تغييب الوعي بـ “قوة القانون”… الحوثي ترهن مقاعد الدراسة بالدورات الطائفية في إب
يمن مونيتور/ إفتخار عبده
في تصعيد جديد يستهدف بنية المجتمع اليمني وهويته الوطنية، كشفت مصادر تربوية ومحلية عن توجه حوثي خطير يقضي بفرض “شهادة المشاركة” في المراكز الصيفية كشرط أساسي لقبول الطلاب في المدارس الحكومية بمحافظة إب.
هذا الإجراء، الذي وُصف بـ “الابتزاز التربوي”، يأتي بعد تنامي الرفض الشعبي الواسع لتلك المراكز التي يراها اليمنيون “معسكرات لتفخيخ العقول”.
وبحسب المصادر فقد عمّمت المليشيات على مديري المدارس الحكومية في المحافظة، بإلزام الطلاب بالحضور في الدورات الطائفية التي تقيمها في مدارس ومساجد المحافظة، بعد تنامي الرفض المجتمعي الواسع لعدم المشاركة في مراكز المليشيا الطائفية.
نقابة المعلمين وصفت هذا التصعيد بالاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.
وفي بيان صادر عنها قالت النقابة: إن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف، يتمثل الأول في “تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة”، والثاني في “استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات”، مشيرةً إلى أن كلا المسارين يشكلان خطرًا وجوديًا على العملية التعليمية ومستقبل البلاد.
وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية تُستخدم كوسائل للتعبئة الفكرية والعقائدية، تستهدف الأطفال والشباب، وتعمل على طمس الهوية الوطنية ونشر أفكار تتصادم مع القيم اليمنية، مؤكدة أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، ما يعكس – بحسب البيان – توسعًا ملحوظًا لهذه الأنشطة؛ مطالبةً بإيقاف استغلال المؤسسات التعليمية في الأنشطة المؤدلجة.
وتقلى هذا القرار الحوثي رفضًا شعبيًا كبيرا، وسخطا واسعًا أبرزه ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي الذين أكدوا أن المليشيات أصبحت تجاهر في تجريف الهوية الوطنية والدينيه وفي استغلال العملية التعليمية والأوضاع المعيشية للمعلمين وأولياء الأمور.
تجريف الهوية
بهذا الشأن قال الشيخ إبراهيم القيسي، أحد وجهاء محافظة إب” هناك انتهاكات واسعة تمارسها مليشيا الحوثي بحق العملية التعليمية والمجتمع في محافظة إب بشكل عام، منها المعسكرات التدريبية المسماة بالمراكز الصيفية التي تهدف إلى غسل أدمغة الأطفال وتحويلهم إلى أدوات للقتل والتمرد”.
أوضح القيسي في تصريح ل”يمن مونيتور” أن معاناة الكادر التعليمي في مناطق سيطرة المليشيات لا تخفى على أحد، مستشهدًا بوضع سبعة من معلمي أسرته، الذين اضطروا لترك مهنة التدريس بعد محاولات إجبارهم على تزييف المناهج.
وتساءل القيسي” كيف لمدرسٍ متخصص في الكيمياء أو الرياضيات أن يُجبر على تدريس ملازم لا علاقة لها بالعلم أو القاموس التعليمي؟” مضيفًا أن غالبية المعلمين اختاروا العمل في مهن شاقة وكدح يومي على الدراجات النارية أو البسطات لإعالة أسرهم، بدلاً من المشاركة في تسميم عقول الأجيال بمنهج لم يألفه اليمنيون ولا يستوعبه منطق تعليمي.
فخٌ للتجنيد
وحول طبيعة المراكز الصيفية، أكد القيسي أنها مجرد طُعم لاستدراج الصغار، قائلاً: ” هي ليست مراكز للثقافة بل معسكرات تعبئة على الإرهاب والدماء؛ فالمليشيا تستغل غريزة الأطفال وحبهم للمحاكاة، فبدلاً من الألعاب، تضع في أيديهم أسلحة حقيقية تجعلهم يشعرون ببطولة زائفة؛ مما يؤدي إلى تحول سلوكي خطير يجعل الطفل يتمرد حتى على والديه وأسرته”.
