ثلاثة تيارات إسلامية في سوريا.. هل ينجح الشرع بـ”الإذابة”؟
موفق الخوجة | محمد جفال | عدي الحاج حسين
اقتحمت الجماعات والتيارات الإسلامية الحياة السياسية والتنظيمية في سوريا، عقب سقوط النظام السوري السابق، إذ جرى تأطيرها، لعقود، ضمن تيار مشيخي تقليدي اعتزل العمل السياسي، أو زج من حاول دخول معترك السياسة والعمل المجتمعي، خارج المنظومة التقليدية، في السجون والمعتقلات.
التيارات التي تشكلت أو تبلورت ضمن ما كان يُعرف بـ”المناطق المحررة” التي كانت تحت سيطرة المعارضة قبل سقوط النظام، باتت الآن ضمن مشهد أوسع، بعضها أصبح جزءًا أساسيًا يمسك بالحكم من داخل الحكومة الحالية، وبعضها الآخر خارج المنظومة، يترقب دورًا قادمًا، أو إطارًا يحد حدوده ومساحة عمله.
في مشهد مقابل، فإن جهة مغالية، تتمثل بتنظيم “الدولة الإسلامية” بشكل رئيس، تقوم بدور التيار الذي يحتوي على أكثر العناصر تشددًا، والطرف الإسلامي المعادي للدولة الجديدة بشكل مباشر.
تناقش عنب بلدي في هذا الملف، واقع الجماعات الإسلامية في سوريا ضمن ثلاثة محاور رئيسة، الأول جماعات ضمن إطار الدولة، والثاني يتمثل بجماعات خارج منظومة الحكم لكنها لا تعادي الدولة، بينما ينسحب المحور الثالث على الجماعات التي تعادي الحكم الجديد، والمتمثل بشكل رئيس بتنظيم “الدولة”.
ويبحث الملف، مع خبراء وباحثين ومتخصصين في المجال، علاقة هذه الجماعات مع الدولة، في ظل غياب أطر قانونية ناظمة لعملها، مع الإشارة إلى أبرز التيارات الموجودة في سوريا، إضافة إلى مناقشة الحالة الأمنية التي يشكلها تنظيم “الدولة” في سوريا.
ثلاثة تيارات ضمن الحكومة
تحديات أمام الاندماج
تشكلت الحكومة الحالية، لا سيما المؤسسات الأمنية والعسكرية، من فصائل عسكرية حاربت النظام السوري السابق، طوال 14 عامًا، معظمها ذات طابع أيديولوجي إسلامي، ما أوحى بهوية إسلامية للدولة الوليدة، التي نشأت بعد الإطاحة بحكم الأسد، الذي كان يُصنف نفسه بالعلماني، لا سيما بنواة الحكم السياسي والعسكري في سوريا الآن، وهي “هيئة تحرير الشام”، التي كان يقودها حينذاك “أبو محمد الجولاني”، وهو الرئيس السوري حاليًا، أحمد الشرع.
هذه التركيبة ولدت شعورًا باختلاف جذري للحكمين، فالنظام السابق كاد يخلو من ملتحٍ أو ملتزم دينيًا (ظاهريًا) ضمن منظومة الحكم، من رأس الهرم حتى القاعدة، بالمقابل، فإن التيارات الإسلامية، التي كانت محظورة من العمل المدني أحيانًا، فضلًا عن السياسي والعسكري، باتت هي من تمسك بزمام الحكم.
على الجانب الآخر، فإن هذه التيارات التي نشأت ضمن مجموعة الفصائل، ليست على مستوى واحد، بل إن بعضها كان متناحرًا إلى حد إشعال معارك بينية، لأسباب فكرية أحيانًا، وأسباب اقتصادية أو تتعلق بالنفوذ أحيانًا أخرى.
ضمن ثلاثة مستويات
الباحث والكاتب حسام جزماتي، قال إن هناك ثلاثة مستويات للتيارات التي كانت الفصائل تنتمي إليها، والتي هي الآن منخرطة ضمن الدولة السورية.
التيار الأول بطابع إسلامي وميول محافظة، لكن لم تكن الجماعات فيه تنتمي بشكل واضح إلى تيار محدد، مثل “فيلق الشام” و”الجبهة الشامية”، وهي تميل إلى جماعة “الإخوان المسلمين” دون أن تنتمي بشكل مباشر للجماعة.
