تحقيق البلاد: الأمن المائي الخليجي على حبل مشدود
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
صحيفة البلاد البحرينية
2026/03/23 - 22:02
501 مشاهدة
9 مليارات متر مكعب من المياه تنتجها محطات التحلية الخليجية سنويا
الاستراتيجيـــة الخليجيـــة رفعـــت نصيــــب الفـــرد من 103 إلى 334 مترا مكعــبا
5 خطوات لتأمين مياه الشرب: بدائل وتقنيات واستمطار وصرف صحي
دول التعـــــــاون وضعـــــــت استراتيجيـــــــة مـــن 20 سنــــة والنتائـــــج كبيــــرة
د. هيفاء آل خليفة: من الممكن مواجهة المخاطر بخطط عملية مدروسة
مريم الموسوي: مســـارات تشكلـــت على أرض الواقع لتنويع مصادر المياه
د. فاطمة العالي: هناك مسارات وتقنيات تخفف الاعتماد على تحلية مياه البحر
دول الخليج وبتقدير عال، قرأت مشهد ندرة المياه في الخليج العربي والتهديدات المتصلة به قبل أن يقع، ولذلك لم تحمل دول الخليج العربي السلم بالعرض في مواجهة أزمة المياه، بل وضعت السلم نحو الأفق وانطلق إلى تحقيق الأمن المائي بكل ما استطاعت إليه سبيلا.
ومنذ وقت مبكر، أُضيئت “اللمبات الحمر” في غرف القرار الخليجي، حين بدأت المؤشرات تتراكم بهدوء مقلق: منطقة شحيحة الموارد، استهلاك متصاعد، وبيئة قاسية لا تمنح كثيرا من الخيارات.
في هذا السياق، لم تكن المياه مجرد مورد طبيعي، بل مسألة بقاء، وانطلاقًا ومن الآية الكريمة: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، سارت دول الخليج العربي لتتعامل مع هذا الملف بوصفه ركيزة حياة، لا مجرد خدمات اقتصادية ولوجستية، فهي تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا، ضمن مساحة تتجاوز 2.5 مليون كيلومتر مربع من الأراضي الصحراوية القاسية، حيث لا أنهار دائمة، ولا أمطار كافية، ولا مخزون طبيعيا يمكن الركون إليه طويلًا.
بدأت الحكاية بدراسة عميقة كشفت المستور، وعرضت نتائجها على قادة دول المجلس في اجتماع لهم في سنة 2012. أرقام صريحة وربما أكثر قسوة من الجغرافيا نفسها، فبحسب الإحصاءات الرسمية للدراسة التي أشرفت عليها منظمة مجلس التعاون، تراجع نصيب الفرد الخليجي من المياه العذبة من نحو 645 مترًا مكعبًا سنويًا بالعام 1970، إلى 169 مترًا مكعبًا بالعام 2000، ثم إلى قرابة 103 أمتار مكعبة بحلول 2012، فيما يشير خط الفقر المائي الأممي إلى أنه يجب ألا يقل نصيب الفرد عن 1000 متر مكعب في العام.
وهذه الأرقام لم تكن ذلك مجرد انخفاض رقمي، بل إنذار متدرج، يفرض إعادة التفكير في كيفية إدارة مورد يتآكل مع الزمن.
من هنا، لم تنتظر دول الخليج لحظة الأزمة، بل تحركت قبلها، وشكلت فرقا فنية وعلمية خاصة أوكلت لها مهام وضع خطط لمعالجة هذه المشكلة. وفي العام 2015، أطلق قادة دول المجلس الاستراتيجية الخليجية الموحدة للمياه 2015 - 2035، بوصفها إطارًا جامعًا لإدارة الموارد، وتعزيز كفاءة الاستخدام، وتطوير البنية التحتية، وعلى رأسها محطات التحلية، التي أصبحت العمود الفقري لإمدادات المياه في المنطقة.
عقد من الإنجازات
مضى عقد من الزمن على تنفيذ هذه الاستراتيجية. وخلاله، تحققت إنجازات ملموسة، إذ توسعت قدرات التحلية، تحسنت كفاءة الشبكات، وبدأت بعض الدول في بناء مخزونات استراتيجية وتعزيز استخدام التقنيات الحديثة.
بدأت المنطقة تنجح بشكل كبير في ترويض الندرة وتحويلها لإيجاد مخزون استراتيجي لأيام عدة، فاستطاعت دول المجلس رفع نصيب الفرد من 103 أمتار مكعبة في 2012 إلى 333,9 متر مكعب للفرد يوميًا في 2023، فيما يبلغ متوسط استهلاك الفرد الخليجي 249 لترًا يوميًا.
الإحصاءات الرسمية لمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تشير إلى أن إنتاج مياه التحلية في دول المجلس واصل نموه خلال العام 2023، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2.2 %.
