طفل واحد أم وحيد: لماذا تعزف عائلات أردنية عن إنجاب أكثر من طفل؟
قبل نحو 14 عامًا، وهي آنذاك في السادسة والثلاثين من عمرها، شعرت ربى* بأن عليها أن تحسم قرارًا مصيريًا: هل تريد أن تكون أمًا؟. «في ساعة بيولوجية فيها منبه، فجأة اشتغلت (..) يا هلأ يا أبدًا»، تقول ربى، وكان طفلها أيهم* هو الجواب.
بعد قصة حب دامت أربع سنوات، تزوجت ربى من زميلها في العمل وهي في سن الرابعة والثلاثين، وقد أخبرته حينها أنها لا تريد إنجاب الأطفال، ولم يكن هو متصلبًا في رأيه حول الإنجاب ولا اعترض على قرارها، وعاشا حياة ملؤها الخفة والأريحية. صحيحٌ أن الإنجاب لم يكن واردًا لديها في البداية، إذ رأت فيه التزامًا اجتماعيًا لم تكن واثقة من جدواه، إلا أن التساؤلات حول المستقبل وتنشئة طفل سعيد والقدرة على تلبية متطلباته الأساسية لم تغب عن ذهنها، وفي الوقت نفسه كان خيار التبني حاضرًا أيضًا في تفكيرها. وبعد عامين من التفكير قرّرت خوض تجربة الأمومة مع الشخص الذي تحب، وكان زوجها في انتظار تلك اللحظة.
خلال حملها، تحوّلت ربى إلى العمل بدوام جزئي، وعند إنجاب أيهم رفضت مساعدة عائلتها وعائلة زوجها لهما، مصرّة على أن تعيش وزوجها التجربة كاملة. وتستذكر كم كانت تجربة قاسية، خاصة أن زوجها لم يكن مهيأً للأبوة وأصيب بصدمة كبيرة في البداية، كما احتاج وقتًا للتعلم وتقديم الدعم: «[المجتمع] بنمّي ثقافة الأمومة عند الأمهات، بس ما بنمّي ثقافة الأبوة اللي هي زيها زي الأمومة، والتنين بكمّلوا بعض»، تقول ربى.
وما إن مرّ عامان على ولادة أيهم حتى بدأ من في محيطها يقترح إنجاب أخ له كي ينشآ معًا، لكن ربى وزوجها لم يكونا مستعدين لهذه الخطوة خصوصًا مع صغر عمر أيهم وعدم قدرتهما على التوفيق بين العمل والرعاية والتربية. وعند بلوغه الخامسة، وتجاوزها سن الأربعين، أشبعت ربى مشاعرها وبدأت وزوجها يتقنان الأمومة والأبوة كما تقول. وفي الوقت نفسه خالطها شعور بالذنب حيال بقاء ابنها وحيدًا، ما دفعها للتفكير بإنجاب أخ له وكأنها آخر فرصة لها في الإنجاب، لكنها كانت حائرة؛ فهل تُنجب طفلًا آخر وتكرر مع زوجها التجربة الصعبة وفق المعايير التي وضعاها حتى لا يُظلم ابنهما الجديد؟ أم أن هذا سيكون ظلمًا لها ولزوجها؟ دارت هذه الأسئلة في رأسها حتى حسم زوجها الأمر قائلًا إنه من الأفضل أن يعيش طفل واحد متمتعًا بامتيازات عديدة على أن يعيش أكثر من طفل مع امتيازات أقل، وهكذا اتفقا على الاكتفاء بطفل واحد. إلا أنها اليوم، بعدما صار أيهم في الرابعة عشر وبلغت هي الخمسين، لا تزال متشككة من ذلك القرار ولا تعلم يقينًا إن كانت ستنجب طفلًا آخر لو عاد بها الزمن.
