تحذيرات صادمة من تلوث المياه: هل يواجه العراق أزمة صحية صامتة؟
متابعة/المدى
أكد عضو مجلس النواب العراقي، غيث رعد الكلابي، وجود مؤشرات وصفها بالخطيرة تتعلق بملف تلوث المياه في عدد من عينات مياه الإسالة، مشيراً إلى رصد بكتيريا من نوع “الكوليفورم”، إلى جانب تراكيز من معادن ثقيلة مثل الكادميوم والكروميوم والنحاس وغيرها، على حد تعبيره.
وأوضح النائب الكلابي أن هذه النتائج، في حال ثبوتها بشكل نهائي، قد تنعكس سلباً على الصحة العامة، وتسهم في ارتفاع بعض الحالات المرضية، ومنها أمراض الجهاز الهضمي والجلد ومشكلات صحية متعددة، داعياً إلى التعامل مع الملف بوصفه أولوية صحية وبيئية ملحة.
وأشار إلى وجود مصادر محتملة للتلوث، من بينها تصريف مياه المستشفيات بشكل غير معالج كلياً إلى شبكات الصرف الصحي، إضافة إلى مخلفات بعض المناطق الصناعية، مبيناً أن بعض الملوثات الكيميائية قد تمتد عبر الأنهر لمسافات طويلة نتيجة طبيعتها التفاعلية.
وبيّن أن استخدام مياه الإسالة لا يقتصر على الشرب فقط، بل يشمل الطبخ والاستعمالات اليومية الأخرى، ما يوسع من نطاق التأثيرات المحتملة، لا سيما في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل أكبر على مصادر المياه المحلية.
ودعا النائب إلى تشكيل لجنة دائمة مختصة بمتابعة ملف تلوث المياه، مع توسيع مهام اللجان ذات العلاقة لتشمل قطاعات الزراعة والمياه والأهوار، مؤكداً ضرورة اعتماد “مشروع وطني” شامل لمعالجة المياه الثقيلة وإنشاء محطات حديثة لمعالجة مياه الشرب تتناسب مع حجم ونوعية الملوثات الراهنة.
كما شدد الكلابي على أهمية تبني حلول استراتيجية طويلة الأمد، تشمل تطوير محطات المعالجة الحالية وإنشاء محطات جديدة وفق الاحتياجات الفعلية، بهدف تأمين مياه صالحة للاستخدام والشرب لجميع المواطنين في مختلف مناطق البلاد.
من جهته، قال الخبير البيئي علي الفهد، خلال حديث لـ(المدى)، إن ملف تلوث المياه في العراق لم يعد قضية موسمية أو مرتبطة بمحافظة دون أخرى، بل هو ملف بنيوي يرتبط بضعف منظومات المعالجة وغياب الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
وأوضح أن التحدي الأساسي يتمثل في تداخل مصادر التلوث، بين مياه الصرف الصحي غير المعالجة، ومخلفات المستشفيات، والنشاط الصناعي، إضافة إلى التغيرات المناخية وانخفاض مناسيب الأنهار، ما يزيد من تركيز الملوثات داخل المياه الخام.
وأضاف الفهد أن محطات معالجة المياه الحالية تعاني في الغالب من تقادم في البنية التحتية وعدم كفاية القدرة التصميمية مقارنة بالنمو السكاني، فضلاً عن ضعف الرقابة البيئية المستمرة، ما يسمح بوصول مياه غير مطابقة للمواصفات إلى شبكات الإسالة.
وأشار إلى أن معالجة هذه الأزمة تتطلب الانتقال من الحلول الجزئية إلى خطة وطنية شاملة تعتمد على تحديث محطات المعالجة، وإنشاء وحدات متقدمة لإزالة المعادن الثقيلة والملوثات العضوية والبكتيرية.
وبيّن أن الحلول لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تشمل أيضاً تعزيز التشريعات البيئية وتطبيق مبدأ “الملوث يدفع”، وربط جميع الأنشطة الصناعية والصحية بأنظمة معالجة إلزامية قبل التصريف.
كما دعا إلى إطلاق برنامج وطني للرصد البيئي المستمر للمياه السطحية والجوفية، ونشر نتائجه بشفافية لتعزيز ثقة المواطن، مؤكداً أن الأمن المائي يمثل جزءاً أساسياً من الأمن الصحي والاقتصادي في البلاد، ولا يمكن تأجيل معالجته.
وفي سياق متصل، رهن وزير الموارد المائية عون ذياب، بقاء الدولة العراقية باستمرار جريان المياه في نهري دجلة والفرات، عاداً حمايتهما وإدارتهما مسؤولية “وطنية متكاملة” لا تقتصر على وزارة واحدة.
وجاء ذلك خلال انطلاق أعمال الاجتماع التشاوري للفريق الوطني لمبادرة حماية نهري دجلة والفرات، التي أطلقها رئيس مجلس الوزراء خلال مؤتمر بغداد الدولي الخامس للمياه 2025، بهدف حماية واستدامة الموردين المائيين الأهم في العراق والمنطقة.
وقال الوزير إن هذه المبادرة تأتي استجابة لتحديات متفاقمة تشمل التغيرات المناخية، وتراجع الإيرادات المائية، والتلوث، والهدر، فضلاً عن التجاوزات على الموارد المائية، مبيناً أنها تعتمد نهجاً حديثاً يرتكز على الابتكار التكنولوجي والحوكمة البيئية والمؤسسية والشراكة المجتمعية والتعاون الإقليمي والدولي.
وأكد أن دجلة والفرات ليسا مجرد نهرين داخل الحدود، بل جزء من تاريخ العراق وهويته واستقراره، مشدداً على أن حمايتهما تمثل حمايةً لمورد سيادي وركيزة أساسية لبقاء الدولة.
وأضاف أن إدارة هذا الملف تتطلب مسؤولية وطنية متكاملة تتقاطع فيها الأبعاد المائية والبيئية والمؤسسية والتنموية، مشيراً إلى أن نجاح هذا المسار لا يمكن أن يتحقق عبر جهة واحدة، بل عبر تنسيق وطني شامل بين مختلف المؤسسات ذات العلاقة.
The post تحذيرات صادمة من تلوث المياه: هل يواجه العراق أزمة صحية صامتة؟ appeared first on جريدة المدى.





