تفكيك خلية طنجة-مايوركا.. عندما تفرض ضريبة النجاح يقظة أمنية استباقية مضاعفة
تضع العملية الأمنية المشتركة، التي أسفرت أخيرا عن تفكيك خلية موالية لتنظيم “الدولة الإسلامية”، مدينة طنجة من جديد في قلب معادلة الرصد الأمني الإقليمي.
وأسفر هذا التنسيق الميداني بين المكتب المركزي للأبحاث القضائية والمفوضية العامة للاستعلامات بالشرطة الوطنية الإسبانية، عن توقيف عنصرين في عاصمة البوغاز، تزامنا مع الإطاحة بمشتبه فيه ثالث في مدينة مايوركا الإسبانية.
لكن دلالات هذا التدخل تتجاوز لغة البلاغات الرسمية، لتعيد طرح طبيعة التموقع الجيوسياسي لمدينة تقف على خط التماس المباشر مع التهديدات العابرة للحدود.
وتشهد طنجة إيقاعا يوميا يطبعه التدفق الكثيف؛ حيث تعبر آلاف الشاحنات للتجارة الدولية، وتتحرك العبارات بلا توقف لربط الضفتين، وسط حركية بشرية واقتصادية هائلة عبر ميناء طنجة المتوسط والمنافذ الحدودية المتعددة.
ويجعل هذا المعطى الميداني المدينة، بحكم جغرافيتها المنفتحة، غير قابلة للمقاربة بمنطق أمني محلي صرف ومغلق. فالأمر لا يتعلق بنقطة حضرية معزولة، بل بمجال حيوي شديد الحساسية يربط بين القارتين الإفريقية والأوروبية، ما يفرض على الأجهزة الأمنية يقظة مضاعفة ومستمرة تواكب هذا التدفق الذي لا يهدأ.
بوابة تحت المراقبة
ويمنح البعد الجغرافي والاقتصادي للعمليات الأمنية في طنجة أبعادا تتجاوز التوقيفات الميدانية المباشرة.
فتنفيذ مداهمات في أحياء المدينة، بالتزامن مع تحرك أمني موازٍ في الأرخبيل الإسباني، يثبت بشكل ملموس انخراط طنجة في مجال استخباراتي مشترك بين الرباط ومدريد.
وتبرز المدينة في هذه الحسابات الدولية كعقدة ربط استراتيجية، تفصلها كيلومترات معدودة عن السواحل الأوروبية، وتصلها طرق برية ممتدة تتوغل في العمق الإفريقي.
وبالنسبة لسكان طنجة، لا تشكل هذه الدينامية الأمنية معطى مفاجئا أو غريبا عن يوميات شوارعهم. فالمدينة التي اعتادت إيقاع الحركة السريعة والعبور الدولي، تدرك أن هذا الموقع اللوجستي يحمل معه فاتورة أمنية تتمثل في تحولها إلى واجهة أمامية للتصدي لشبكات التهريب والتنظيمات المتطرفة.
لذلك، لا يُقرأ ورود اسم طنجة في لوائح تفكيك الخلايا كوصم للمدينة، بل كانعكاس طبيعي لجاذبية موقعها الذي تضعه التنظيمات الممنوعة ضمن أهدافها الاستراتيجية للعبور أو التمركز.
وتظهر المعطيات المستخلصة من العمليات الأخيرة تغيرا في التكتيكات الإرهابية، التي تخلت عن التنظيمات الهيكلية الضخمة لصالح خلايا محدودة العدد، تستغل الروابط اللوجستية وتتحرك بمرونة بين ضفتي المتوسط.
وفي هذا السياق الدقيق، تتضاعف حساسية طنجة، إذ يشكل اعتراض هذه العناصر وتتبع مساراتها المعقدة داخل نسيج حضري متسع، تحديا بالغ الإلحاح لحماية الأمن العام الوطني والإقليمي.
حساسية بلا تهويل
وعلى الأرض، تتجلى مفارقة واضحة تفرض قراءة موضوعية للواقع الميداني؛ فرغم الحساسية الأمنية للموقع، تواصل طنجة ترسيخ هويتها كقطب اقتصادي وصناعي صاعد.
فالمدينة اليوم حاضنة لأكبر مجمع مينائي في إفريقيا والمتوسط، ومركز لمناطق صناعية حرة تستقطب استثمارات عالمية كبرى. وهذه المكانة المتقدمة لا تتناقض إطلاقا مع تسجيل تدخلات أمنية استباقية دورية، بل على العكس، تبررها وتجعلها ضرورة حتمية. فكلما توسعت البنية التحتية للمدينة، زادت الحاجة المؤسساتية إلى حماية هذا المكتسب الاقتصادي وتأمين سلاسل التوريد ضد أي اختراق محتمل.
وتعكس المقاربة العملياتية للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني إدراكا دقيقا لهذه التحولات. فالامتداد العمراني المتسارع لطنجة، والكثافة السكانية المتزايدة في أطرافها، يفرزان مجالات قد تستغلها العناصر المتشددة للتواري عن الأنظار والتخطيط بعيدا عن الرصد الكلاسيكي.
ومن هنا، يبرز التنسيق الفوري والمستمر مع الأجهزة الاستخباراتية الإسبانية كآلية وقائية حاسمة، تهدف إلى إجهاض المخططات في مهدها، وضمان استقرار الدورة الاقتصادية وحرية الملاحة في أحد أهم الممرات المائية عالميا.
وفي المحصلة، لا تعد العملية المشتركة الأخيرة حدثا استثنائيا يستدعي القلق، بل هي تكريس لمنطق أمني يواكب اليقظة الاستراتيجية للمملكة.
فالموقع الجغرافي الذي يمنح طنجة قوتها التنافسية وإشعاعها الدولي، هو ذاته العامل الذي يضعها في صدارة المدن المعنية بالمراقبة الدائمة. إنها الضريبة الطبيعية لمدينة اختارت الانفتاح الكامل، مما يلزم أجهزتها الساهرة بالحفاظ على أعلى درجات التأهب لضمان بقاء أبواب العبور آمنة ومحصنة.
ظهرت المقالة تفكيك خلية طنجة-مايوركا.. عندما تفرض ضريبة النجاح يقظة أمنية استباقية مضاعفة أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.