المستوى الثاني، فصائل لا ترتبط بحركات إسلامية مطلقًا، مثل “الجيش الوطني السوري” الذي كان يعمل في مناطق نفوذ “الحكومة السورية المؤقتة” بريف حلب الشمالي، ومدينتي تل أبيض ورأس العين، شمال محافظتي الرقة والحسكة، أو ضمن ما يعرف بمناطق عمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” التي أطلقتها تركيا.
المستوى الثالث، فصائل تمتلك أيديولوجية إسلامية، أبرزها “هيئة تحرير الشام” والتيار المتحالف معها من “حركة أحرار الشام”، والذي كان برئاسة عامر الشيخ (محافظ ريف دمشق حاليًا)، إضافة إلى شخصيات بارزة، مثل حسن صوفان عضو لجنة السلم الأهلي، وأحمد دالاتي مدير مديرية الأمن الداخلي في ريف دمشق ومحافظ القنيطرة.
وضمن هذا المستوى، أشار جزماتي إلى فصائل أخرى بذات الأيديولوجية التي تؤمن بـ”السلفية الجهادية”، كانت معارضة لـ”هيئة تحرير الشام”، مثل الجناح الآخر لـ”حركة أحرار الشام” و”جيش الإسلام”.

عرض عسكري لإدارة العمليات العسكرية في دمشق عقب الإطاحة بالنظام السوري السابق – 28 كانون الأول 2026 (يورونيوز)
تحدي الاندماج
يرى جزماتي أن الفصائلية والحركية ما زالت تؤثر “بشكل كبير” على العناصر المنخرطين في الدولة، سواء كانت هذه الميول إسلامية، أم فقط آثار الانتماء إلى الفصائل.
وعلل ذلك بأن عملية اندماج الفصائل ضمن وزارة الدفاع لم تتم بالشكل الذي كان موعودًا، بأن يتم الدمج على شكل أفراد، بل بقيت هذه الفصائل ببنيتها وأماكن نفوذها وتحولت إلى فرق ضمن الجيش.
وبالتالي، هذه ليست وسيلة لأن تشعر القيادات والعناصر بالذوبان ضمن الإطار العام، أو كما يفترض أن يكون جيشًا وطنيًا، كما يرى أنها ليست طريقة جيدة نحو الاندماج.
مدير وحدة الدراسات في مركز “جسور للدراسات”، عبد الوهاب العاصي، تحدث عن غياب عقيدة عسكرية موحدة وحياة سياسية تؤطر هذه التيارات المختلفة.
وشرح بأن البنية الفعلية للولاء لا تزال تسير عبر القنوات القديمة، أي الفصيل والتنظيم والتيار الفكري والقائد الميداني، لا عبر المؤسسة التي لا تزال بنيتها ضعيفة أصلًا، لأنها قيد البناء أو الإصلاح أو التثبيت.
لا تزال مرجعية القرار تتأثر بالإطار الفكري للتيارات سواء كانت سلفية جهادية أو صوفية أو إخوانية أو غيرها.
عبد الوهاب عاصي
مدير وحدة الدراسات في مركز “جسور للدراسات”
كما أن العلاقات الأفقية بين أفراد الفصيل الواحد داخل مؤسسات مختلفة تشكل قنوات نفوذ موازية للتسلسل الهرمي الرسمي، مما يشير إلى أن المؤسسة ليست هي الإطار الوحيد لتدفق المعلومات والقرار، وفق عاصي.
وبحسب جزماتي، فإن عناصر “هيئة تحرير الشام” أو التيار الذي كان ضمن مسماها القديم (جبهة النصرة)، يرون أنفسهم هم الدولة، وفق ما يعتقده الباحث، مشيرًا إلى أن قيادات “الهيئة” من الصف الأول حتى الرابع يتسلمون مواقع مركزية في الحكم، منها المناصب السيادية، أو عبر نواب للوزارات الأخرى التي يديرها وزراء “تكنوقراط”، إذ إنهم محاطون بفريق يتحكم بالوزارة.
بالمقابل، فإن بعض الكوادر وجدوا أنفسهم خارج منظومة الحكم، وفق ما لفت إليه جزماتي، حيث وضعت الحكومة شروطًا معينة للدخول في وزارتي الداخلية والدفاع، منها ما يتعلق بالعمر والشهادة الدراسية.
وقال إن كوادر هذه الفئة “ساخطون” بسبب عدم ضمهم إلى الحكومة، رغم أنهم قاتلوا معها حتى معركة “ردع العدوان” التي أطاحت بحكم الأسد، بمقابل دخول متطوعين لم يشاركوا في الثورة، أو كانوا في مناطق سيطرة النظام السابق.