وتابع القيسي واصفاً النتائج الكارثية لهذه المراكز: “الطفل الذي يدخل هذه الدورات لا يعود كما كان؛ بل يعود غائبًا عن الوعي، معبأً بأفكار تقدس الفرد، ويرى في القتل والدمار فيلمًا سينمائيًا هو بطله على أرض الواقع”.
سياسة الترهيب ضد الرافضين
وفيما يتعلق بالعائلات التي ترفض إرسال أبنائها لهذه المراكز أشار القيسي إلى أن المليشيا” تشن حرباً نفسية واجتماعية ضدهم؛ إذ يتم تصنيفهم كـ “دواعش” وافتعال نزاعات مع جيرانهم أو توكيل عناصر لإثارة المشاكل معهم، لإجبارهم في النهاية على الاستنجاد بالمليشيا التي تلعب دور المعتدي والمحكم في آن واحد”.
في السياق أكد الأستاذ عبد الرحمن المقطري، الأمين العام لنقابة المعلمين بمحافظة تعز، أن قضية المراكز الصيفية التي تفرضها ميليشيا الحوثي الانقلابية أصبحت قضية مؤرقة للغاية، ليس فقط لقطاع التربية والتعليم والعملية التعليمية، بل وللآباء والأمهات وكافة أولياء الأمور، في المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثية.
امتداد الخطر
وأوضح المقطري في حديثه لـ “يمن مونيتور” أن القلق من هذه المراكز يمتد ليشمل المناطق الأخرى غير الخاضعة للحوثيين، نظرًا للتأثير المتبادل والتواصل الاجتماعي، لا سيما في المناطق القريبة من خطوط التماس، محذرًا من أن هذا الشحن سيؤدي إلى صدامات مستقبلية لا تحمد عقباها.
وأشار إلى أن الميليشيا فرضت دخول الطلاب لهذه المراكز بشكل رسمي في عدد من المحافظات، ومنها محافظة إب، عبر تعاميم صادرة عن قيادات وزارة التربية والتعليم التابعة لها، واصفًا هذا الإجراء بالكارثة الحقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
وفيما يخص التأثير التعليمي، ذكر المقطري أن هذه المراكز تضرب الجانب المعرفي والمهاري للطلاب في مقتل، لكن الخطر الأكبر يكمن في الجانب التربوي؛ كونها تحمّل الأطفال قيمًا تتناقض تماماً مع قيم المجتمع اليمني وعقائد الآباء والأمهات.
ونبّه إلى توجه الميليشيا مؤخراً نحو اختزال المرحلة الثانوية إلى سنتين فقط، مؤكدًا أن ذلك سيخلف آثارًا اجتماعية وتربوية وخيمة، ويخلق صراعًا داخل الأسرة الواحدة بسبب تثقيف النشء بثقافة سلالية تستقي أفكارها من المنهج الحوثي الإيراني، مما يجعل هؤلاء الطلاب يؤمنون بما يملى عليهم فقط ويعادون كل من سواهم.
تصعيد خطير
واعتبر المقطري أن ما يحدث في المراكز الصيفية من تعبئة وشحن للجيل هو نوع من التصعيد الذي يفوق في خطورته التصعيد العسكري في الجبهات وأكد أنه حتى في حال حدوث أي تقارب سياسي أو مفاوضات مستقبلًا، فإن التصالح النفسي والاجتماعي داخل المجتمع اليمني سيكون صعب المنال بسبب هذه الدورات؛ إذ يتحول الأطفال إلى قنابل موقوتة في تضاد مع مجتمعاتهم، ويبدأ هذا التضاد من داخل محيط الأسرة.
