... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
18367 مقال 495 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3309 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 20 ثانية

تغريد النجار: الكاتبة التي تتقن لغة الأطفال

حبر
2026/03/06 - 11:32 501 مشاهدة

في زاوية القراءة داخل مكتبة مدرسية، تصطف على الرفوف كتب الأطفال برسوماتها الملوّنة وأغلفتها الزاهية، وبينما تحاول المعلمة تنظيم جلوس الأطفال على الأرضية الملونة، يرتفع صوت صخب طفولي وتعلو ضحكات من هنا وهناك. لكن بمجرد أن دخلت الكاتبة بابتسامتها الدافئة وبيدها كتاب، بدأت الأصوات بالخفوت وأسرع الأولاد والبنات يجلسون متربعين استعدادًا للقراءة القصصية لكاتبتهم المفضلة تغريد النجار. بدأت تغريد بسرد حكايتها، وبينما كانت تقرأ الحوارات وتغيّر صوتها بين جُمل الشخصيات، كانت عيون الأطفال تتسع، وتعلو وجوههم الدهشة، يقتربون قليلًا للأمام، ويصغون بتركيز كامل، وكأن صوت تغريد بثّ الحياة في رسومات الكتاب التي كانوا ينظرون إليها.

وُلدت تغريد في عمّان في 28 أيلول 1951. كانت الابنة الوسطى بين أختين أكبر منها وأربعة إخوة أصغر منها، تتقاسم المسؤوليات واللعب، وتتعلم باكرًا كيف تكون الأخت الحنون والحكّاءة معًا. هذه الطفولة لم تكن سهلة. ففي السادسة من عمرها فقدت تغريد أمها سلوى الماضي. في خسارة مبكرة تركت ظلّها في روحها، وستعود لاحقًا بعد عقود، لتطلّ على العديد من أعمالها وتُسمّى على اسمها واحدة من أهم دور النشر في الأردن والعالم العربي.

درست تغريد المرحلة الابتدائية في مدرسة شميدت الداخلية في القدس. وهناك، بعيدًا عن البيت، كانت الطفلة الهادئة تنسج عوالم ملوّنة في خيالها. وفي العائلة كانت معروفة بقدرتها العجيبة على اللعب مع الأطفال وسرد القصص التي تأسرهم. وحين كان الكبار يسألونها بدهشة من أين تأتي بكل تلك القصص، كانت تبتسم بثقة طفولية وتجيب: «أنا اخترعتها».

أنهت الثانوية العامة -الفرع الأدبي- في عمّان عام 1969 من المدرسة الأهلية للبنات، وكانت من العشرة الأوائل على مستوى المملكة، فحصلت على منحة من وزارة التعليم بحكم تفوقها. كانت ترغب بدراسة تخصص رياض الأطفال وعلم النفس كي تتمكّن من تدريس الأطفال في عمر مبكر، لكن شروط المنحة فرضت عليها التخصص في اللغة الإنجليزية. ومع التزامات مادية تثقل كاهل والدها، وإخوة في المدارس والجامعات، لم يكن التردد رفاهية متاحة. فقبلت المنحة، ودرست بكالوريوس اللغة الإنجليزية في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم حصلت لاحقًا على دبلوم فرعي في التربية وعلم النفس من الجامعة نفسها عام 1973.

عقب تخرّجها، درّست اللغة الإنجليزية في مدارس حكومية للصفوف الثانوية أربع سنوات، وعملت بعدها في مركز هيا الثقافي مسؤولة عن قسم النشر.

البدايات

كان لدى تغريد تجارب مُبكّرة في النشر، ففي عام 1978 صدر أول كتاب لها بعنوان «صفوان البهلوان»، وكان جزءًا من مشروع لإنتاج ونشر مجموعة قصصية للأطفال بالتعاون مع مطبعة الجمعية الملكية، عرفت عنه من خلال عملها في مركز هيا الثقافي. تحمّست تغريد، التي كانت من أصغر المشاركين عمرًا في ذلك الوقت، للفرصة رغم افتقار المشروع إلى أصحاب خبرة في نشر كتب الأطفال. فلم يكن هناك رسّامون متخصصون. ولذا وجدت نفسها، رغم ترددها، ترسم كتابها بنفسها. لم تكن ترى نفسها رسّامة، لكن غياب البديل شجعها على المحاولة.

