تفكيك المخيم: الهندسة الاستعمارية في مخيمات شمال الضفة
انفجارات تسمع في المدينة، عدة سحب دخانية تتعالى في وقت واحد: «فجّروا المخيم». يراقب النازحون من مخيم جنين بأسى الانفجارات المنبعثة، ولا يعلمون مَن منهم فقد منزله دون نظرة وداع. وفي مشهد مماثل في مدينة طولكرم، يقف الأهالي على تلّة تشرف على مخيم نور شمس، ومن هناك يرون جرافات الاحتلال وهي تحوّل شقاء العمر إلى ركام.
أكثر من سنة مرّت على العملية العسكرية التي أطلقها جيش الاحتلال الإسرائيلي، والتي أسماها «السور الحديدي»، وشملت مدن شمال الضفة الغربية خاصة جنين وطولكرم، واستهدفت أساسًا المخيمات الثلاث: جنين ونور شمس وطولكرم.
تأتي هذه العملية ضمن سياسة قمع جديدة يتخذها الاحتلال في الضفة الغربية مختلفة عن السياسة السابقة المعروفة باسم «جز العشب» والتي كان يسعى من خلالها إلى إدارة المخاطر الأمنية المباشرة بتفكيك خلايا المقاومة والتصفية الجسدية للمقاومين خلال اقتحامات عسكرية محدودة كالتي حصلت في جنين ونابلس ومناطق أخرى قبل معركة طوفان الأقصى.
لكن، وبعد السابع من أكتوبر، عملت دولة الاحتلال على تغيير عقيدتها الأمنية باستعادة مبدأ «الحسم» من خلال التخلي عن فكرة التعايش مع التهديدات الأمنية واقتلاع الجذور بدلًا من جز العشب، من خلال التخلص من التهديدات قبل نشوئها وخلق ظروف تمنع تشكل أي ظواهر للمقاومة. وتمثلت هذه السياسة على أرض الواقع بالضفة الغربية بتصعيد تدريجي لاستخدام القوة المفرطة والعقاب الجماعي بالتوازي مع حرب الإبادة والتدمير الشامل لقطاع غزة.
يظهر أثر هذه السياسات جليًا في مشاهد الدمار في المخيمات التي يعمل الاحتلال على إعادة تشكيلها ديموغرافيًا وعمرانيًا بما يخدم أهدافًا أمنية على المدى القريب، كما يسعى لتحقيق هدف استراتيجي يتمثل بإلغاء المخيمات وسحب صفة اللجوء عن سكانها، بما يتماشى مع أهداف حكومة اليمين المتطرف بضم الضفة الغربية وحسم الصراع فيها.
ميراث الاستعمار: الهدم وسيلة للقمع
لطالما شكّلت طبيعة العمران في المدن المُستعَمرة تحديًا للمستعمِر، ففي المدن القديمة تُشكل الطرق الضيقة والأبنية المتلاصقة عامل قوة للمُدافِع، وتخلق بيئة مساعدة في عمليات التمرد.
قبل أن تتبلور سياسات الهدم التي انتهجها الاحتلال الصهيوني لاحقًا، كانت فلسطين قد خضعت بالفعل لتجربة مبكرة من هذا النوع خلال فترة الانتداب البريطاني. ففي خضم الثورة الفلسطينية الكبرى 1936، استخدمت سلطات الانتداب سياسة هدم المنازل كأداة مركزية للسيطرة الاستعمارية، مستخدمة إياها كعقاب جماعي لسكان القرى الفلسطينية التي تشارك في عمليات المقاومة أو تؤوي المقاتلين. كما استخدمتها وسيلةً لإعادة تشكيل الفضاء العمراني بما يخدم متطلبات السلطة العسكرية والأمنية.

لم تكن عمليات الهدم هذه تتم بطريقة عشوائية، بل على العكس، عملت كسياسة مقصودة ومرتبة هدفت إلى تخويف الفلسطينيين، وكسر حاضنتهم الشعبية، وتحويل المكان والعمران من قلعة للمقاومة إلى أداة استعمارية.