حكومة الشرع وتحدي “الإذابة”
في ظل هذه الفصائلية التي ما زالت تسيطر على المشهد السياسي والعسكري في سوريا، وانتماء هذه العناصر والكوادر إلى تيارات مختلفة، يبرز سؤال محوري، حول مدى قدرة الرئيس السوري، أحمد الشرع، وإدارته، على إذابة هذه التيارات والانتماءات ضمن الإطار الحكومي.
ولتجاوز هذا التحدي، قال الباحث في مركز “جسور” عبد الوهاب عاصي، إن سوريا تحتاج إلى بناء مسار مؤسسي واضح يهدف إلى إصلاح المؤسسات وإعادة هيكلتها، بما يجعل معايير الكفاءة والالتزام المؤسسي والمحاسبة والترقية هي الناظم لانضباط الأفراد لا الولاء الفكري والفصائلي.
ونوه إلى ضرورة توجه الحكومة لبناء سردية وطنية جامعة عبر التعليم والإعلام، بحيث لا تلغي التنوع الفكري، وتضع “المواطنة السورية” فوق كل انتماء آخر في الفضاء العام والمؤسسي.
كما أن هناك حاجة ملحّة لتفعيل الحياة السياسية عبر قانون الأحزاب، وبذلك فإن من يريد تمثيل تياره الفكري يفعل ذلك عبر أحزاب ومؤسسات مدنية، لا عبر موقعه في الجيش أو الأمن.
ودون هذا المخرج، ستبقى المؤسسات الأمنية والعسكرية هي الساحة الفعلية للتنافس بين التيارات، وفق عاصي.
من جانبه، يتساءل جزماتي حول إمكانية نجاح الشرع في القيادة، وسط وجود هذه التيارات، حيث يرى صعوبة إزالتها.
ويعتمد نجاح الرئيس السوري بالمسير في هذا المركب، وإذابة هذه التيارات ضمن المنظومة الحكومية، وفق ما يعتقده جزماتي، على تحقيق الوعود الاقتصادية ووصول الاستثمارات والبدء بإعادة الإعمار.
وبما أن الرئيس السوري، الشرع، يستطيع دفع الرواتب إلى عناصر وزارتي الدفاع والداخلية، وفق منظومة توزيع الرواتب الحالية، التي هي خارج إطار بقية الموظفين في المؤسسات المدنية (تُدفع بالدولار الأمريكي) دون تأخير أو خصومات، فإن الأمور ستبقى تحت سيطرته.
بالمقابل، فإن أي تعثر في هذه المسائل يبطل المضمون، بحسب جزماتي.
المقاتلون الأجانب.. الانتماء إلى الدولة أو الأيديولوجيا
في سياق مشابه، ما زالت قضية المقاتلين الأجانب، المعروفين بـ”المهاجرين”، تشغل حيزًا واسعًا من النقاش في القضية السورية، إذ إن العديد من هؤلاء المقاتلين هم جزء رئيس في إحدى أهم المؤسسات السيادية في سوريا، المتمثلة في وزارة الدفاع.
ووفق ما رصدته عنب بلدي، فإن المقاتلين الأجانب يتمركزون في فرقتين عسكريتين أساسيتين ضمن الجيش السوري، إحداهما في الساحل والأخرى في إدلب.
كما أن اثنين من أبرز القيادات ضمن الجيش السوري، هما عبد الرحمن الخطيب (أردني الجنسية) وعمر جفتجي (تركي الجنسية) يمسكان بأكثر الملفات العسكرية حساسية، وهي الحرس الجمهوري وحماية العاصمة السورية، دمشق.
وتشير تقارير أيضًا إلى أن كوادر أجنبية أصبحت أيضًا ضمن المؤسسات المدنية، دون أن توضح الحكومة طبيعة بقائهم في سوريا، أو وضعهم القانوني.
وكان المقاتلون الأجانب انخرطوا في الثورة السورية للقتال ضد نظام الأسد، إلى جانب فصائل إسلامية، لدوافع دينية، وبمعتقدات “نصرة المسلمين المستضعفين”.
ويبقى السؤال، هل سيبقى هؤلاء الأجانب الذين أصبحوا بمراكز حكومية، بعضها قيادية، ضمن ولاءاتهم الدينية، أم سيتحول ولاؤهم إلى منحى وطني ودولتي؟
الباحث في مركز “جسور للدراسات” عبد الوهاب عاصي، قال إن التجارب تُظهر أن المقاتلين الأجانب الذين يُدمجون في مؤسسات دولة لا ينتمون إليها وطنيًا، يشكّلون دائمًا خطرًا بنيويًا، لأن ولاءهم يبقى للأيديولوجيا أو للقضية أو للقائد لا للدولة.