من مكتب دار السلوى.

واجهت تغريد أيضًا تحدّي الطباعة الملوّنة التي لم تكن شائعة حينها. فقد نصحها البعض باستخدام أوراق لاصقة ملوّنة، كان يستعملها المهندسون في ذلك الوقت، كي تظهر الألوان واضحة ومتناسقة في النسخة المطبوعة. كان العمل مرهقًا ودقيقًا، لكنها كانت متشوقة لإصدار عملها الأول. وعندما أمسكت كتابها للمرة الأولى، ظلّت تتأمل اسمها على الغلاف لتتأكد أن ما بين يديها ليس حلمًا، «كنت فرحانة كتير».

بعد تلك التجربة الأولى، ازدادت ثقة تغريد بقدرتها على الكتابة، فقررت أن تخطو خطوة أكبر وتواصلت مع دار الفتى العربي في بيروت. كان ذلك بمثابة نقلة نوعية في مسيرتها، خاصة عندما تلقّت خبر قبول ونشر ثلاث من قصصها: «مدينة الألوان»، و«حسن والغول»، و«علي بائع الكعك».

كانت هذه التجربة مختلفة تمامًا عمّا سبقها؛ فدار الفتى العربي، التي تأسست في بيروت عام 1974، تُعد أول دار نشر عربية متخصصة في كتب الأطفال، وتضم فريقًا محترفًا من المحرّرين بالإضافة إلى شبكة واسعة من الرسامين والفنانين العرب. العمل مع هذه البيئة المهنية المتكاملة منح تغريد إحساسًا جديدًا بالجدية والاحتراف، ورسّخ لديها قناعة بأنها تسير في الطريق الصحيح.

تزامنت بدايات تغريد في الكتابة للأطفال مع ظروف سياسية مضطربة في المنطقة، إضافة إلى تغيّرات شخصية كبيرة في حياتها، مما جعلها تتوقف عن الكتابة والنشر لفترة. فقد تزوجت وانتقلت مع عائلتها إلى السعودية، وانشغلت بتأسيس عائلتها، ما جعل الاستمرار في العمل الأدبي أصعب.

أمومة تعيد معايرة البوصلة

أنجبت تغريد ثلاث بنات. وفي مطلع التسعينيات عندما بلغت ابنتها سلوى سن الدراسة، قررت العائلة العودة إلى الأردن. ولأن العودة كانت في منتصف العام الدراسي، لم يكن العثور على مدرسة لسلوى مَهَمّة سهلة. وبعد عدة محاولات للعثور على مدرسة مناسبة، تواصلت تغريد مع مدرسة عمّان الوطنية. تقول مبتسمة وهي تستعيد التفاصيل: «وافقوا يسجّلوا سلوى في نص السنة، بس بشرط إني أدرّس عندهم».

أرادت الإدارة أن تسند إليها الصفوف الثانوية بحكم خبرتها، لكنها طلبت تدريس أطفال الروضة. وبعد شدٍّ وجذب، كان تدريس الصفوف الابتدائية الحل الوسط. أرادت تغريد تدريس الأعمار الصغيرة حيث هناك مساحة أوسع للألعاب والقصص بعيدًا عن قيود المنهاج الصارم.

منذ أنجبت بناتِها لاحظت تغريد قلة الخيارات المتاحة في أدب الأطفال العربي، وإن توفرت كما في إصدارات المكتبة الخضراء وليدي بيرد،[1] فإنها كانت في الغالب أعمالًا مترجمة و«لا تشبهنا» على حد تعبيرها.