يظهر هذا النهج جليًا في عملية «المرساة» التي نفذتها القوات البريطانية في مدينة يافا في حزيران 1936، حين دمرت عشرات المنازل في محيط البلدة القديمة في يافا، لترسم خريطة طرق جديدة على شكل مرساة تحيط بالبلدة القديمة ليافا. فقد رأى العقل الاستعماري البريطاني في المدينة القديمة وسكانها الثائرين خطرًا على وجوده في المنطقة، فكانت المدينة على تلة مُطلّة على الميناء ومُشرِفة على المقرّات البريطانية في الأحياء الجديدة وشكلت أزقتها الضيقة وطرقها التي تشبه المتاهة مكانًا مناسبًا لتحصن الثوار يعطيهم القدرة على الانسحاب والمناورة.
بدأت القوات البريطانية عمليتها بتمهيد ناري على المنازل والاشتباك بالأسلحة والقنابل مع الثوار لدفعهم للانسحاب إلى مخابئهم الداخلية في البلدة القديمة، ومن ثم إجبار شخصيات من المدينة وأصحاب المحلات على التعاون مع السلطات في التفتيش والتطهير، تلا ذلك إلقاء الطائرات العسكرية بيانات تنذر السكان بضرورة إخلاء منازلهم لتسهيل عملية الهدم التي وصفها الاحتلال أنها تهدف إلى «تطوير البلدة القديمة».
شقت قوات الاحتلال طريقًا في البلدة من الشرق إلى الغرب بشكل مستقيم، وطريقًا آخر من الشمال إلى الجنوب بشكل منحنٍ، لتنتهي العملية بتدمير 200 منزل تقريبًا من المدينة الضاربة في القدم وتشريد مئات العائلات الفلسطينية.
لم تكن يافا الضحية الوحيدة لهذه السياسة. فلاحقًا كررت السلطات الانتدابية استخدامها في جنين عام 1938 بعد اغتيال الثوار المسؤول البريطاني في المدينة «والتر موفات»، كنوع من أنواع العقاب الجماعي، متذرعة بتخطيط جديد للشوارع.
ومن الأمثلة كذلك ما حصل لحي التنك في حيفا، والذي دُمّر بالكامل عام 1939، بحجة تحسين شكل المدينة وإزالة «الأبنية العشوائية»، في تأكيد إضافي على أن التخطيط العمراني الجديد كان في جوهره امتدادًا للأدوات القمعية البريطانية.

أبعد من العقاب الجماعي
استمرارًا للنهج البريطاني، رسخ الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضتين، وما بعدهما، سياسة هدم المنازل كمشهد مألوف، وعلامة ثابتة في إدارة سياسة العقاب.
خلال تلك الفترات، تنوعت أسباب الهدم بين استهداف منازل عائلات المقاومين كعقاب فردي، وفرض العقاب الجماعي على سكان قرية بأكملها أو حي بأكمله، وصولًا إلى استخدام حجة البناء دون ترخيص لتدمير القرى والتجمعات البدوية الفلسطينية وتفريغها من السكان.
من صور التدمير العقابي ما جرى في مخيم جنين خلال عملية «السور الواقي» 2002 إبان الانتفاضة الثانية حيث حوصر السكان والمقاومون في المخيم تحت نيران المروحيات والدبابات. استمر الاجتياح عشرة أيام ارتقى فيه أكثر من خمسون شهيدًا، ودمرت الجرافات والدبابات حوالي 140 منزلًا بشكل كامل أكثرها في حارة الحواشين التي سويت بالأرض، فيما تضرر 200 منزلٍ بشكل جزئي.
بعد الانتفاضة، بنيت منازل المخيم من جديد، واستلمت الأونروا والهلال الأحمر الإماراتي إعادة بناء المخيم. لم تكن عملية إعادة البناء هذه مجرد ترميم لما دُمّر، بل حملت معها توسعة في الطرق، وتباعدًا في البنايات عن بعضها، وتوسعة للمخيم نفسه بشراء أرض جديدة ملاصقة له، حسب تقرير للأونروا وقتها.