والخيارات الواقعية في الحالة السورية، وفق ما يراه عاصي، هي إما منحهم الجنسية مع برامج تأهيل مدني حقيقية وفترة اختبار طويلة، وإما تسهيل عودتهم لبلدانهم مع ضمانات.
وقال إن إبقاءهم في مناصب أمنية وعسكرية دون وجود مسار خاص لإعادة تأهيلهم، سيجعل هذه المسألة بمثابة ثغرة يُمكن اختراقها، ويمثّل عبئًا على الدولة الناشئة.

مقاتلون من إدارة العمليات العسكرية يرفعون راية التوحيد خلال عرض عسكري في دمشق – 27 كانون الأول 2024 (رويترز)
إسلاميون خارج السلطة..
خرائط النفوذ وحدود العلاقة مع الدولة
لم تعد خريطة الجماعات الإسلامية في سوريا، بعد مرحلة “التحرير”، محصورة بتلك التي كانت جزءًا مباشرًا من الصراع المسلح، بل باتت أكثر تشعبًا وتعقيدًا مع بروز فاعلين يعملون خارج مؤسسات الحكومة، دون أن يكونوا في حالة عداء مباشر معها، وفي الوقت نفسه دون أن يندمجوا في بنيتها الرسمية.
ويعكس هذا التحول انتقال المشهد الإسلامي من مرحلة “الاصطفاف الحاد” خلال سنوات الحرب إلى مرحلة “إعادة التموضع”، حيث لم يعد معيار العلاقة مع السلطة قائمًا فقط على الولاء أو الخصومة، بل على درجات متفاوتة من القرب والابتعاد، والتأثير غير المباشر في المجال العام.
وتشمل هذه الخريطة طيفًا واسعًا من التيارات، تبدأ بجماعة “الإخوان المسلمين” ذات التاريخ السياسي الطويل في سوريا، وتمتد إلى حزب “التحرير” الذي يقدم تصورًا فكريًا يتجاوز الدولة الوطنية، وصولًا إلى التيارات السلفية الدعوية التي تتمركز في المجال الديني والاجتماعي، وتتحرك خارج السياسة المباشرة لكنها تظل فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الوعي العام.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الجماعات الإسلامية عبد الرحمن الحاج، أن هذا المشهد لا يمكن قراءته بوصفه كتلة واحدة، بل باعتباره شبكة مركبة من الفاعلين تختلف في بنيتها الفكرية والتنظيمية، وفي علاقتها مع الدولة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على كيفية إدماجها أو استبعادها من الفضاء العام.
في المقابل، الباحث في الفكر السياسي عامر درويش، يطرح زاوية موازية، معتبرًا أن الإشكال لا يقتصر على تعدد هذه التيارات، بل يمتد إلى غياب إطار قانوني واضح ينظم العلاقة بينها وبين الدولة، ما يجعل المشهد مفتوحًا على حالة من “السيولة التنظيمية”، إذ تتحرك هذه القوى بين الهامش الرسمي وغير الرسمي دون تعريف مؤسسي واضح.
وبين هذا التعدد والتباين، تتقاطع هذه الجماعات عند هدف عام يتمثل في محاولة التأثير بشكل المرحلة المقبلة في سوريا، سواء عبر المشاركة السياسية، أو عبر إعادة تشكيل المجال الديني والاجتماعي، أو عبر طرح تصورات مختلفة حول الهوية والنظام السياسي.
في المقابل، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة معقدة، فهذه الجماعات لا تشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا بالمعنى التقليدي، لكنها تطرح في الوقت ذاته أسئلة عميقة تتعلق بالشرعية، وبحدود الفضاء العام، وبطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في مرحلة ما بعد الحرب.
لا يمكن التعامل مع الجماعات الإسلامية غير المنضوية ضمن مؤسسات الدولة ككتلة واحدة، فاختلاف طبيعتها بين السياسي والدعوي وحتى شبه العسكري يفرض مقاربات مختلفة.
د. عبد الرحمن الحاج
باحث في الجماعات الإسلامية
خريطة الفاعلين.. بين السياسي والدعوي والعسكري
يتسم المشهد الإسلامي في سوريا بتعدد مستويات الفاعلين وتداخلها، حيث لا يمكن فصل البنية السياسية عن الدعوية أو حتى عن الامتدادات السابقة للمشهد العسكري، ما يجعل أي مقاربة تحليلية بحاجة إلى تفكيك هذه الطبقات بدل التعامل معها كوحدة واحدة.