وبحسبها فقد بلغ إنتاج مياه التحلية في العام 2023 نحو 3 مليارات متر مكعب في المملكة العربية السعودية، وجاءت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية بإنتاج بلغ 1.9 مليار متر مكعب، أما دولة الكويت فبلغ إنتاجها من المياه المحلاة نحو 0.8 مليار متر مكعب خلال العام 2023، وفي دولة قطر وصل الإنتاج إلى نحو 0.7 مليار متر مكعب، بينما بلغ إنتاج سلطنة عُمان نحو 0.5 مليار متر مكعب، وسجلت مملكة البحرين إنتاجا بلغ نحو 0.3 مليار متر مكعب، وبلغ إجمالي إنتاج دول مجلس التعاون من المياه الصالحة للاستهلاك والمحلاة 67 مليون متر مكعب يوميًا.
السعة التصميمية
وفقًا للأرقام الرسمية للمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أيضًا، فقد ارتفعت السعة التصميمية لمحطات التحلية الخليجية من نحو 7 مليارات متر مكعب في العام 2013 إلى نحو 8.7 مليار متر مكعب في العام 2023، و97,3 % متوسط ارتفاع كمية مياه الصرف الصحي المعالجة إلى المجمعة في مجلس التعاون خلال الفترة من 2015 إلى 2023، وتقدر سوق المياه المعبأة في دول مجلس التعاون في 2024 بنحو 7,5 مليار دولار، وبمعدل نمو سنوي مركب قدره 11,2 % حتى 2029، ووصلت السعة التصميمية للسدود الخليجية إلى 3 مليارات متر مكعب في 2023، بينما كانت 2,3 مليار متر مكعب في 2012، وارتفع إجمالي السعة التصميمية لمحطات التحلية في دول المجلس من 7 مليارات متر مكعب في 2012 إلى 8,7 مليار متر مكعب في 2023، بلحاظ أن سكان دول الخليج العربي ارتفع بنسبة 28,4 % في ذات المدة.
وتبلغ التكلفة التقديرية لأكبر مشروعات تحلية مياه البحر في دول المجلس للفترة ما بين 2024 و2028 نحو 13,7 مليار دولار.
وفيما يعنى بالمياه العادمة ومعالجتها، فقد وجد تقدم ملحوظ، حيث إن هناك 4 مليارات متر مكعب من المياه العادمة المجمعة، و4,5 مليار متر مكعب السعة التصميمية لمحطات معالجة الصرف الصحي مع اعتماد 86,2 % من المحطات على التقنيات المتقدمة عالميًا، وتم زيادة مستوى معالجة هذه المياه وزيادة الاستخدام الاقتصادي والآمن، فقد رفعت مساهمتها في المياه البلدية في كل دول المجلس إلى 60 %، فيما كانت سابقًا 41,9 % قبل ثلاث سنوات.
وبلغت نسبة فاقد المياه في شبكة توزيع المياه البلدية من الإنتاج الكلي لامدادات المياه للعام 2023 لكل دولة: البحرين 2 %، الإمارات 5 %، قطر 6 %، الكويت 11 %، السعودية 14 %، عمان 39 %.
التحديات والأزمات
نمو كبير شهدته السنوات العشر الماضية من 2015 حتى 2025 في إنتاج المياه رغم التحديات، وبقي على تنفيذ الاستراتيجية 10 سنوات مقبلة أيضًا، وجاء النمو وتحديث الأرقام وتوفير الأمن المائي من خلال اعتماد دول الخليج على تحلية مياه البحر بوصفها المصدر الرئيس لتأمين إمدادات المياه في ظل محدودية الموارد المائية الطبيعية.
لكن، كما في كل منظومة تعتمد على نقطة ارتكاز واحدة (محطات التحلية) تبرز أسئلة وتحديات كبيرة فيما لو شهدت هذه المنظومة أي منعطفات متشكلة على شكل مشكلة، واليوم ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تبرز تحديات من نوع مختلف، لا تتعلق بندرة المورد بقدر ما تتعلق بهشاشة مصدره الصناعي، محطات التحلية التي شكلت الحل أصبحت هي نفسها نقطة التركز، ونقطة التساؤل، في ظل تهديد إيراني متزايد عن إمكان استهدافها في حال نفذ الرئيس الأميركي تر-مب تهديداته بضرب البنى التحية والطاقة ومحطات التحلية في إيران في الحرب المستعرة بين الطرفين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
هذا التحقيق لا ينطلق من فرضية الخوف، بل من قراءة مسار: كيف انتقلت دول الخليج من ندرة طبيعية إلى إدارة صناعية للمياه؟ ماذا أنجزت الاستراتيجية الخليجية خلال عقد من الزمن؟ وأين تقف اليوم، بين نجاحات تحققت، وتحديات جديدة تفرض نفسها على طاولة القرار؟
وفي هذه المساحة بين ما أنجز وما يخشى منه، تتشكل قصة الأمن المائي في الخليج، قصة لم تبدأ اليوم، لكنها ربما تدخل فصلها الأكثر حساسية الآن.