ومع عملها كمعلمة للصف الأول الابتدائي، عاد شغف الكتابة بالظهور. فبدأت تكتب قصصًا لطلابها بهدف تعزيز مهارات القراءة لديهم باللغة العربية. كانت تختار أحد الطلاب ليكون بطل القصة، ولأن لديها خلفية، تصفها بالبسيطة، في الرسم، ولعدم وجود العديد من الرسامين والفنانين المتخصصين بأدب الأطفال الذين يمكن أن تتعاون معهم، بدأت تصنع أدواتها الخاصة. ابتكرت وسائل لتعليم الحروف، ورسمت شخصيات صغيرة ومشاهد بعناصر مألوفة مستلهمة من الحياة اليومية، ثم حوّلت رسوماتها إلى قوالب تفريغ (ستينسل) تستخدمها في القصص. فقد كانت ترسم صفحاتها دون ألوان، لتترك للأطفال فرصة تلوينها بأنفسهم. ثم تطبع نسخة لكل طالب ليقرأها ويحتفظ بها.

تفاعل الأطفال مع تلك القصص ولاقت أصداءً إيجابية لدى الأهالي. وهكذا تكوّنت نواة سلسلة «أحسن صديق» التي ستكون تجربة نشرها علامة فارقة في مسيرة تغريد النجار وسببًا لتأسيس دار السلوى.

تأسيس دار السلوى

كان تفاعل الأطفال مع القصص حافزًا قويًا أعاد إلى تغريد شجاعتها. بعد التشجيع، بدأت تغريد مجددًا رحلة البحث عن رسامين متخصصين، وعن دار نشر في الأردن تؤمن بقيمة الكتاب المصوّر للأطفال.

كان مجال رسوم كتب الأطفال في الأردن آنذاك جديدًا وغير مألوف، مما جعل العثور على رسّامين متخصصين تحدّيًا كبيرًا. وبعد بحث مضنٍ، تعرّفت تغريد على الفنانة منال حدادين التي كانت تمتلك خبرة في الرسم لمجلات الأطفال، وكلّفتها برسم قصتها «فيفي».

بعدها تواصلت مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمّان. ورغم أنها ليست دارًا متخصصة في أدب الأطفال، تمكنت تغريد من إقناعها بنشر ثلاث قصص ضمن السلسلة التي طورتها مع طلابها والتي أطلقت عليها اسم «أحسن صديق». مثّل هذا التعاون أول تعامل رسمي لها مع دور نشر محلية.

نشرت مع الدار ست قصص مصوّرة، لكن التجربة كشفت لها الكثير؛ فقد وجدت نفسها تقوم فعليًا بكل ما يقوم به الناشر: البحث عن رسّامين، والتعاقد معهم، واختيار المدقق اللغوي ودفع أجره، ومتابعة كل تفاصيل الإنتاج. أما حصّتها من بيع الحقوق فكانت 10% من الطبعة، أي 200 نسخة فقط من أصل 2000. ومع ذلك تصف تغريد التجربة بالغنية، إذ تعلمت من خلالها أسس التوزيع، وبناء العلاقات مع المدارس والمؤسسات الثقافية، وكيفية إيصال الكتاب إلى القرّاء.

وحين أدركت أنها تقوم بجميع مهام الناشر تقريبًا باستثناء الطباعة، قرّرت وبتشجيع من عائلتها تأسيس دار نشر متخصصة للأطفال. وبالفعل في عام 1996، أنشأت «دارَ السلوى للدراسات والنشر» التي تحولت لاحقًا لمشروع عائلي.

