تغيير النشيد مع تغيير القناعات
خطيب بدلة
مشكلة النشيد الوطني السوري، حماة الديار، الذي كتبه الشاعر خليل مردم بيك، ولحنه الأخوان فليفل، سنة 1938، يرمز للعروبة والإسلام، أكثر مما يرمز لدولة سورية مستقلة، فهو يشيد بعرين العروبة، والوليد الأموي، والرشيد العباسي، وفيه ذكر للشآم، وليس لـ”سوريا”، وأنا، شخصيًا، لست معجبًا به، وأؤيد تغييره.
ولكن تغيير النشيد الوطني، لا يكون بهذه البساطة، بل يأتي نتيجة تغيرات واسعة في البنى السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية للدولة، تترافق بتغيير في عقلية الشعب ومزاجه، فتصبح سوريا دولة تنتمي لتاريخها، وحضارتها، وخصائصها، قبل أي اعتبار آخر.. ومن جهة ثانية، لا يصح أن تغير النشيد سلطة انتقالية، فهذا من اختصاص مجالس منتخبة من قبل الشعب، تأتي بعد الفترة الانتقالية. هل حصل هذا؟ أبدًا، بالعكس، فالسلطة الحالية، تبدو أكثر تمسكًا بالإسلام والعروبة، وابتعادًا عن سردية الدولة السورية من أي سلطة سابقة، وبالتالي، فإن تغيير النشيد الآن، نوع من العبث.
تظهر، في الحروب الأهلية، تجليات الانهيار، فتصبح الفوضى هي الأساس، وغالبًا ما تكون الشخصيات التي تصل إلى السلطة، بحكم الظروف الاستثنائية، جاهلة بألف باء بناء الدول المنهارة، وفي الوقت نفسه تراها مندفعة لفعل شيء يدل على أنها “فهمانة”.. وهذا ما شهدناه، وعشناه، في سوريا، خلال أكثر من سنة فائتة، إذ سارعت السلطة إلى إجراء تغييرات بعيدة عن اختصاصها، مثل العلم، والنشيد الوطني، والرؤية البصرية، وتجاهلت، في الوقت ذاته، القيام بالإجراءات الضرورية لبناء مؤسسات الدولة التي تجعل الشعب هو الذي يقرر ما يتعلق بحاضره ومستقبله.
الأمر، في الدول المستقرة، مختلف تمامًا، فمثلًا، تعرضت مصر للعدوان الثلاثي الإسرائيلي- الفرنسي- البريطاني، سنة 1956، وهي في أوج صعودها، وتغيراتها البنيوية، بعد ثورة 1952، فكان النشيد الذي رويت لكم حكايته، في زاوية سابقة من “عنب بلدي”، وهي أن الموسيقار كمال الطويل، تأثر كثيرًا بأصوات الغارات الجوية على بلده، فتدفقت مشاعره الوطنية، بشكل عفوي، فألف، بالاشتراك مع صديقه الشاعر الثوري صلاح جاهين، ذلك النشيد الحماسي المتميز، “والله زمان يا سلاحي”، وفي السنة التالية، اعتمدته الدولة المصرية نشيدًا وطنيًا، بقي يلهب مشاعر المصريين، والعرب عمومًا، حتى خلال هزيمة 1967، وفي أثناء حرب أكتوبر 1973.
ولكن، واعتبارًا من هذه اللحظة التاريخية، بدأت التحولات الكبرى تحصل في مصر، وفي المنطقة العربية عمومًا، فقد اتخذ الرئيس، أنور السادات، قرارًا رهيبًا، خطيرًا، صادمًا، بالصلح مع إسرائيل، وسافر، من توه إلى سوريا، وعرض أمر المصالحة على حافظ الأسد، فرفض، وعرضه على الفلسطينيين، ورفضوه، فذهب منفردًا، وحقق السلام لمصر وحدها.. وعندما عاد إلى مصر، كان يحمل فكرة قيل إن الإسرائيليين طرحوها عليه في أثناء التفاوض، وهي: كيف سنقيم سلامًا، بينما نشيدكم الوطني يحث على الحرب؟
السادات استدعى الموسيقار محمد عبد الوهاب، وطلب منه العمل على تغيير النشيد الوطني، وكان حظ المصريين كبيرًا، عندما وجدوا نشيدًا عظيمًا كان قد ألفه موسيقار الشعب، سيد درويش، في العشرينيات، وهو “بلادي بلادي”، وفيه مشاعر وطنية، مصرية، خالصة.. خفيف، نظيف، ولحنه رائع!