قد تكون بعض الأسباب التي دفعت ربى وزوجها للاكتفاء بطفل واحد أسبابًا خاصةً بهما، إلا أن الرغبة في إنجاب أطفال أقل، وتحديدًا طفل واحد، تزداد باطراد رغم بقائها أقلية ضمن الصورة العامة. ففي الأردن، ارتفعت نسبة السيدات المتزوجات ممن لديهن طفل واحد ولا يرغبن بإنجاب مزيد من الأطفال، من 4.7% عام 2009 إلى 10.3% عام 2023.[1] كما انخفض معدل الإنجاب الكلي[2] للنساء في الأردن بين سنّي 15-49؛ أي متوسط عدد الأطفال الذين قد تنجبهم المرأة خلال حياتها الإنجابية، من 7.6 في ستينيات القرن الماضي إلى 2.6 عام 2023.
عالميًا انخفض معدل الإنجاب الكلي من 5 في خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى 3.3 في التسعينيات، حتى وصل إلى 2.2 عام 2024، ومن المتوقع أن ينخفض إلى 2.1 بحلول عام 2050، وإلى 1.8 عام 2100. وفي عالم الديموغرافيا يمثل الرقم 2.1 في معدلات الإنجاب مستوى الإحلال أو التعويض، أي عندما يعوض الزوجان نفسيهما بعدد مساو لهما من الأطفال، فإذا انخفض معدل الإنجاب في بلد ما عن مستوى الإحلال، فمعناه أن عدد سكان هذا البلد يتراجع، وفي الوقت الراهن يقل معدل الإنجاب الكلي لنصف دول العالم عن مستوى الإحلال. علمًا بأن الأردن لم يصل لمستوى الإحلال بعد، لكنه يتجه نحوه باطراد، رغم يفاعة المجتمع الأردني إلى حد كبير.
يُذكر أن معدل الإنجاب الكلي يتأثر بعدة عوامل من بينها الفرق بين عدد المواليد والوفيات، والفرق بين الهجرة الوافدة والخارجة. كما تشير دراسات[3] إلى أن انخفاض معدل الإنجاب الكلي يرتبط بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية، كالتعليم والبطالة والفقر والتضخم والديون والشيخوخة، بالإضافة إلى المشاركة الاقتصادية للنساء، وسياسات تنظيم الأسرة، وتأجيل سن الزواج، والكوارث البيئية وحوادث السير والحروب.
ولا تبدو هذه العوامل منفصلة عما يحدث في منطقتنا، إذ أسهم تحسن خدمات الرعاية الأولية، وإدماج برامج تنظيم الأسرة، وانخفاض معدلات وفيات الرضع والأطفال والأمهات، وزيادة استخدام موانع الحمل، في خفض معدل الإنجاب الكلي، إلى جانب التغيرات في أنماط الحياة والميل نحو الأسر الصغيرة، وتغير اتجاهات النساء نحو العمل، وتبدل التصورات حول الأمومة والأبوة والزواج وتربية الأطفال، وزيادة مستويات التعليم، وانخفاض معدلات زواج القاصرات والزواج المتعدد، فضلًا عن عوامل اقتصادية تتمثل في ارتفاع تكاليف الزواج وتربية الأطفال، ومشاكل السكن والتوظيف والتضخم.
طفلٌ واحد والأسباب متعددة
عندما كان أحمد* في الصف الأول، تحدثت والدته هند* (37 عامًا) مع معلمة الاجتماعيات قبل يوم من درسٍ عن العائلة حول صورةٍ في الكتاب تمثل عائلة من أم وأب وأخ وأخت، طالبةً منها أن توضح للطلاب أن هذه الصورة التقليدية للعائلة ليست المعيار، وأن هناك أشكالًا مختلفة من العائلات من بينها عائلة بطفل واحد، أو أطفال يعيشون مع أحد والديهم، أو مع أجدادهم أو أعمامهم، حتى يفهم ابنها هذا التنوع وأنه ليس مختلفًا في ذلك.