وحول تأثير الشحن الفكري على الاستقرار الأسري، قال المقطري إن الطفل عندما يتبنى أفكاراً تكفيرية وعدائية تجاه والديه، فإن الاستقرار ينعدم تماماً، والواقع المأساوي يشهد قصصاً غير مسبوقة في اليمن، وصلت إلى حد إقدام بعض الشباب على قتل إخوانهم وآبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم؛ نتيجة هذا التعبئة المستمرة.
ولفت المقطري إلى وجود حالات لأطفال أسرى في مأرب لا تتجاوز أعمارهم 12 أو 13 عامًا ، أظهروا حقدًا دفينًا نحو المجتمع اليمني، يلعنون كل من يخالفهم ويتهمونهم بالكفر والنفاق؛ بشكل يؤكد خروجهم عن نطاق التغطية الفكري وتترافق أحيانًا مع تعاطي مواد مخدرة مثل “الكبتاجون”، مما يضع الأسر تحت رحمة هؤلاء الأطفال المغيبين.
استغلال المساعدات والدرجات المدرسية
وانتقد المقطري بشدة ربط الحوثيين حضور المراكز الصيفية بالدرجات المدرسية أو الحصول على المساعدات الإغاثية، واستغلال تردي المستوى المعيشي وانعدام الأعمال في دفع الأهالي لإرسال أبنائهم لهذه المراكز كرهًا وبحكم الضرورة القسرية، وليس رغبة فيها؛ مؤكدًا أن هذا التصرف يمس كرامة الإنسان اليمني ويخالف الدستور الذي يكفل مجانية وحق التعليم.
وأكد أمين عام نقابة المعلمين أن الحوثيين يراهنون على هذا الجيل ليكون وقودًا لحروبهم القادمة وحاملًا للواء فكرهم وسلالتهم وأحقيتهم المزعومة في الحكم، مستخدمين في ذلك إمكانيات الدولة المنهوبة والجبايات والضرائب” محذرًا من أن هذا الفكر عابر للحدود وسيشكل خطرًا على المنطقة العربية بشكل عام.
وأشار إلى أن التعميم الآن ليس في المراكز الصيفية وفي أنها دخولها شرط لدخول المدارس وإنما التغيير حصل حتى داخل داخل الجامعات فيما يخص الثقافة، فبدلًا من الثقافة الإسلامية أصبحوا يدرسون الثقافة الفارسية وملازم الهالك حسين الحوثي، بالإضافة إلى إلغاء قسم اللغة العربية في جامعة صنعاء وإحلال قسم اللغة الفارسية، كما أن طلاب الماجستير والدكتوراه فُرض عليهم لزامًا أن يختبروا وأن ينجحوا في ملازم حسين بدر الدين قبل تقديم الرسالة للماجستير أو الدكتوراه.
وفي ختام تصريحه، تطرق المقطري إلى وضع الأكاديميين والمثقفين في مناطق سيطرة الحوثي، والذين يعيشون تحت ضغط هائل وحرمان من الرواتب، ومع ذلك يُجبرون على المشاركة في هذه المراكز وتدريس مناهج لا يؤمنون بها تحت رقابة مشددة من المشرفين.
ودعا المقطري قيادة الشرعية، والمملكة العربية السعودية، ودول الخليج، إلى الالتفات لهذا الخطر والعمل معاً لدرئه من خلال؛ إعادة النظر في المناهج التعليمية لصد هذه الأفكار، وتكثيف الندوات والدراسات العلمية لمواجهة هذا الفكر، وإرسال رسائل إعلامية وثقافية منهجية قوية إلى مناطق سيطرة الحوثي لتحصين الأطفال والكبار بجرعات استباقية تحميهم من التجريف الفكري؛ مشددًا على أن” واجب المجتمع اليوم هو تحصين أبنائه، وإلا فإن اليمن ككل سيكون عرضة لمخاطر لا يمكن السيطرة عليها”.
The post تغييب الوعي بـ “قوة القانون”… الحوثي ترهن مقاعد الدراسة بالدورات الطائفية في إب appeared first on يمن مونيتور.