في البداية اعتمدت تغريد على الرسامة منال حدادين، ثم بدأت توسّع دائرة التعاون رغبةً في تنويع الأساليب البصرية وإثراء الذائقة الفنية لدى الأطفال. وقد ساعد قدوم عدد كبير من الفنانين العراقيين إلى الأردن خلال سنوات الحرب على إثراء المشهد الفني المحلي، إذ عملت تغريد مع الفنانة العراقية لمياء عبد الصاحب التي رسمت لها عدة قصص. ولاحقًا، تعرّفت على الرسامة السورية لُجينة الأصيل بعدما لفتها أسلوبها في مجموعة رسومات منشورة، فتولت رسم سلسلة «الحلزونة». ومع انتشار الإنترنت لاحقًا، أصبح العثور على رسّامين أسهل بكثير، واتسعت الخيارات أمامها لتشمل أساليب فنية متنوعة من مختلف أنحاء العالم.

مع الوقت، توسّع نشاط الدار ليشمل نشر أعمال كتّاب من أنحاء العالم العربي. وقد أدارت تغريد الدار لسنوات طويلة قبل أن تسلّم الإدارة رسميًا لابنتها سلوى الشخشير عام 2010. تقول سلوى: «دخلت عالم النشر بالصدفة! رغم أن والدتي كانت تعمل ناشرة مستقلة من المنزل، لم أتخيّل يومًا أن يصبح هذا المجال مساري المهني».

جاءت البداية حين طلبت تغريد من سلوى مساعدتها في بعض المهام، فتصف الأخيرة تلك اللحظة قائلة: «وقعت في حب ما تفعله والدتي». فقررت ترك عملي في مجال الإعلان «لأتبع شغفي في صناعة الكتب الجميلة».

خلال السنوات اللاحقة، رسّخت دار السلوى مكانتها كإحدى أبرز دور النشر المتخصصة في أدب الطفل العربي، والمعروفة بإصداراتها الأصيلة والمبتكرة التي تمتد من كتب الطفولة المبكرة وصولًا لليافعين. وقد تميزت الدار بجودة الرسوم، وتنوّع المحتوى، وحرصها على تقديم مواد تُعزّز الهوية العربية. وزّعت الدار كتبها في مختلف أنحاء العالم العربي، واعتمدها العديد من المدارس ضمن مناهج القراءة وأنشطة المطالعة. كما تُرجمت العديد من إصداراتها إلى لغات مختلفة، وحصدت جوائز مرموقة أحدثها جائزة بولونيا راغازي، إحدى أهم الجوائز العالمية في أدب الطفل.

قصص من كتابة تغريد النجار معروضة في إحدى المكتبات.

حين يكون اليوميُّ إلهامًا

في عالم تغريد النجار يتداخل اليومي والخاص مع العمل، واللحظة الحياتية العابرة قد تتحوّل إلى قصة بين أيدي الأطفال. عندما تُسأل في مقابلاتها «من أين تأتيكِ الأفكار؟» تبتسم وتجيب في كل مرة: «كلّ شي ممكن يكون مصدر إلهام».

في يومٍ صيفي عام 1993، ومن سوقٍ مزدحم بدأت إحدى أشهر حكاياتها. رأت تغريد بطيخة كبيرة الحجم، فابتسمت وقالت لنفسها: «سيكون لطيفًا لو كتبت قصة عن بطيخة كبيرة!». وبالفعل، أصبحت «البطيخة» من كلاسيكيات أدب الأطفال الأردني.

تؤكد تغريد أنها لا تجلس أمام مكتبها باحثةً عن عبرة أو عظة، بل تبدأ بعنصر ظريف محبب للأطفال. ومن خلال الكتابة، تتطور الأفكار وتنضج، وبشكل مرح وغير مباشر يمكن إيصال الرسائل كما في «البطيخة» التي تتحدث عن الاحتفاء بتنوع الطعام. فبطلة القصة «نورة» تفضّل البطيخ على كل أنواع الطعام الأخرى وتصرّ على تناوله دون سواه. تضع نورة بطيخة تحت سريرها كي تستطيع أكلها وحدها بعد أن يذهب الجميع في البيت إلى النوم. لكن يحدث شيء غريب، ترى نورة في منامها البطيخة تكبر شيئًا فشيئًا إلى أن تملأ الغرفة تمامًا، فتدخل إلى البطيخة وتغوص فيها وتأكل ما تشاء. لكنها تستيقظ ومعدتها تؤلمها، فتسرع أمها وتسألها ما بها فتقول: «البطيخة الكبيرة تحت السرير؛ أكلتها ثم أكلتني».