على عكس ربى، قررت هند وزوجها منذ البداية الاكتفاء بإنجاب أحمد (13 سنة)، وهي لا تندم على خيارها إذ كان قرارًا واعيًا ومدروسًا من قبلهما، وما زالا يدافعان عنه. وكانت هند قد تزوجت بشكل تقليدي، واتفقت مع زوجها على تأجيل الإنجاب لعامين حتى يفهم كل منهما الآخر ويتفقا على القيم والأفكار المشتركة بينهما، خاصة مع اختلاف نشأتيهما حيث قضت عمرها في الأردن بينما نشأ زوجها في السعودية. ولما قررّا الاكتفاء بطفل واحد، واجهت هند رفضًا شديدًا للقرار من قبل عائلتها وعائلة زوجها، معتبرين القرار ظلمًا لأحمد، لكنها بعد فترة اختارت التعامل مع هذه الضغوط بردود عامة مثل «الله كريم».
ترى هند أن التربية مسؤولية كبيرة من النواحي النفسية والعاطفية والاجتماعية والمادية، وقد استعدت لذلك عبر قراءة كتبٍ في التربية، والحصول على دورات مكثفة لدى مختصين، لتبني تصورًا واضحًا عن الأمومة والأبوة وفهم نفسية الطفل، وقد وضعت معايير عالية لتقدم لأحمد تربيةً نوعية تمكّنه من معرفة مسؤولياته وحقوقه حتى يصير شخصًا قادرًا على الاعتماد على نفسه دون والديه. فيما سعى زوجها إلى تأمين وضع مادي متوازن يضمن للطفل صحةً وتعليمًا جيدين، مع مستوى ترفيهي معقول.
في الرياض، حاولت هند العثور على مجموعات دعم للعائلات التي اكتفت أو تفكر بالاكتفاء بطفل واحد، حتى تكوّن مجتمعًا تتشارك فيه أفكارها مع أشخاص مشابهين، لكنها لم تجد. كما لم تعثر على محتوى كافٍ على الإنترنت حول الأطفال الوحيدين في المنطقة العربية، فأنشأت مجموعة «طفل وحيد ولكن سعيد» على فيسبوك، لتضم الآباء والأمهات ممن لديهم طفل واحد باختيارهم أو جراء مشاكل صحية في الإنجاب، كما تضم الأسر التي لم تحسم قرارها وتريد الاستفادة من المجموعة. مع الوقت، وبعد حصولها على دورات مكثفة في التربية والطفولة، غيّرت هند مسارها المهني من الهندسة إلى التدريب على تحسين جودة الحياة، مستهدفةً في محتواها على الإنترنت الأطفالَ والمراهقين.
لم ترد هند أن يشعر أحمد بالاستغراب من وجوده لوحده، فعززت منذ البداية شعوره بأنه ليس مختلفًا عن الآخرين، وكانت إجاباتها تستبق أسئلته وأفكاره التي قد تدور في ذهنه إذا ما شعر بالوحدة عند وجود أطفال آخرين مع إخوتهم، قائلة إنها لم تشعر أنه يعاني ضيقًا أو نقصًا إذا ما سُئل من قبل أقرانه عن وجود إخوة له، بل يغمره شعور بالفخر والسعادة كونه وحيدًا. كما ملأت وقته بأنشطة رياضية واجتماعية حتى لا يشعر بالعزلة، وعزّزت حسه بالمسؤولية والمشاركة من خلال تكليفه بالعديد من المهمات، حتى أصبح قادرًا على تدبير شؤونه بنفسه والسفر أحيانًا لوحده منذ كان في الحادية عشر.
تعتقد هند، بناء على ملاحظاتها من مجموعة الفيسبوك، أن أغلب الأطفال الذين يشعرون بالوحدة أو السخط من كونهم أطفالًا وحيدين يعكسون في الواقع مشاعر أهلهم، فسواءً اختار الأهل هذا الخيار ثم ندموا عليه أو حالت ظروف صحية دون إنجابهم فإنهم ينقلون مشاعر الذنب والندم لأبنائهم بطريقة غير واعية، ما يضخّم إحساسهم بالوحدة وعدم الرضا. لذلك تدعو الآباء والأمهات إلى الحوار الصادق والدائم مع الأبناء، واستثمار الوقت معهم نوعيًا، حتى لا تُترك مشاعرهم دون فهم ولا تتشكل لديهم صدمات عميقة.