الباحث عبد الرحمن الحاج، يصنف هذه الخريطة إلى ثلاث دوائر رئيسة مترابطة لكنها غير متجانسة:
أولًا: الجماعات السياسية
تضم هذه الدائرة جماعة “الإخوان المسلمين” بوصفها أحد أقدم الفاعلين في الحياة السياسية السورية، إلى جانب مجموعة من الأحزاب والتيارات التي نشأت خلال سنوات الحرب، مثل “حركة سوريا الأم” و“تيار المستقبل” و“الحركة الوطنية السورية”، إضافة إلى “تيار سوريا الجديدة” الذي يُنظر إليه كتيار محافظ يسعى إلى تثبيت حضوره تدريجيًا في مرحلة ما بعد “التحرير”.
وتتميز هذه الدائرة بأنها الأكثر قابلية نظريًا للاندماج في أي مسار سياسي مستقبلي، رغم استمرار حالة الغموض القانوني حول وضعها الرسمي.
ثانيًا: حزب “التحرير”
يمثل حزب “التحرير” حالة خاصة داخل هذا المشهد، إذ يصفه الحاج بأنه تنظيم نخبوي محدود القاعدة الشعبية، يقوم خطابه السياسي على رفض الدولة الوطنية من حيث المبدأ، لمصلحة مشروع عابر للحدود قائم على فكرة الخلافة.
ويضع هذا الموقف الحزب خارج أي إمكانية واقعية للاندماج في البنية السياسية أو الحكومية القائمة، ليس فقط بسبب موقف الدولة منه، بل أيضًا بسبب طبيعة خطابه الذي لا يعترف بشرعية الدولة الوطنية أصلًا، ما يجعل العلاقة بين الطرفين علاقة رفض متبادل في جوهرها.
ثالثًا: التيارات الدعوية والسلفية العلمية
تشكل هذه الدائرة أحد أكثر الفضاءات تعقيدًا من حيث التحديد، إذ لا تقوم على تنظيم مركزي واضح، بل على شبكات من الأفراد والمجموعات الصغيرة التي تنشط في المجال الديني والتعليم الشرعي.
وأشار الحاج إلى أن هذا التيار لم يكن حاضرًا بشكل علني خلال سنوات النظام السابق، لكنه شهد بعد مرحلة “التحرير” تحولًا نحو العلنية، بالتوازي مع عودة النشاط الديني في المساجد والمراكز الشرعية، وإعادة تشكل المجال الديني خارج القبضة الأمنية السابقة.
ويبرز في هذا السياق اسم عبد الرزاق المهدي، بوصفه أحد أبرز الوجوه المرتبطة بهذا التيار، والذي ارتبط اسمه بإعادة تنشيط الخطاب السلفي الدعوي، إلى جانب حضوره في نقاشات تتعلق بالمؤسسة الدينية وعلاقتها بالنظام السابق.
وأضاف الحاج أن هذا التيار لا يمكن التعامل معه بوصفه تنظيمًا واحدًا، بل كحالة اجتماعية- فكرية واسعة ذات تأثير غير مباشر، رغم ضعف بنيته التنظيمية.
الإشكال الأساسي لا يتعلق فقط بهذه الجماعات، بل بغياب إطار قانوني واضح ينظم العلاقة بينها وبين الدولة.
عامر درويش
باحث في الفكر السياسي
النشاط بعد “التحرير”.. إعادة التموضع لا الانسحاب
مع دخول البلاد مرحلة أقل حدة من الصراع العسكري، لم تتراجع هذه الجماعات، بل أعادت تموضعها داخل المجال العام، عبر الانتقال من الفعل الصدامي إلى الفعل التراكمي طويل المدى.
فعلى المستوى الدعوي، توسعت أنشطة التيار السلفي العلمي في التعليم الشرعي، وإحياء الدروس الدينية، وتوسيع الحضور في الفضاء الرقمي، ما منح هذا التيار قدرة على الوصول إلى شرائح مجتمعية أوسع، رغم بقائه خارج السياسة المباشرة.
أما جماعة “الإخوان المسلمين” فتسعى إلى إعادة صياغة حضورها السياسي عبر خطاب أكثر “براغماتية”، يقوم على القبول بالمشاركة ضمن أي إطار سياسي مستقبلي، مع محاولات لإعادة بناء حضور غير مباشر داخل مؤسسات الدولة أو عبر الاستحقاقات الإدارية.