قد يكون سرّ رواج قصص تغريد العابرة للأجيال خيالها وظرافتها وخفّتها. تقول ياسمين، الأم لثلاثة أطفال: «كانت «البطيخة» قصتي المفضلة وأنا صغيرة، والآن أقرأها لأطفالي وبحبوها كثير». 

كلُّ طفولةٍ تستطيع أن تجد نفسها داخل حكايات تغريد لقربها من تفاصيل الحياة اليومية. يقول حمزة (تسعة أعوام): «بحب قصة «السيدة جواهر صديقة القطط»، لأنها بتذكرني بتيتا. هي كمان ساكنة ببلد تاني وأنا بحكي معها أونلاين». هذه قصة أخرى مستوحاة من حياة تغريد الشخصية حيث تعيش كرمة، إحدى بناتها، خارج الأردن.

في القصة، تحاول السيدة جواهر أن تتواصل مع حفيدها منصور، وهو اسم حفيد الكاتبة الحقيقي، عبر الإنترنت. لكنها تصطدم بانشغاله الدائم بألعابه وعالمه الخاص. تحب السيدة جواهر القطط وتنشأ علاقة حميمية بينها وبين القطة نوسة في الحديقة العامة، فتطعمها وتلحق بها نوسة إلى بيتها فتضع لها صحن الحليب أمام عتبة شقتها. تختفي نوسة عدة أيام فتحزن السيدة جواهر ظنًّا منها أنها قد فقدتها، ولكن نوسة ما تلبث أن تظهر بصحبة خمس قطط صغيرة تحضرها إلى منزل السيدة جواهر وتأتمنها عليها. تصبح هذه القطط سببًا في تقريب منصور من جدته، إذ ينجذب إلى الحديث مع جدته يوميًا عبر الإنترنت ليتعرف على أخبار نوسة وصغارها ويساعدها في إطلاق أسماء عليها.

مواجهة الألم في «قبعة رغدة»

بعد سنوات طويلة من كتابة الكتب المصورة للأطفال حتى سن الثانية عشرة، أرادت تغريد خوض تجربة جديدة بالكتابة لليافعين. فالكتابة للصغار تعتمد على الخيال والوضوح البصري، بينما تتطلب الكتابة للناشئة بناء حبكة أكثر تعقيدًا، وتقديم شخصيات تتطور مع القصة بحيث تعكس مشاعرهم وأسئلتهم العميقة وتتناول تحديات تشبه ما يمرّون به بلغة أكثر تطورًا مقارنة بكتب الصغار. وهنا دخلت عالم اليافعين لأول مرة في عام 2012 في روايتها «قبعة رغدة». 

عبّرت تغريد عن تجربتها في كتابة هذه الرواية «بالمواجهة الشخصية مع مرض السرطان» الذي كان سبب وفاة والدتها وهي طفلة. بطلة القصة «رغدة»، ذات الثلاثة عشر عامًا، تحارب المرض وتواجه سخرية زميلاتها في المدرسة بسبب ارتدائها قبعة طول الوقت حتى في الطقس الحار، ولكن عندما تكشف رغدة عن سر ارتدائها القبعة تصبح زميلاتها أكثر تعاطفًا وتفهمًا لها. 

في البداية، قيل لتغريد إن الموضوع ثقيل «وحساس أكثر من اللازم». لكنها كانت ترى أن الأطفال قد يتعرضون إلى أوقات صعبة بمواجهة مرضهم أو مرض ووفاة أحد أفراد العائلة، وبسبب صعوبة تناول مثل هذه المواضيع الحساسة مع الأطفال، يمكن استخدام القصص كمدخل لمناقشة مخاوفهم والتعبير عن مشاعرهم. وعلى خلاف التحذيرات، لقيت القصة رواجًا وقبولًا من الأهالي والمدارس، حتى إنها اعتمدت في بعض المناهج الدراسية.