عمومًا، قد يحضر العامل المادي لدى الكثير من الأسر المكتفية بطفل واحد، لكن وزنه يتفاوت بينها، فقد تطغى الحاجة المادية على الرغبة أحيانًا. هذا ما حصل مع سندس* (28 عامًا) عندما قررت وزوجها إنجاب ورد* (خمسة أعوام) ولم تسمح الظروف بإنجاب طفل آخر بعد: «بوضع البلد عنا والمصاريف الكتيرة [الأفضل] أجيب ولد ونقدر نعيّشه عيشة كريمة ويطلع صالح».
تعمل سندس أمينة صندوق في أحد المحلات التجارية، وقد تزوجت في الثانية والعشرين من زوجها العراقي الذي يعمل في الأردن موظف مبيعات، وهما يتقاضيان الحد الأدنى للأجور ويسكنان بالإيجار. تعمل هي ثماني ساعات يوميًا وزوجها 12 ساعة، وترى أن الرجل في ظل الوضع الاقتصادي الراهن لم يعد قادرًا وحده على إعالة الأسرة، ما يفرض الاعتماد على دخلين لتلبية الاحتياجات. وبعد حساب المصاريف من إيجار وفواتير وطعام واقتطاعات الضمان الاجتماعي لا يتبقى لهما شيء، وأحيانًا ما يحاولان الاستدانة من الأقارب دون جدوى، إذ يعيشون الظروف المادية الصعبة نفسها.
تود سندس إنجاب طفل آخر، لكنها تصطدم بواقع اقتصادي صعب: «كل سنة بنحكي يلا السنة الجاي بتكون الأمور تمام … بتيجي السنة الجاي والمسؤوليات بتكتر». ترغب بأن يكون لابنها أخ أو أخت، وأن يكون لزوجها «عزوة»، لكن تكاليف الحياة ومتطلباتها تحول دون ذلك، ما يجعل تركيزهما على الأولويات فقط: «أي خطوة في هاي البلد بدك تدفعي» تقول سندس. ورغم هذه الظروف، وضعت ابنها في مدرسة خاصة لمرحلة رياض الأطفال لاعتقادها بأن مستويات العنف في المدارس الحكومية أعلى، وتأمل الاستمرار بذلك مستقبلًا.
طفل «واحد» أم «وحيد»؟
لا يبدو قرار إنجاب طفلٍ واحدٍ سهلًا في ظل صورة نمطية تربطه بالوحدة وصعوبة الاندماج والأنانية أو الدلال. وتعود هذه الصورة إلى أواخر القرن التاسع عشر ضمن تحولات فكرية آنذاك في دراسات الطفولة وعلم النفس[4] وصفت الطفل الوحيد بأنه «مفرط الدلال»[5] عبر تحويل انطباعات الوالدين إلى ادعاءات تبدو علمية. ثم تضخّمت هذه المزاعم لاحقًا مع تصوير الانحراف عن نموذج الأسرة متعددة الأطفال كحالة «مرَضيّة»[6] وأن الطفل الوحيد «ناقص بطبيعته».
لكن دراسات مراجعة أجريت أواسط ثمانينات القرن الماضي دحضت هذه الصورة،[7] حيث تبيّن أن الأطفال الوحيدين لا يختلفون عن غيرهم، بل قد يحققون أداءً مماثلًا أو أفضل أحيانًا في التحصيل الدراسي والمهارات الاجتماعية والتكيّف النفسي، مستفيدين من تركّز اهتمام الوالدين ومواردهم.[8] ويرى مؤرخون أن هذه الصورة النمطية تعكس مخاوف مرتبطة بالتحديث آنذاك في أوروبا والولايات المتحدة، مثل انخفاض المواليد وظهور الأسرة النووية والقلق من إفراط الوالدين من الطبقة المتوسطة في الاهتمام بالأطفال،[9] ما يجعل صورة الطفل الوحيد المدلل تُفهم كبنية تاريخية اكتسبت مصداقيتها عبر الخطاب النفسي المبكر واستمرت عبر التكرار الثقافي، وليس كحقيقة مثبتة تجريبيًا.[10]
من جهتها، ترى ربى أن للاكتفاء بطفل واحد إيجابيات وسلبيات، فالعلاقة مع ابنها أيهم قوية بفعل الوقت النوعي الذي يقضيانه والاهتمام الدائم به، ومعرفتها الدقيقة بتفكيره وأسراره. وتشعر أن هذه العلاقة ما كانت لتكون لو أن لديها أطفالًا آخرين، فهي بالنسبة له أمٌ وأختٌ، ووالده أبٌ وأخٌ. لكنها في المقابل تشعر أنه ليس سعيدًا ويعاني من الوحدة، خصوصًا مع غياب أقارب في سنّه وتبدّل أصدقائه بسبب تنقّله بين عدة مدارس، ما يجعلها تعتقد بأنه الطرف الأضعف في علاقات الصداقة ويبذل جهدًا إضافية في الحفاظ عليها.