البجعة السوداء
تعد دول الخليج العربي اليوم أكبر مركز عالمي لانتاج المياه المحلاة، ويصل عدد محطات التحلية الرئيسة والكبيرة إلى 400 محطة متوزعة على ضفاف البحار المحيطة بدوله منها 100 محطة كبيرة، ويبلغ حكم السعة التصميمية لكل هذه المحطات 8,7 مليار متر مكعب، وهذه صناعة تعد موردًا حيويًا تبنى حولها سياسات دول المجلس واستثماراتها المستقبلية في سبيل تحقيق الأمن المائي.
لكن المشكلة اليوم تقوم فيما لو تعرضت هذه المحطات لضربات أو تخريب أو تدمير، فإن الإجابة تقول إن دول الخليج أيضًا تحوطت في هذه المشكلة وهناك مخزون مائي لكل دولة يصل لما بين 7 أيام و20 يوما.
وبالعودة لمسألة تعرض محطات التحلية الخليجية لأي تهديد، فإن كل الخطط مهما بلغت دقتها تبقى عرضة لما يسميه خبراء الاستراتيجيات بـ “البجعة السوداء”، ذلك الحدث غير المتوقع الذي يقف خارج الحسابات، لكنه قادر على إعادة ترتيب كل شيء في لحظة واحدة.
بعد عقد من العمل على الاستراتيجية الخليجية الموحدة للمياه، بدا وكأن المسار يمضي بثبات، قبل أن يتقاطع فجأة مع واقع لا تصنعه الجداول ولا تتنبأ به النماذج، تهديد مباشر يستهدف قلب هذه المنظومة، أي محطات التحلية نفسها.
هنا، لا يعود الحديث عن كفاءة تشغيل أو خطط توسعة، بل عن جغرافيا لا يمكن تغييرها.
فالخليج لم يختر موقعه، ولم يختر جيرته، إيران ليست متغيرا طارئا في المعادلة، بل ثابت جغرافي وسياسي، يجعل أي مشروع مائي مهما تنوعت مصادره مكشوفًا لاحتمالات التصعيد.
وفي هذا السياق، تتبدد بساطة الطرح الذي يحمل دول الخليج مسؤولية “وضع بيضها في سلة واحدة”، أي وضع الأمن المائي في سلة محطات التحلية فقط. فالسؤال الأعمق ليس في تنويع السلة، بل في قابلية كل السلال للكسر في بيئة واحدة متوترة.
حتى البدائل التي تطرح نظريا كشبكات الإمداد الإقليمية أو الربط مع دول مجاورة لا تبدو بمنأى عن الخطر ذاته، فالأنابيب الممتدة، كما المحطات الساحلية، تظل بنى تحتية مرئية، قابلة للاستهداف، وتخضع للمعادلة نفسها: إذا انفتح باب التصعيد، فإن هذه المنظمومة الرئيسة والحيوية ستكون تحت النيران الإيرانية كما هددوا، وهذا اعتداء آثم وغير مبرر.
بهذا المعنى، لا تكشف هذه “البجعة السوداء” عن خلل بقدر ما تكشف عن طبيعة التحدي ذاته: أمن مائي يبنى في بيئة جافة، ويدار في منطقة تتقاطع فيها السياسة مع البنية التحتية.
وبين من يطالب بتعدد الخيارات، ومن يراهن على التكنولوجيا، يفرض الواقع حقيقة أكثر تعقيدا: أن كل مسار يحمل مخاطره، وأن إدارة الماء في الخليج ليست فقط مسألة هندسة، بل مسألة توازن دقيق مع الجغرافيا والتاريخ وما قد تحمله الأيام.
صمام أمان
وفي سياق البحث عن إجابات عملية، لم يكتف هذا التحقيق بطرح الأسئلة، بل توجه بها مباشرة إلى أهل الاختصاص، في محاولة لفهم ما إذا كانت عملية استهداف المحطات قابلة للإدارة، أو أن المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو.
وفي هذا الإطار، طرحنا فرضيات التحقيق وإمكان استهداف محطات التحلية في المنطقة وكيفية التصرف فيما حدث ذلك لتوفير مياه صالحة للاستهلاك الآدمي على عميد كلية الهندسة بجامعة البحرين د. هيفاء بن إبراهيم آل خليفة وأجابت لـ “البلاد”:
بالفعل، يشكل تعرض محطات تحلية المياه في دول الخليج لتخريب خطرا حقيقيا، ما يشكل تهديدا مباشرا للأمن المائي لدول المنطقة وشعوبها، التي تعتمد بشكل أساسي على تحلية المياه بنسبة متفاوتة قد تصل في بعضها إلى 80 %، ولكن وبفضل الخطط الاستراتيجية التي عملت عليها هذه الدول وبالإضافة إلى التقنيات الحديثة فإنه من الممكن مواجهه هذه المخاطر بخطط عملية مدروسة تهدف إلى توفير مخزون كاف من المياه لدعم احتياجات الشعوب الخليجية.