أسهمَ الشكل الجديد للمخيم في إضعاف الخصائص العمرانية فيه، ولا سيما الأزقة الضيقة، ما يسهّل حركة المركبات العسكرية الإسرائيلية داخله، ويجعل عمليات الاقتحام والتطويق أكثر سرعة وفعالية من ذي قبل. ومع اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر تصاعدت الاقتحامات الإسرائيلية لمدن شمال الضفة الغربية، خصوصًا مخيم جنين ومخيمي طولكرم ونور شمس في مدينة طولكرم، حيث شكلت المخيمات الثلاث معقلًا لتشكيلات المقاومة في الضفة.
وفي إطار سياسة العقاب الجماعي والضغط على الأهالي، شرعت قوات الاحتلال في تخريب الطرق واستهداف البنية التحتية في المخيمات بشكل ممنهج، مثل تدمير شبكات المياه والكهرباء فيها، حتى وصل الأمر لاحقًا إلى القصف بالطائرات الحربية كما حدث في مجزرة مخيم طولكرم في أكتوبر 2024.
سعى الاحتلال إلى خلق مشهدية خراب مُصغّرة عما يقوم به من إبادة في قطاع غزة، في محاولة لعقاب لسكان المخيمات على احتضانهم لأبنائهم المقاومين، وتوجيه رسالة ردع لباقي مناطق الضفة ومخيماتها، وبلغت ذروة هذه العمليات خلال صيف 2024، حينما أطلقت عملية «المخيمات الصيفية».
في بداية عام 2025، وبالتزامن مع دخول الهدنة في قطاع غزة حيز التنفيذ، أعلن جيش الاحتلال انطلاق عملية «السور الحديدي» على مدن شمال الضفة الغربية. قدّم الاحتلال العملية باعتبارها حلًا جذريًا لحالة المقاومة في المخيمات، فبحسب موقع جيش الاحتلال كان الهدف من العملية هو إعادة تشكيل ملامح المنطقة من الناحية العملياتية لمنع الإرهاب، ويصف بيان جيش الاحتلال أهداف جريمته بوضوح:
«تقوم وحدات الهندسة القتالية بعمليات إعادة تشكيل ملامح المنطقة في بؤر الإرهاب من خلال شق محاور، وهدم مبانٍ، وتطوير بنى تحتية عملياتية جديدة. هذه العمليات تخلق حرية التحرك والعمل التي تسمح بإحباط العمليات الإرهابية، إن التأثير طويل الأمد واضح إذ تم تفكيك مخيمات كانت قد تحوّلت إلى قلاع بشكل منظّم، لتصبح مناطق مفتوحة وسهلة الوصول تقع تحت سيطرة عملياتية لجيش الدفاع، ما يتيح حرية تحرك مطلقة لإحباط الإرهاب».
شملت العملية مدن جنين وطولكرم وطوباس، حيث بدأ الهجوم في كانون الثاني 2025 على مخيم جنين أول معاقل المقاومة وأهمها، ثم تلاه بأيام اقتحام مخيم طولكرم، وفي شهر شباط وسّعت قوات الاحتلال عمليتها لتشمل مخيم نور شمس أيضًا.
ليس صدفة أن اسم العملية يشابه اسم عملية حرب التهجير والإبادة على غزة «السيوف الحديدية»، كما تستحضر كلمة «السور» في الوقت ذاته ذاكرة الاجتياح الكبير في الضفة خلال الانتفاضة الثانية التي سميت «السور الواقي». رافق هذه العملية تهجير قسري كاملٌ من المخيمات الثلاث، في أكبر موجة نزوح تشهدها الضفة الغربية منذ احتلالها عام 1967، ولم يقتصر التهجير على سكان المخيمات فقط، بل انتقل ليشمل أحياء مجاورة لها، في حين حوّلت قوات الاحتلال عشرات المباني السكنية إلى ثكنات عسكرية، وأطلقت يد الجنود في التخريب والسرقة داخل المنازل.
مع تراجع حدة الاشتباكات، إثر ارتقاء عدد من المقاومين على أرض مخيماتهم، وانسحاب من نجا منهم من المخيمات، فُرغ المخيم من سكانه، لتبدأ جريمة جديدة هي عمليات الهدم الممنهج.