وفي المقابل، يواصل حزب “التحرير” نشاطه الفكري عبر البيانات والندوات والمواد الدعوية، محافظًا على خطابه الرافض للدولة الوطنية، ما يجعله فاعلًا أيديولوجيًا مستمرًا أكثر من كونه فاعلًا سياسيًا قابلًا للتأثير المؤسسي.
وفي هذا السياق، أشار عامر درويش إلى أن هذا الحراك لا يمكن فصله عن غياب إطار قانوني واضح ينظم الحياة الحزبية والدينية، ما يجعل العلاقة بين الدولة وهذه التيارات محكومة بمنطقة رمادية، تتراوح بين الاستيعاب غير الرسمي والضبط الإداري والأمني.
سياسة الحكومة: إدارة التعدد بدل الحسم
لا تتجه الحكومة السورية حتى الآن إلى تبني سياسة مواجهة مباشرة مع هذه الجماعات، بل تعتمد مقاربة تقوم على إدارة التعدد الديني والسياسي، مع تفكيك البنى التنظيمية لمصلحة التعامل مع الأفراد.
هذا النهج يقوم على عدم الاعتراف بهذه التنظيمات ككيانات سياسية رسمية، مقابل إدماج شخصيات منها في مؤسسات الدولة بشكل فردي، في مستويات إدارية مختلفة، دون منح أي تمثيل تنظيمي مباشر، وهو ما يعكس رغبة السلطة في تجنب إعادة إنتاج الاستقطاب الحزبي في مرحلة انتقالية لا تزال هشة، بحسب الباحث عبد الرحمن الحاج.
وأضاف الباحث أن هذا الخيار يعكس أولوية واضحة لدى الحكومة تتمثل في الحفاظ على التماسك الداخلي، ومنع تحوّل التعدد السياسي والديني إلى حالة تنافس حاد قد تعيد إنتاج انقسامات ما قبل المرحلة الجديدة.
في المقابل، يرى الباحث عامر درويش، أن هذه المقاربة تبقى ناقصة ما لم تُستكمل بإطار قانوني واضح ينظم العلاقة بين الدولة وهذه القوى الفاعلة، موضحًا أن غياب هذا الإطار يجعل العلاقة قائمة على مرونة غير مؤسسية، دون تعريف واضح لطبيعة هذه الكيانات أو حدود عملها.
السيناريوهات المستقبلية.. بين الاحتواء والتقييد وإعادة التشكيل
يبدو مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية وهذه الجماعات مفتوحًا على مسارات متعددة، لا يمكن حسمها في اتجاه واحد، نظرًا إلى تداخل العوامل السياسية والقانونية والمجتمعية التي تحكم هذا الملف.
ويرجح عبد الرحمن الحاج استمرار سياسة “الاستيعاب الناعم”، عبر إدماج أفراد من هذه الجماعات داخل مؤسسات الدولة، مع بقاء التنظيمات نفسها خارج الإطار الرسمي، واحتمال تطور العلاقة مع بعض الفاعلين، خصوصًا جماعة “الإخوان المسلمين”، نحو تفاهمات أو تحالفات غير معلنة في مراحل لاحقة.
في المقابل، يظل حزب “التحرير” أقرب إلى سيناريو الاستبعاد أو التقييد، نتيجة رفضه الجذري لفكرة الدولة الوطنية، ما يجعل فرص اندماجه في أي صيغة سياسية قائمة شبه معدومة.
أما عامر درويش فيربط مستقبل هذه العلاقة بقدرة الدولة على إنتاج إطار قانوني واضح ينظم الحياة السياسية والدينية، مشيرًا إلى أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في دمج تدريجي لبعض التيارات ضمن نظام سياسي تعددي، مقابل استمرار استبعاد أو تقييد التيارات التي ترفض أصل فكرة الدولة.
تنظيم “الدولة الإسلامية”
بين الخلايا النائمة واستراتيجية الردع الحكومية
لا يزال تنظيم “الدولة الإسلامية” يشكل أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، بعد أكثر من عام على سقوط النظام السابق، إذ استطاع جذب عناصر جدد إلى صفوفه، بعضهم ينتمون إلى الدولة السورية الوليدة.
ورغم فقدانه السيطرة الجغرافية التي امتلكها قبل سنوات، فإن التنظيم تحول إلى نموذج أمني قائم على الخلايا النائمة التي تنشط في مناطق متفرقة، مستفيدة من حالة الهشاشة الأمنية والامتداد الجغرافي الواسع للبادية السورية.