وتابعت: ورغم أن هذه البدائل والحلول الممكنة تمثل “صمام أمان”، إلا أن تطبيقها يستدعي توظيف الخبرات والاستفادة من التجارب العالمية للوصول إلى حلول مستدامة تدعم مسار النمو الاقتصادي والحيوي لدول المنطقة.
وذكرت: وعلى سبيل المثال تجربة سنغافورة في تحلية المياه وهي التجربة التي تمثل نموذجا عالميا في أهمية تنويع مصادر المياه والوصول إلى الأهداف الاستراتيجية بنجاح عبر توظيف التقنيات الحديثة في توفير المياه، هذا مع الأخذ بالاعتبار أن سنغافورة دولة لا توجد بها أنهار ولا بحيرات وتعتمد بشكل كبير على الأمطار الموسمية المتقطعة، حيث أصبح موضوع شح المياه مشكلة وطنية في المقام الأول، ما أجبر سنغافورة على الإسراع في تقديم حلول مبتكرة لضمان أمنها المائي.
وزادت: ومن أبرز التقنيات الحديثة التي استخدمتها سنغافورة هي تقنية “التحلية بالتناضح العكسي”، حيث بنت محطات عدة موزعة على مواقع جغرافية مختلفة تعتمد على نظام مبنٍ على استهلاك أقل للطاقة، ما حقق تكلفة تشغيلية أقل بنسية 60 %، وتضمنت هذه التقنية استخدام أنظمة مراقبة ذكية لضبط جودة المياه من خلال توظيف أغشية عالية الكثافة وتقنيات أخرى، للوصول إلى توفير ما نسبته 55 % من إجمالي المياه المحلاة بسنغافورة خلال السنوات المقبلة.
وقالت: ولعل تنقية مياه الصرف الصحي لإنتاج مياه نقية صالحة للاستخدام في المجالات الصناعية والزراعية، وهي تقنية مستخدمة بنطاق واسع عالميا، قد تكون التقنية الأكثر نجاحا من حيث إنتاج مياه نقية من خلال استخدام التناضح العكسي والترشيح الدقيق والأشعة فوق البنفسجية لغرض التنقية، والتي أسهمت في جعل سنغافورة أقل استيرادا للمياه من الخارج.
وتابعت: وبالعودة إلى دول الخليج العربي، وبالرغم من أن المياه الجوفية تعد من أهم مصادر المياه فيها، إلا أنه من الأهمية أن يعاد النظر في التوزيع المكاني لمحطات تحلية المياه الجوفية بحيث تكون موزعة جغرافيا على نطاق أوسع وأكثر شمولية أو متعدد بهدف ضمان توافر عدد من المحطات تعمل بكامل طاقتها التشغيلية في حال تم استهداف بعضها من خلال الهجمات العدائية. وتقنيا، وبالرغم من أن محطات تحلية المياه الجوفية تستهدف تحلية المياه الجوفية المالحة إلا أن التكلفة التشغيلية لها أقل من تحلية مياه البحر بنسبة تتراوح من 30 - 55 %، ولكنها تستلزم توظيف نظام متقن لتنقية المحلول الملحي عبر عمليات التبخر والاستخلاص الصناعي.
وخلصت إلى أنه بالإضافة إلى ما سبق، فإنه يوجد بعض الحلول المبتكرة البديلة والتي قد تكون غير مثالية، ولكنها تسهم وبلا شك في توفير مخزون كافٍ من المياه للاستخدام في الحالات الطارئة مشابهة للظروف التي تمر بها دول منطقة الخليج العربي، ومن هذه الحلول استخدام الاستمطار الصناعي، والتي يتم استخدامها فعليا في السعودية والإمارات، وذلك لتخزين كميات ممكنة من مياه الأمطار في مخازن تبنى تحت الأرض أو في خنادق امتصاصية، كما أنه ثبت علميا دور هذه الأمطار في تعزيز مصادر المياه الجوفية والسدود.
تلوث إشعاعي للمياه
ومن المخاطر أيضًا التي تواجهها معظم محطات التحلية في الخليج هو ضرب الأميركي والإسرائيلي للمفاعل النووي الإيراني الموجود على ضفاف مياه الخليج في بوشهر والذي لا يبعد سوى 200 كليومتر عن أراضي دول مجلس التعاون الخليجي.
لذلك انطلقنا عند حدود التهديدات المباشرة إلى سيناريو أكثير تعقيدًا وفي هذا الإطار، طُرح على عميد كلية الهندسة بجامعة البحرين د. هيفاء بن إبراهيم آل خليفة تساؤل آخر بشأن الخطر الثاني المحتمل، وجاء نص إجابتها كالتالي:
في حال استهداف مفاعل بوشهر الإيراني وحدث نتيجة لذلك تسرب إشعاعي ووصل في مداه، لا قدر الله، إلى الخليج فإن مياه الخليج العربي ستتلوث، ما يشكل خطرا بيئيا كبيرا يجعل المياه المحلاة غير صالحة للاستهلاك البشري ولكن بفضل الله سبحانه وبفضل التخطيط المسبق لدول الخليج العربي فإنه يوجد مخزون استراتيجي من المياه كافٍ لتوفير احتياجات المياه لفترات طويلة، ومن المهم هنا أن نتذكر أن الجهات المسؤولة في هذه الدول تعمل على المراقبة المستمرة لسلامة البيئة، حيث تقيس بشكل مستمر مستويات الإشعاعات النووية في المياه.