على مدار عام كامل من العملية العسكرية، أعلن الاحتلال مرارًا عن مخططات لهدم مبانٍ سكنية ومحلات تجارية داخل المخيمات، آخرها تدمير 25 مبنى سكنيًا في مخيم نور شمس في نهاية كانون الأول الماضي. كما سبق للجيش الإعلان عن هدم 24 منزلًا في تشرين الثاني الماضي بمخيم جنين. وقد تعمد الاحتلال توزيع عمليات الهدم زمنيًا، في سياق حرب نفسية مدروسة، تهدف لإبقاء الأهالي في حالة تهديد وترقب دائمين.
وبحسب تصريحات لجان محلية وتقارير أممية تجاوز عدد المباني المدمرة الألف مبنى، ما يعني آلاف الوحدات السكنية فأغلب المباني في المخيمات تتكون من عدة طوابق يسكنها عدد من الأسر. وتظهر صور الأقمار الصناعية بحسب تقرير للأمم المتحدة في تشرين الثاني 2025 أن 52% من مخيم جنين تعرّض للدمار، و48% من مخيم نور شمس، و36% من مخيم طولكرم، وتشمل هذه النسب المباني المتضررة بشكل جزئي والمدمرة بالكامل مع صعوبة الحصر الدقيق للأضرار في ظل استمرار العملية وتعذر المسح الميداني.
شرع الاحتلال في تعبيد الطرق داخل المخيمات لترسيخ الواقع الجديد، وللتأكيد على أنه لن يسمح في إعادة بناء المنازل مرة أخرى، ما يعني عمليًا دفع النازحين الذين دُمرت منازلهم إلى الاستقرار خارج المخيم في بيئة اجتماعية غير تلك التي اعتادوا عليها، في محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، بكسر الرابط بين الإنسان والمكان.
تفكيك المخيم شرط للانسحاب
أعلنت وسائل إعلام عبرية عن خمسة شروط وضعتها حكومة الاحتلال للانسحاب والسماح بعودة السكان، في خطوة تعكس انتقال الاحتلال من مرحلة الهدم المادي إلى إعادة صياغة جغرافيا المخيم بوصفه فكرة وهوية.
أول هذه الشروط وأهمها شطب صفة «لاجئ» من تعريف سكان المخيمات، ومنع المنظمات الدولية والأونروا من تقديم الخدمات لسكان المخيمات، على أن تتولاها السلطة الفلسطينية، كذلك لا يعود السكان إلا بعد انتهاء جيش الاحتلال من «هندسة المنطقة»، بالإضافة إلى ذلك، تكون أي عملية شق طرق جديدة بالتنسيق مع الاحتلال، كما تضمنت الشروط نشر حواجز ومقرات للسلطة الفلسطينية في المخيمات، وإنشاء شبكة مياه وكهرباء جديدة تحت الأرض.
إن شرط شطب صفة «لاجئ» يعني تفكيكًا فعليًا للمخيمات يحمل في طياته أبعادًا سياسيةً تتعلق بمحاولة الاحتلال إنهاء حق العودة، من خلال عملية مركبة من سياسات الهندسة الاستعمارية والتغيير الديموغرافي والعمراني. يزيد من خطورة هذا التوجه، أن نجاحه يعني فتح الباب أمام تعميمه في باقي مخيمات الضفة الغربية، ما يعني أيضًا إغلاق ملف اللجوء بالقوة والوقائع المفروضة على الأرض.
وكانت دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير قد أعلنت سابقًا رفضها لشرط يتعلق بمنع النشاطات السياسية بالمخيمات، أو إجراء مسح أمني للسكان قبل السماح لهم بالعودة.
وبين هذه الشروط والتفاوض عليها يبقى اللاجئون النازحون من المخيمات تائهين بين خيارات مرة؛ فإما البقاء خارج منازلهم وتحمل المزيد من الأعباء الاقتصادية لذلك أو العودة لمن لم تدمر منازلهم بأسلوب حياة جديد والأهم دون صفة «لاجئ».