وفي محاولة لتعويض غياب الأخوة، غالبًا ما يندمج أيهم مع أقران وحيدين مثله، فيما تحرص ربى وزوجها على تعزيز هذه الصداقات عبر الانخراط في أنشطة اجتماعية وترفيهية مع أهالي أصدقائه هؤلاء لبناء شبكة اجتماعية تقلل شعورهم بالوحدة.
يُذكر أن بعض الدراسات تشير إلى أن الوحدة ليست سمة متأصلة في الأطفال الوحيدين، بل يتولد شعورهم بالعزلة بسبب قضاء الوقت وحدهم لا أكثر، وهم لا يسجلون بالضرورة مستويات أعلى منها، كما تتأثر تقديرات الشعور بالوحدة لديهم بحسب من يراقبهم، فقد يرى المعلمون في رياض الأطفال أن الأطفال الوحيدين يتمتعون بمهارات اجتماعية أقل، فيما يرى الأهالي عكس ذلك، مع التأكيد على أن مهاراتهم الاجتماعية تنضج في مرحلة الدراسة والاندماج مع أطفال آخرين.
من جانب آخر، فإن ما يحظى به الأطفال الوحيدون من فرصٍ أكثر للتحدث مع والديهم يُثري مفرداتهم مبكرًا، ويعزز تفوقهم الدراسي خصوصًا في القراءة والرياضيات، كما أن احتكاكهم بالكبار ينعكس إيجابًا على نموهم المعرفي. وقد خلصت دراسات صينية حديثة[11] أن النشوء دون إخوة لا يؤدي بالضرورة لآثار سلبية في الشخصية أو الصحة النفسية، بل يمتلك هؤلاء أحيانًا فروقًا في بنية الدماغ ووظائفه مثل قوةٍ في مناطق اللغة وكفاءة الأداء، دون تأثير سلبي على القدرات العقلية أو التوازن النفسي، فضلًا عن ارتباط إيجابي بالأداء المعرفي والصحة النفسية. مع التأكيد على أن هذه الفروق لا تعود لغياب الأخوة بحد ذاته، إنما إلى عوامل بيئية قابلة للتغيير مثل الدعم الأسري ونوعية الرعاية والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ما يبرز دور البيئة التربوية في نمو الفرد، لا عدد الأخوة فقط.
كما وُجد[12] أن استثمار الأسرة في طفل واحد وحصوله على قدرٍ أكبر من توجيه سلوكه الاجتماعي يعزز سلوكيات إيجابية كالتعاون والإيثار، خلافًا للصورة النمطية عن «أنانيته». مع ذلك، فقد أشارت دراسة صينية سابقة[13] إلى نتائج مختلفة، حيث قد يُظهر بعض الأطفال الوحيدين مستويات أقل من الثقة والتعاون، وميلًا أكبر للحذر وتجنب المخاطر، وارتفاعًا نسبيًا في القلق والتشاؤم، فيما يُعزى ذلك إلى غياب التفاعل اليومي مع الإخوة وما يتيحه من تعلم المشاركة والتفاوض، وإلى التركيز الأبوي المكثف الذي يجعل الطفل محور الاستثمار العائلي وتوقعاتها.