وتتباين التقديرات حول القدرات الحقيقية للتنظيم، ومدى التهديد الذي يمثله للدولة السورية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تثبيت الاستقرار وإعادة بناء المؤسسة الأمنية والعسكرية، مستفيدة من انضمامها مؤخرًا إلى التحالف الدولي لمحاربة التنظيم.
قدرات “متواضعة” دون تهديد وجودي
يرى محللون وخبراء التقتهم عنب بلدي، أن تنظيم “الدولة” لم يعد يمتلك القدرات التي تؤهله لتشكيل تهديد وجودي للدولة السورية، لكنه لا يزال قادرًا على تنفيذ “عمليات نكاية محدودة”.
الباحث في الشؤون الأمنية وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود، قال لعنب بلدي، إن القدرات التنظيمية لتنظيم الدولة ما زالت متوسطة إلى الضعيفة أو المتواضعة، ولا تشكل تهديدًا وجوديًا الآن للدولة كدولة سورية.
بالمقابل، يمكن أن تحقق حالة من “النكاية” فقط، لكن لا يمكن أن تحقق حالة من الانتصار أو الضرر الكبير للدولة السورية.
وحدد فرهود نقاط قوة التنظيم حاليًا في “الحالة الأمنية السائلة في سوريا” التي تساعده على التحرك والتمدد، إضافة إلى “عدم الاستقرار السياسي” الذي يمكّنه من استثمار الخلافات القائمة في بعض المواقع.
وفي المقابل، حدد ثلاث نقاط ضعف رئيسة تواجه التنظيم هي:
- وجود رغبة اجتماعية عالية بعدم عودة سوريا إلى الحرب.
- وجود حكومة تمتلك خبرة في مكافحة التنظيم والقضاء على تهديداته.
- وجود إرادة ودعم إقليمي ودولي لسوريا للتغلب على التحديات.
المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد، قال لعنب بلدي، إن التنظيم لم ينتهِ فعليًا، بل تحول إلى خلايا نائمة كانت خاملة، والآن أصبحت عبارة عن خلايا يراد تنشيطها وإعادتها إلى العمل من جديد، وفق الأسعد.
وأشار الأسعد إلى أن هذه الخلايا تريد إعادة تفعيلها عن طريق الفكر، في إشارة إلى محاولات التنظيم استثمار المناخ الفكري والعقائدي لإعادة إنتاج وجوده بعيدًا عن السيطرة الجغرافية المباشرة.
ردع احترازي لا قضاء شامل
تتبع الحكومة السورية، بحسب المحللين، استراتيجية أمنية وعسكرية تقوم على مبدأ الردع في هذه المرحلة، وليس القضاء الكامل والشامل على التنظيم.
وقال الباحث في الشؤون الأمنية وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود، إن الاستراتيجية الأمنية والعسكرية قائمة على الردع، بمعنى منع تنظيم “الدولة” من أن يشكل تهديدًا حقيقيًا أو يوجه ضربات قوية جدًا إلى مراكز ثقل في الحكومة، سواء كانت شخصيات أو بنى حكومية أو مراكز ثقل عمراني أو اقتصادي، كنفط وموانٍ وطرق تجارة.
من جانبه، شرح العميد عبد الله الأسعد، هذه الاستراتيجية بأنها عملية احترازية تسير على مراحل، تبدأ من ملاحقة الشبكات والخلايا النائمة واستطلاعها وتقدير مواقعها وإحداثياتها، ثم معرفة التوسع لهذه الشبكة أفقيًا وملاحقتها والقضاء على الخلايا الخاملة قبل أن تقوم بأعمال نشيطة.
وقال الأسعد، إن الهامش أصبح مفتوحًا أمام الدولة من أجل ملاحقة التنظيم بعد إغلاق مخيم “الهول”، ومن بقي منه فهم عبارة عن خلايا يمكن السيطرة عليها.
أما بالنسبة للمناطق الأكثر نشاطًا للتنظيم، فحددها الأسعد في بوادي حمص وتدمر ودير الزور، مشيرًا إلى أن التنظيم امتد لفترة إلى بادية السويداء، ولكن سرعان ما تضاءل وعاد إلى أوكاره.
احتمال اختراق القوات الحكومية.. “ضعيف جدًا”
أكد الباحث في الشؤون الأمنية وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود، أن اختراق التنظيم للقوات السورية ضعيف جدًا، لأن أغلبية القوات السورية شُكلت من “المناطق المحررة”، أو من منتسبي هذه المناطق وهم بالأصل قاتلوا التنظيم سابقًا.
والأمر الآخر، فإن الناس الذين كانوا بمناطق النظام سابقًا لا يرون بمشروع تنظيم “الدولة” فرصة، بحسب فرهود.