تقول مايا (12 عامًا) «كنت أسمع عن مرض السرطان بس ما كنت أعرف شو بحس المريض»، وتضيف زين (12 عامًا) أنها أحبت شخصية «زينب» صديقة رغدة وكيف وقفت معها ودعمتها، وتقول: «كتير مهم الواحد يكون عنده أصحاب مناح وهو كمان يكون صديق جيد لأصحابه».

من جلسة قراءة جماعية للأطفال في دار المنهل.

في أدب الأطفال، تضيف الكاتبات لمسةً خاصة تنبع من حساسية عميقة تجاه التفاصيل اليومية. وهذا ما نلمسه بوضوح في تجربة تغريد النجار، التي لا تستمد فهمها لعالم الطفولة من الكتابة وحدها، بل من حياةٍ حافلة بالأمومة والعمل المباشر مع الأطفال. فهي أمّ لثلاث بنات، وجدّة لأربعة أحفاد، وذات خبرة طويلة في التعليم والتفاعل مع الصغار؛ ما منحها قدرة فريدة على ملامسة القضايا على مستويات متعددة: الطفل ذاته، وديناميكيات التواصل والتفاعل في الأسرة، وحتى مع المجتمع الأوسع. وبأسلوب هادئ غير صدامي بعيد عن الوعظ والإرشاد، نجحت في كتبها في تمرير رسائل عميقة للأولاد والبنات على حد سواء. يتجلّى ذلك في العديد من أعمالها، مثل قصة «ما المانع؟»

ما المانع؟

في قصة «ما المانع؟» التي تجري أحداثها في قرية لفتا في ثلاثينيات القرن الماضي، نلتقي بسامية، ابنة المسحّر الأرمل الذي لم يتخلّف ولو لليلةً واحدة طوال ثلاثين عامًا عن إيقاظ أهل القرية للسحور في شهر رمضان. لكن المرض يدهمه ذات ليلة، فيجد نفسه عاجزًا عن حمل طبلته والخروج في جولته المعتادة. تقف سامية أمام لحظة اختبار، فهي تعرف جيدًا كم يعني هذا الواجب لوالدها، وتتخذ قرارًا جريئًا بأن تحلّ مكانه لليلة واحدة ريثما يستعيد عافيته.

تستيقظ القرية على صوتٍ غير مألوف؛ فتاة تدقّ الطبلة وتنشد الأناشيد الرمضانية. في البداية، يسود الذهول وتتعالى علامات الاستفهام، لكن سرعان ما يتحوّل الاستغراب إلى تفهّم، ثم إلى إعجاب وتشجيع. ثم يبدأ الأطفال بالانضمام إلى سامية في جولتها. لم تكن بحوزتهم الطبول التقليدية، فراح كلٌّ منهم يسألها إن كان يستطيع استخدام أداة موسيقية مختلفة. وكانت سامية تبتسم وتجيب في كل مرة بثقة وفرح: «ما المانع؟». ومن عفوية الطفولة وروح المشاركة، تتشكّل فرقة موسيقية صغيرة تجوب أزقة القرية، تغنّي الأناشيد والمدائح النبوية التي يحفظها الصغار. ومع انتهاء الجولة، يخرج أهل القرية ليعبّروا عن امتنانهم، فيغمرون الأطفال بالطعام والحلوى، تقديرًا لمبادرتهم وشجاعتهم. إنها ليلة لا تغيّر فقط نظرة القرية، بل تفتح بابًا واسعًا أمام سؤال بسيط: ما المانع حقًا؟