وكذلك توجد حلول بديلة عدة ستساهم في خفض مستوى التلوث الاشعاعي مشابهة للتجربة اليابانية في توظيف التقنية متعددة المراحل في تنقية المياه، بالإضافة إلى الاعتماد على تحلية المياه الجوفية المالحة، وكذلك التوسع في إعادة تدوير المياه المعالجة وتفعيل خطة الأمن المائي الوطنية في تخزين المياه، والاستمرار في ضبط وقياس مستويات الإشعاعات عبر نظام ذكي.
ومن الجدير بالذكر، والقول لمحدثتي، أن لكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي خطة استراتيجية وطنية للأمن المائي، إلا أنه وفي العام 2016 أقر مجلس التعاون الخليجي “الاستراتيجية الموحدة للمياه لدول مجلس التعاون الخليجي 2015 - 2035”، حيث ترتكز في بنودها على “تأمين مصادر المياه، وتنويعها وتقليل المخاطر المرتبطة بندرتها”، وتهدف الإشارة إلى تضمين الاتفاقية بندا ينص على بناء منظومة إقليمية للطوارئ المائية، يتم تفعيله عبر إنشاء شبكة ربط بين دول الخليج لتبادل المياه في حالة الطوارئ المائية، وكذلك للعمل على رفع المخزون الاستراتيجي لمخزون المياه في دول المجلس.
وتابعت: قد يكون توفير محطات تحلية متنقلة خطوة استراتيجية مهمة لدول الخليج للعمل على تأمين وإمداد الدول الأكثر تضررا بمخزون المياه الكافي، حيث نشير إلى نجاح المملكة العربية السعودية في بناء أكبر مخزون مياه صالحة للشرب بالعالم، وكذلك نجاح التجربة الإمارتية في بناء مخزون من المياه المحلاة تحت الأرض بسعة تصل إلى 20 مليار لتر، والذي يعد من أكبر الاحتياطات الصناعية للمياه عالميا، هذه النجاحات ستسهم بلا شك في التخفيف من آثار التلوث الإشعاعي للمياه في حال حدوثه.
تجاوز الحلول التقليدية
وفي امتداد هذا النقاش، وضمن البحث عن بدائل تتجاوز الحلول التقليدية، طرحت أيضًا على عميد كلية الهندسة بجامعة البحرين د. هيفاء بن إبراهيم آل خليفة، تساؤلات تتعلق بمستقبل الابتكار المائي والربط الإقليمي والاستدامة، وجاءت إجاباتها على النحو التالي:
“بعيدا عن الحلول التقليدية، إلى أي مدى يمكن لتقنيات ‘الحصاد المائي’ من الرطوبة الجوية أو التوسع في تحلية المياه الجوفية العميقة شديدة الملوحة أن تشكل صمام أمان حقيقي لدول الخليج في حال توقف محطات الساحل؟
أولا من المهم تقديم التفسير العلمي لتقنية الحصاد المائي، وهي تقنية تعتمد على استخلاص المياه من الرطوبة في الجو والضباب وبخار المياه والندى من خلال أجهزة المكثفات الحرارية وأجهزة الامتزاز وغيرها من التقنيات المختلفة، إلا أن مدى نجاحها قد يكون محدود نسبيا في دول الخليج العربي، نظرا لمحدودية الظروف الجوية المناسبة وملاءمتها خلال أشهر السنة، والاعتماد الكبير على استهلاك كميات كبيرة من الطاقة. وهي بالتالي، رغم أنها تقنية بارزة عالميا، ولكنها قد تعد، في أفضل الأحوال، حلا مكملا وليست صمام أمان.
أما بالنسبة لتحلية المياه الجوفية العميقة فإن التحدي الأكبر يكمن في توفير الأنظمة التقنية المناسبة لتنقية المياه، ويعد هذا البديل الاستراتيجي من أنسب الحلول لدول الخليج العربي، حيث تحتضن هذه الدول منسوبا كبيرا نسبيا من المياه الجوفية العميقة،. التي لا تتأثر بالظروف الخارجية من هجمات عدائية أو ملوثات إشعاعية.
الربط المائي وتوازن بيئي
وسألتها عن الربط المائي الخليجي وأجابت: رغم أن الخطة الاستراتيجية تم توقيعها وبدأ العمل بها، إلا أن الخطة الفنية والتشغيلية مازالت في مراحلها الأولية، ولكن نظرا للظروف الحالية التي تمر بها المنطقة قد يكون هناك استباق فعلي لتنفيذ خطة طوارئ لدعم توفير مخزون مياه للدول في حالة الضرورة. ولكن من المرجح، في حالة الطوارئ، أن كثيرا من دولنا في الخليج ستعتمد على مخزونها الاستراتيجي وكذلك اللجوء للحلول التقنية والتنسيق لتفعيل الخطة بشكل عاجل.