وأشار فرهود إلى أن التأثير المحتمل قد يقتصر على بعض الأفراد في بعض المجتمعات بشكل متفرق، والذين هم بالأصل يتبنون طرح التنظيم.
أما التدابير المتخذة لمواجهة أي محاولات اختراق، فيصنفها فرهود إلى صنفين:
- تدابير أمنية مباشرة بالقضاء على الخلايا التي تحاول التجنيد لمصلحة التنظيم.
- التوعية وبناء الجسور بين الحكومة والمجتمع للدعم المتبادل في قضية المكافحة.
من جانبه، يجزم العميد عبد الله الأسعد بعدم وجود عناصر من التنظيم داخل القوات الحكومية، لكنه أشار إلى أن هناك محاولة للدخول في القوات، لكن سرعان ما تم كشفهم نهائيًا، مؤكدًا أن العفو لم يشملهم.
انضمام سوريا للتحالف.. مكاسب أمنية وضرورة متبادلة
يشكل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة” محورًا أساسيًا في استراتيجية الحكومة لمواجهة التهديد، ويقدم الطرفان (الحكومة السورية والمجتمع الدولي) مصلحة متبادلة في هذا التعاون.
يشرح الباحث في الشؤون الأمنية وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود هذه المعادلة، بأن الحكومة السورية في المرحلة الحالية تحتاج إلى التعاون مع المجتمع الدولي، كما أن المجتمع الدولي أيضًا بحاجة لدعم الحكومة السورية ومساعدتها.
وقال إن الحكومة السورية بخبراتها قادرة على أن تكون ذات فعالية عالية على الناحية الميدانية والمجتمعية، بالمقابل، فإنها تحتاج من المجتمع الدولي لأن يقدم لها الدعم المادي والمؤسساتي، كالتدريب والمعدات العسكرية والأمنية والتكنولوجية.
وعن حساسية ملف السيادة الوطنية، يرى فرهود أن الحديث عن اختراقها لن يكون “قويًا جدًا”، مؤكدًا أن ملف تنظيم “الدولة” ليس ملفًا سياسيًا وسياديًا كبيرًا جدًا.
وأشار إلى أن الملف الاقتصادي ودمج الفصائل والتعامل مع إسرائيل حاليًا، هي أهم الملفات التي يمكن أن تحقق حالة من الاختراق إذا تهاونت الحكومة السورية فيها.
إغلاق مخيم “الهول” والسجون.. إعادة تشكيل المشهد الأمني
يعتبر إغلاق مخيم “الهول” وغيره من السجون التي كانت تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرقي سوريا، عاملًا مهمًا في إعادة تشكيل المشهد الأمني لمصلحة الدولة السورية.
العميد عبد الله الأسعد أشار إلى أن الأمور كانت “مختلطة ببعضها”، في ظل وجود سجون مثل سجن “الصناعة” و”الرميلان” و”غويران” في الحسكة، إضافة إلى مخيمي “الهول” و”روج”.
وكانت هذه المواقع تُستخدم “كأوراق داعشية”، وفق تعبير الأسعد، قبل أن يتم ترحيل عناصر التنظيم وإغلاق تلك المراكز.
وأوضح الأسعد أن إغلاق هذه المعسكرات والسجون، جعل “من السهل جدًا” اختراق تنظيم “الدولة” استخباراتيًا.
ولفت إلى وجود تنسيق ثلاثي بين سوريا ولبنان والعراق، بدعم من التحالف الدولي، للقبض على عناصر التنظيم عبر الضربات الجوية والإنزال الجوي، معتمدًا على مزيج من التنسيق الاستخباراتي، والإنزال الميداني، والضربات الجوية المركزة.
إشراك المجتمع
في ختام حديثه، وجه الباحث في الشؤون الأمنية وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود رسالة حول أهمية إشراك المجتمع السوري في جهود مكافحة تنظيم “الدولة”، معتبرًا ذلك عنصرًا محوريًا لا يقل أهمية عن الجهود الأمنية والعسكرية.
وقال فرهود، إن أهم ما يمكن التركيز عليه الآن هو الحديث عن ضرورة إشراك المجتمع في المكافحة، من خلال التوعية وبناء جسور تواصل على المستوى الميداني بين الناس، وأن يكون هناك نوع من التوكيل للمجتمع من قبل الحكومة في هذا الموضوع، ليس بمعنى تسليم سلاح، وإنما بمعنى أن يكون لديه شعور بأنه مشارك وليس فقط مصدرًا للمعلومات.