ليست قصّة «ما المانع؟» مجرد حكاية عن طفلة يافعة تحلّ مكان والدها المريض في عمل المسحّر لليلة واحدة؛ بل هي نصٌّ يتجاوز الحدث البسيط ليطرح سؤالًا أوسع حول قدرة الفتيات على خوض أيّ مجال يجدن فيه شغفهنّ متى توافرت لهن الثقة والاستعداد والدعم. في الحوار الدافئ بين سامية ووالدها يتجلّى هذا المعنى بوضوح؛ فالأب، بدافع الحبّ والقلق، يستحضر كلّ ما قد يواجهها من مخاطر، وهي بدورها تردّ بهدوء وثقة، مطمئنةً إياه بأنّها قادرة على التصرّف. ستحمل معها كلبهم «برق» لتحتمي به من الحيوانات البرية، وستضيء طريقها بفانوس، وستهتدي بنجوم الليل إن ضلّت الدرب.

كما تلمّح القصة إلى فكرة أن التقاليد ليست جامدة، بل يمكن أن تتكيّف مع الظروف المتغيّرة دون أن تفقد روحها. فعندما انضم الأطفال إلى سامية مستخدمين أدوات موسيقية مختلفة بدل الطبلة التقليدية، لم ينتقص ذلك من قدسية المناسبة أو معناها، بل أضفى عليها روحًا جديدة نابضة بالحياة.

استخدمت تغريد قرية لفتا، التي تنحدر عائلة والدها منها، مسرحًا لأحداث القصة تكريمًا للقرية وأهلها، ولأكثر من أربعمائة قرية فلسطينية دمّرها الاحتلال الإسرائيلي عام 1948. كما أنّها محاولة من الكاتبة للحفاظ على هذه القرى حيّة في ذاكرة الأجيال القادمة.

من جلسة قراءة جماعية للأطفال في دار المنهل.

حتى اليوم، كتبت تغريد النجار ما يقارب المئة كتاب للأطفال واليافعين، تُرجم عدد كبير منها إلى الإنجليزية، والفرنسية، والصينية، والتركية، والسويدية، والدنماركية. حصلت على جوائز عديدة، وكانت عضوًا في لجان تحكيم، من بينها جائزة اتصالات. كما أطلقت مشروعًا لجمع أهازيج الأطفال التراثية، وأصدرت مجموعتين، من بينها «دغدغات موسيقية»، الذي اختاره المركز الوطني لأدب الأطفال التابع للمكتبة الوطنية الفرنسية ضمن أفضل إصدارات العالم العربي.

لكن ربما ما هو أهم من كل الجوائز، هو ذلك المشهد المتكرر في المدارس ومعارض الكتب، حيث يتحلّق الأطفال حولها، وعيونهم تتّسع مع كل جملة. يقول بلال، أحد المنظمين لقراءات قصصها في دار المنهل: «دائمًا الأطفال بيكونوا مشدودين ومسحورين بس تقرأ».

حين يُقال لتغريد إنها من أوائل كتّاب أدب الأطفال في الوطن العربي، تبتسم بتواضع. تقول إن هناك من سبقها، لكنها تقبل بأنها من أوائل من خاضوا تجربة أدب الطفل الحديث في الأردن. تصف الرحلة بأنها مغامرة احتاجت إلى عنادٍ طويل، وتضيف: «أنا عنيدة، ودايمًا بقول عنادي ساعدني بهذا الطريق الصعب». وستُعرَف تغريد النجار دائمًا بأنها الكاتبة التي تلتقط التفاصيل الصغيرة، وتحوّلها إلى قصص ملوّنة ذكية وصادقة، قصص لا تعظ الأطفال ولا تتعالَى عليهم، بل تسير إلى جانبهم خطوة بخطوة وبابتسامة.

قصص من كتابة تغريد النجار معروضة في إحدى المكتبات.
  • الهوامش

    [1] ليدي بيرد، سلسلة كتب أطفال بريطانية صادرة عن مؤسسة بينجوين راندوم هاوس، وقد ترجمت كتبها إلى مختلف اللغات، وصدرت بالعربية عن دار مكتبة لبنان ناشرون، وهي مألوفة في الغالب لمواليد الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت.

مشاركة:
\n

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