وعن مساعي دول الخليج قالت: إن دول الخليج تسعى إلى توفير توازن بيئي من خلال توفير حلول تقنية بديلة لتحلية المياه، حيث بدأت دول مجلس التعاون ببناء مشروعات تحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية، فالسعودية أنشأت بالربع الخالي مشروعات بحثية تعمل على تنقية المياه الجوفية المالحة، كذلك فعلت الإمارات العربية المتحدة عبر بناء محطة تحلية باستخدام الطاقة الشمسية، بطاقة إنتاجية تساوي 1500 متر مكعب يوميا. ورغم أن هذه المشروعات تسهم بشكل كبير في خفض الانبعاثات الكربونية وتقوم بتوفير طاقة إنتاجية مناسبة، إلا أنها تحمل أيضا تحديات كبيرة من حيث قابلية توفير مساحات شاسعة للألواح الشمسية، بالإضافة إلى التكلفة الأولية العالية مقارنة بتحلية مياه البحر.
من الواضح فعليا أن تحلية المياه بعيدا عن السواحل ليست فقط اتجاها بحثيا، وإنما خيار استراتيجي مهم يحفظ مصادر المياه من التهديدات الأمنية والبيئية. إن تنويع مصادر المياه لدول الخليج العربي أصبح ضرورة أمنية لتنعم شعوب هذه الدول بالاستقرار والنماء وتأمين مستقبلها ومستقبل أبنائها.
في النهاية، لا تقود هذه الأسئلة التي طرحناها على د. هيفاء آل خليفة إلى إجابة واحدة بقدر ما ترسم حدود المشهد: منظومة مائية متطورة، لكنها تعمل في بيئة معقدة، وبدائل قائمة، لكنها ما تزال قيد الاختبار والتوسّع.
وبين هذا وذاك، يتضح أن الأمن المائي في الخليج لم يعد مجرد قضية إنتاج، بل مسألة جهوزية مستمرة للتعامل مع ما هو متوقع وما قد يأتي على حين غفلة.
الحلول التقنية والمخزون الاستراتيجي
وعند هذا الحد، تتقاطع الشهادة مع خلاصة أوسع: أن ما بُني خلال سنوات من التخطيط لم يكن رهينة خيار واحد، بل محاولة دؤوبة لتوسيع الهامش بين الندرة والأمان.
وبين الحلول التقنية والمخزون الاستراتيجي، وبين الساحل والعمق، يتشكل إدراك متزايد بأن إدارة المياه في الخليج لم تعد ترفًا تنمويًا، بل ضرورة وجودية تُدار بهدوء، وتُختبر بصمت.
ومن هذه النقطة، يفتح التحقيق نافذة أخرى على قراءة موازية، تأتي هذه المرة من زاوية بيئية وتنموية، حيث تقدم الأكاديمية المختصة بالدراسات البيئية والتنمية المستدامة د. فاطمة العالي، تصورًا يكشف عن أن مشهد الأمن المائي أكثر تنوعًا مما يبدو على السطح.
ترى العالي أن اعتماد دول الخليج على التحلية، رغم ضرورته، لا يلغي وجود مسارات أخرى يمكن البناء عليها لتخفيف هذا الاعتماد، فالمياه لا تأتي فقط من البحر، بل يمكن وفقًا للتطورات التقنية استخلاصها من الهواء ذاته، عبر تقنيات الحصاد المائي التي تحول الرطوبة إلى مصدر قابل للاستخدام.
كما تشير إلى أهمية التوسع في وحدات التحلية المتنقلة المدعومة بالطاقة الشمسية، بما يتيح مرونة أعلى في مواجهة الطوارئ، إلى جانب ضرورة بناء مخزونات استراتيجية مخصصة للاستخدام البشري، تستخدم فقط عند الأزمات.
وأردفت: لا تقف هذه الرؤية عند حدود الابتكار، بل تمتد إلى إعادة النظر في الموارد التقليدية التي ربما أُهملت، مثل العيون والمياه الجوفية التي ما تزال قابلة للاستثمار في بعض المناطق، بوصفها رافدًا إضافيًا يعزز صمود المنظومة المائية في الظروف الحرجة.
وفي سيناريو أكثر تعقيدًا، تشير العالي إلى أن أي تلوث إشعاعي محتمل لمياه البحر سيضع قيودًا صارمة على استخدامه، إذ تصبح عمليات التحلية التقليدية غير كافية للتعامل مع هذا النوع من التلوث، ما يستدعي الاعتماد على بدائل جاهزة سلفًا، مثل المخزون الاستراتيجي، والمياه الجوفية الآمنة، أو تشغيل وحدات تحلية متنقلة في مناطق بعيدة عن نطاق التأثر، بالتوازي مع أنظمة رصد دقيقة لمستويات السلامة.