من جانبها، لا ترى سندس إيجابياتٍ في بقاء طفلها وحيدًا، وتتمنى أن يكون له أخوة يعاونون بعضهم ويساندون زوجها مستقبلًا. وهي تلاحظ على ابنها خجلًا اجتماعيًا بسبب محدودية احتكاكه بأقارب في سنّه، لكنها تحاول تعويض ذلك بعد انتهاء عملها بقضاء وقتٍ نوعي في الحديث واللعب معه، مع الحفاظ على شيء من الحزم في العلاقة معه حتى لا يكون ابنها الأوحد «دلوع» كما تقول. وقد حاولت الضغط عليه دراسيًا في الروضة إلى أن أيقنت أن ذلك قد ينفّره، فاتجهت إلى الموازنة بين اللعب والدراسة.
أما ربى وهند فتتفقان أن للاكتفاء بطفل واحد العديد من المزايا للأطفال، مثل القدرة على توفير تعليم جيد وأنشطة لامنهجية تتطلب نفقات إضافية كالرياضة والمخيمات الصيفية والشتوية. وهنّ لا تبنيان توقعات على ابنيهما لتقديم المساعدة لهنّ عند وصولهن سن الشيخوخة، بل تحاولان تعزيز استقلالهنّ عن الأبناء وجعلهم أكثر اعتمادًا على أنفسهم. وتنتظر كل من ربى وهند انتهاء المرحلة الدراسية حتى تجدا الوقت لخططهن الخاصة وهواياتهن المؤجلة، حيث تفكر ربى في الدراسة أو تغيير مهنتها أو الهجرة، بينما تخطط هند لتطوير عملها كمدربة حياة والسفر وخوض تجارب جديدة.
-
الهوامش
* أسماء الأمهات والأطفال مستعارة حفاظًا على الخصوصية.
[1] بحسب مسح السكان والصحة الأسرية للأعوام 2009، و2012، و2018، و2023.
[2] معدل الإنجاب الكلي (Total Fertility Rate) هو مؤشر ديموغرافي يمثل متوسط عدد الأطفال الذين قد تنجبهم المرأة خلال حياتها الإنجابية من 15 إلى 49 سنة. ويُستخدم لقياس مستوى الخصوبة في المجتمع ويُعبر عنه بعدد المواليد لكل امرأة، وهو أداة مهمة لفهم نمو السكان وتخطيط السياسات السكانية.
[3] Borzoiepour et al, Identify Affecting Factors on Total Fertility Rate: A Systematic Review, Health Scope. 2024 August; 13(3): e139351.
[4] لا سيما من خلال أعمال جي. ستانلي هول وإي. دبليو. بوهانون.
[5] Bohannon, E. W., A Study of Peculiar and Exceptional Children, The Pedagogical Seminary, 1896, 4:1, 3-60.
[6] Hall, G. Stanley, cited in Fenton, N. The only child. The Pedagogical Seminary and Journal of Genetic Psychology, 1928, 35, 546–556.
[7] تحديدًا عام 1986 حيث قامت توني فالبو ودينس بوليت بدحض هذه الصورة النمطية عبر دراسات مراجعة واسعة.
[8] Toni Falbo and Denise F. Polit, Quantitative Review of the Only Child Literature: Research Evidence and Theory Development, Psychological Bulletin, 1986, Vol. 100, No. 2, 176-189.
[9] بالإضافة إلى افتراضات ثقافية سائدة آنذاك في أوروبا والولايات المتحدة حول بنية الأسرة والتنشئة الاجتماعية.
[10] Violett, Alice, The Public Perceptions and Personal Experiences of Only Children Growing up in Britain c. 1850-1950, PhD thesis, 2018, University of Essex.
[11] Jie Tang et al, How growing up without siblings affects the adult brain and behaviour in the CHIMGEN cohort, Nature Human Behaviour, Volume 9, May 2025, 1005 – 1022.
[12] Li, Y., Li, Y., Chen, G. et al. Being an only child and children’s prosocial behaviors: evidence from rural China and the role of parenting styles. 2024, Humanit Soc Sci Commun 11, 551.
[13] Cameron L, Erkal N, Gangadharan L, Meng X، Little emperors: behavioral impacts of China’s One-Child Policy. 2013, Science 339 (6122):953–957.





