدِ، وَيَبْدَأُ شَرْعِيّاً مِنْ فِجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ (26 مَايُو) وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى عَصْرِ رَابِعِ أَيَّامِ عِيدِ الأَضْحَى المُبَارَكِ.
وَتُعَدُّ الصِّيغَةُ المَرْوِيَّةُ عَنِ الصَّحَابَةِ هِيَ الأَكْثَرَ شُهْرَةً: "اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ".
تَجْسِيدٌ عَمَلِيٌّ لِوَحْدَةِ الأُمَّةِ الِاسْلَامِيَّةِ
وَفِي تَعْلِيقِهِ عَلَى المَشْهَدِ، أَكَّدَ أُسْتَاذُ العَقِيدَةِ وَالفَلْسَفَةِ وَالمُشْرِفُ العَامُّ عَلَى الأَرْوِقَةِ العِلْمِيَّةِ بِالأَزْهَرِ الشَّرِيفِ، الدُّكْتُور عَبْد المُنْعِم فُؤَاد، أَنَّ تَذْوِيبَ الِاخْتِلَافَاتِ اللُّغَوِيَّةِ عِنْدَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ هُوَ التَّجْسِيدُ العَمَلِيُّ لِأَحَدِ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَرِيضَةِ الحَجِّ، وَهُوَ تَرْسِيخُ الوَحْدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ.
وَأَشَارَ فُؤَاد إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَاتِ تَتَحَوَّلُ فِي المَشَاعِرِ إِلَى "لُغَةٍ عَالَمِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ" تَحْمِلُ رِسَالَةً بَلِيغَةً بِأَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ الأُمَّةَ، مَهْمَا تَبَاعَدَتْ أَوْطَانُهَا وَاخْتَلَفَتْ سِيَاسَاتُهَا، تَجْتَمِعُ فِي النِّهَايَةِ جَسَداً وَاحِداً بِلَا تَمْيِيزٍ عُنْصُرِيٍّ، إِلَّا بِمِعْيَارِ التَّقْوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.