غير أن البعد الأكثر حضورًا في طرحها لا يتوقف عند الحكومات أو البنية التحتية، بل يمتد إلى المجتمع ذاته، فالتوعية كما ترى العالي ليست خيارًا ثانويًا، بل خط دفاع أول، حيث يصبح ترشيد الاستهلاك، وتخزين المياه على المستوى المنزلي، وتجهيز احتياجات الطوارئ، جزءًا من منظومة الأمن المائي الشاملة، كما أن توزيع خزانات كبيرة في مناطق مختلفة، مخصصة للاستخدام عند الأزمات، يمكن أن يخفف الضغط على المخزون العام ويعزز قدرة المجتمع على الصمود.
تقاطع الرؤى والنقطة الواحدة
وفي ختام هذا المسار، تتقاطع الرؤى عند نقطة واحدة: أن تنويع مصادر المياه لم يعد مجرد خيار تقني، بل ضرورة أمنية وتنموية، في منطقة تظل فيها البيئة أول المتأثرين بأي اضطراب، وتبقى فيها معادلة الماء رغم كل ما تحقق مفتوحة على احتمالات متعددة، تتطلب استعدادًا دائمًا، وتفكيرًا يتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.
وفي هذا المسار المتدرج، حيث تتكامل الشهادات وتتقاطع الرؤى، لا يتوقف التحقيق عند حدود التقنية أو المخزون، بل يتجه إلى قراءة أوسع لما إذا كانت دول الخليج قد انتقلت فعلاً من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الإدارة الذكية للمخاطر.
تحول في الرؤية
ومن هنا، تظهر قراءة أخرى تضيف طبقة جديدة للفهم، تقدمها المختصة في البيئة والتنمية المستدامة مريم الموسوي، التي ترى أن ما كان يُنظر إليه كتهديد محتمل، بات اليوم واقعًا يستدعي تسريع ما تم التخطيط له مسبقًا. فدول الخليج كما تشير، تعتمد على التحلية لتغطية ما بين 70 % و90 % من احتياجاتها في بعض الدول، وهي نسبة تعكس حجم الرهان، لكنها في الوقت ذاته لا تعني العجز، بقدر ما تعكس طبيعة المرحلة.
مرونة استراتيجية قائمة
في هذا السياق، لا تبدو الاستراتيجيات مجرد أوراق مؤجلة، بل أدوات قابلة للتفعيل الفوري، فوفقًا لرؤيتها، تمتلك دول المجلس منظومة تنويع مرنة، تستند إلى الاستراتيجية الخليجية الموحدة للمياه وخطط الرؤى الوطنية، ما يتيح لها التحرك على المدى القصير والمتوسط ببدائل عملية، دون أن يعني ذلك الاستغناء الكامل عن التحلية في الوقت الراهن، خصوصًا في ما يتعلق بمياه الشرب.
مسارات بديلة متقدمة
وتتجلى هذه المرونة في مجموعة من المسارات التي بدأت بالفعل في التشكل على الأرض: إعادة استخدام المياه المعالجة بتقنيات متقدمة، وإعادة ضخها في الخزانات الجوفية لتكون مصدرًا غير مباشر لمياه الشرب، إلى جانب تعزيز التخزين الاستراتيجي تحت الأرض بوصفه “بنكًا مائيًا” محصنًا، كما في تجارب الإمارات وقطر. كما يبرز توجه نحو التحلية الموزعة والمدعومة بالطاقة المتجددة، بما يقلل من مركزية الاعتماد ويزيد من قدرة المنظومة على التكيف.
وفي هذا المسار المتدرج، حيث تتكامل الشهادات وتتقاطع الرؤى، لن نتوقف عند حدود التقنية أو المخزون، بل سنتجه إلى قراءة أوسع لما إذا كانت دول الخليج قد انتقلت فعلاً من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الإدارة الذكية للمخاطر.
ومن هنا، تظهر قراءة أخرى تضيف طبقة جديدة للفهم، تقدمها المختصة في البيئة والتنمية المستدامة مريم الموسوي، التي ترى أن ما كان ينظر إليه كتهديد محتمل، بات اليوم واقعًا يستدعي تسريع ما تم التخطيط له مسبقًا، فدول الخليج كما تشير تعتمد على التحلية لتغطية ما بين 70 % و90 % من احتياجاتها في بعض الدول، وهي نسبة تعكس حجم الرهان، لكنها في الوقت ذاته لا تعني العجز، بقدر ما تعكس طبيعة المرحلة.
الحسابات السياسية والبيئية
ومع انتقال مع الموسوي إلى محاور أكثر تعقيدًا، يتضح أن التهديد لا يقرأ بمعزل عن الحسابات السياسية والبيئية، فإن استهداف منشآت ذات طابع إشعاعي، مثل مفاعل بوشهر، لا يعد خيارًا بسيطًا في ميزان الصراعات، لما يحمله من تبعات دولية وبيئية واسعة، وهنا تشير الموسوي إلى أن هذا السيناريو، رغم حضوره في النقاشات، يظل مستبعدًا نسبيًا، ليس فقط لصعوبته التقنية، بل أيضًا لما قد يترتب عليه من تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة.
