تجار الأزمات يعمقون أزمة الغلاء في المغرب

عاد الجدل السياسي ليتصاعد حول الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار، بين رواية حكومية تربط الوضع بالتقلبات الدولية، واتهامات قوية من المعارضة، خاصة اليسار، التي ترى أن “تجار الأزمات” والمضاربات غير المشروعة تقف وراء ما يعيشه المواطنون من ضغط معيشي متزايد.
في هذا السياق، وجه حزب حزب التقدم والاشتراكية انتقادات حادة للحكومة، معتبرا أن التبريرات المقدمة لا تعكس الواقع الذي يلمسه المغاربة يوميا. وأكد الحزب أن الغلاء ليس نتيجة مباشرة للأزمات الدولية فقط، بل هو نتيجة ممارسات داخلية تشمل المضاربة، واحتكار الأسواق، ووجود تفاهمات غير مشروعة بين بعض الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يجعل الأسعار ترتفع بشكل غير مبرر.
واعتبر الحزب أن المواطن المغربي لم يعد يقتنع بخطاب “العوامل الخارجية”، خاصة وأن أسعار العديد من المواد لا تتراجع حتى عندما تنخفض تكلفتها عالميا، مما يعزز فرضية وجود اختلالات هيكلية في السوق الوطنية، تحتاج إلى تدخل حازم من الدولة لضبطها.
وفي مداخلاته البرلمانية، طرح الحزب جملة من التساؤلات التي تعكس عمق الأزمة، من بينها أسباب تأخر مشاريع استراتيجية مثل محطة الغاز بالناظور، وغياب إجراءات ملموسة لتسقيف أسعار المحروقات، أو تخفيف العبء الضريبي عنها، سواء عبر خفض الضريبة على القيمة المضافة أو الضريبة الداخلية على الاستهلاك. كما دعا إلى فرض ضرائب استثنائية على شركات المحروقات التي تحقق أرباحا كبيرة في ظل الأزمة، ومواجهة ما وصفه بالتواطؤات داخل هذا القطاع الحيوي.
كما انتقد الحزب اقتصار تدخلات الحكومة على دعم مهنيي النقل، رغم أن هذا الدعم كلف ميزانية الدولة مليارات الدراهم، دون أن ينعكس بشكل واضح على أسعار النقل أو باقي السلع، مما يطرح، حسب الحزب، تساؤلات حول نجاعة هذه السياسات ومدى وصولها إلى المواطن.
في المقابل، دافعت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، عن أداء الحكومة، مؤكدة أن المغرب استطاع تطوير مقاربة متدرجة ومرنة لمواجهة الأزمات، تقوم على مبدأ التضامن وضمان استمرارية التموين الطاقي. وأشارت إلى أن الاستراتيجية الطاقية الوطنية، التي تم إطلاقها سنة 2009، مكنت من تقليص التبعية للخارج وتعزيز الاعتماد على الطاقات المتجددة.
وأبرزت الوزيرة أن الحكومة ضاعفت الاستثمارات في هذا المجال منذ سنة 2021، في إطار رؤية تهدف إلى تحقيق السيادة الطاقية، معتبرة أن الظرفية الحالية تمثل فرصة لتسريع الانتقال نحو نموذج طاقي أكثر استدامة. غير أن هذه التطمينات لم تقنع المعارضة، التي ترى أن أثر هذه السياسات لا ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.
وبالتوازي مع هذا السجال السياسي، برزت مخاوف اجتماعية متزايدة، حيث حذر الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب من تداعيات اقتصادية خطيرة، خاصة فيما يتعلق بسوق الشغل. وأكدت هذه الهيئة النقابية أن عددا من القطاعات، سواء الفلاحية أو الصناعية أو الخدماتية، تشهد تراجعا مقلقا في مناصب الشغل، نتيجة تداخل عوامل متعددة، من بينها ارتفاع التكاليف وضعف الاستثمار والتقلبات المناخية.
وفي هذا الإطار، نبه المستشار البرلماني خالد السطي إلى أن السنوات الأخيرة سجلت فقدان عدد مهم من فرص العمل، خصوصا في صفوف الشباب والنساء، وهو ما ساهم في تفاقم البطالة والهشاشة الاجتماعية. كما أشار إلى أن العديد من المقاولات الصغرى والمتوسطة تعاني من صعوبات مالية وهيكلية دفعتها إلى تقليص نشاطها أو الإغلاق، في ظل غياب دعم كافٍ وفعال.
وطالب السطي الحكومة بالكشف عن الأرقام الحقيقية لمناصب الشغل المفقودة خلال السنوات الأخيرة، مع تحديد أسباب هذا النزيف، داعيا إلى اتخاذ إجراءات استعجالية لدعم المقاولات وتحفيز الاستثمار وخلق فرص عمل قارة، إلى جانب وضع سياسات فعالة لإدماج الشباب والنساء في سوق الشغل.
في المحصلة، يبدو أن الجدل حول الغلاء في المغرب يتجاوز مجرد اختلاف في التقدير، ليعكس صراعا بين رؤيتين: واحدة حكومية تراهن على الإصلاحات الهيكلية بعيدة المدى، وأخرى معارضة تطالب بإجراءات فورية لوقف نزيف القدرة الشرائية. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن المغربي في مواجهة يومية مع أسعار متصاعدة، في انتظار تدخل حقيقي يضع حدا لما بات يوصف بـ”اقتصاد الأزمات” الذي يصنعه المضاربون ويؤدي ثمنه الجميع.
The post تجار الأزمات يعمقون أزمة الغلاء في المغرب appeared first on أشطاري 24 | Achtari 24 - جريدة الكترونية مغربية.