ومع ذلك، والحديث للموسوي: فإن افتراض وقوعه ولو نظريًا يكشف عن مدى تعقيد المشهد، ففي حال حدوث تلوث إشعاعي، فإن أثره على مياه الخليج سيكون مباشرًا، لكنه غير متساو جغرافيًا، ما يفتح الباب أمام تفعيل منظومات الاستجابة الإقليمية، المبنية على التنسيق المسبق والمراقبة المستمرة للحالة البيئية والإشعاعية.
وتابعت: وفي هذه الحالة، لا تعود الحلول محصورة في مصدر واحد، بل تتسع لتشمل مزيجًا من البدائل: من المخزونات الاستراتيجية التي قد تكفي لأشهر، إلى تقنيات معالجة متقدمة قادرة على تقليل التلوث، وصولًا إلى خيارات لوجستية مثل نقل المياه من خارج الخليج، أو إعادة توجيه الموارد نحو استخدامات أقل أولوية لضمان توفير مياه الشرب.
غير أن جوهر هذه القراءة لا يتوقف عند إدارة الطوارئ، بل يمتد إلى سؤال الاستدامة ذاته، فدول الخليج، كما تشير الموسوي، لا تواجه تحديًا مائيًا فقط، بل تحد مزدوج يرتبط بالمياه والطاقة والبيئة في آن واحد. وهنا، جاء التوجه نحو دمج الطاقة المتجددة في عمليات التحلية، وتقليل الفاقد في الشبكات، وإعادة تدوير الموارد، ضمن مسار يسعى لتحقيق توازن بين الأمن المائي والالتزامات البيئية.
وتابعت: وفي قلب هذا التحول، يبرز اتجاه متنام نحو إعادة التفكير في موقع التحلية نفسها: من نموذج مركزي ساحلي، إلى نموذج أكثر توزيعًا ومرونة، يعتمد على وحدات أصغر، مدعومة بالطاقة الشمسية، وقابلة للانتشار جغرافيًا. ورغم أن هذا التوجه ما يزال في طور التوسع، إلا أنه يعكس تحولًا استراتيجيًا، يسعى إلى تقليل المخاطر، دون التخلي عن الأساس الذي قامت عليه منظومة المياه في الخليج.
وزادت: بهذا المعنى، لا تبدو الصورة أحادية، ولا الحل واحدًا، بل هي شبكة من الخيارات، تتقاطع فيها التقنية مع الجغرافيا، والاستراتيجية مع الواقع، لتطرح سؤالًا أكبر مما بدأت به: ليس كيف تؤمن المياه فقط، بل كيف تبنى منظومة قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الظروف.
آخر الكلام
في ختام هذا التحقيق، يتضح أن الأمن المائي في الخليج العربي ليس مجرد مسألة تقنية أو اقتصادية، بل هو مسار مستمر من التخطيط، والاستعداد، والاستجابة الذكية لمجموعة من التهديدات المحتملة، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان.
وإن دول مجلس التعاون وضعت استراتيجية مائية تنفذ على مدى 20 عامًا لتنتهي في 2035 في سبيل تحقيق الأمن المائي، وألا تضع بيضها كله في سلة واحدة، وذلك ببناء منظومة مائية متكاملة، تعتمد على تنويع مصادر المياه، والمخزون الاستراتيجي، والابتكار التقني، والاستفادة من الخبرات العالمية، إلى أن جاءت مفاجئة الحرب وما يُعرف بالبجعة السوداء، فعطلت تنفيذ استراتيجية المياه في منتصف عمرها نتيجة الصراعات الإقليمية.
ومع ذلك، تواصل دول المجلس العمل على تنويع مصادر المياه، وتعزيز المرونة التشغيلية، وتوسيع نطاق الحلول البديلة، لضمان استمرار تدفق المياه الصالحة للاستهلاك البشري في أصعب الظروف.
وتتداخل هنا عناصر السياسة، والجغرافيا، والتقنية، والمجتمع في شبكة معقدة من القرارات التي تهدف إلى ضمان استمرار تدفق المياه الصالحة للشرب، حتى في أصعب الظروف، وبينما تبقى المخاطر قائمة، فإن قدرة دول المجلس على مواجهة الأزمات تستند إلى سنوات من التخطيط المسبق والخبرة المكتسبة، ما يعكس حكمة الرؤى الوطنية والاستراتيجية الموحدة للمياه، ويعتمد دول المجلس على الدبلوماسية كدرع واقية لهذه المنظومة بالإضافة إلى العلاقات الوطيدة مع دول العالم المتقدم ودول المنطقة.
وفي النهاية، تعمل دول مجلس التعاون بأن يكون أمن المياه في الخليج مرآةً للقدرة على التكيف، والاستثمار في المستقبل، وضمان أن الحياة حتى في أصعب الظروف، ستستمر وفق نظام أمني مائي متقدم يحرسه الجميع.
مشاركة:
\n



