تفاؤل حذر في موسكو لآفاق التسوية بين ايران وامريكا
د. فالح الحمـراني
اتفقت الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين. ورغم أن النزاع لم يُحسم نهائيا بعد، وأن اتفاقيات وقف إطلاق النار قد تكون مؤقتة، إلا أنه من الممكن التنبؤ بالاتجاهات التي يُرجح أن تتصاعد في المستقبل القريب بالنسبة لدول المنطقة.
وتنظر الدوائر الرسمية ومراكز خبراء تحليلات السياسة الخارجية في موسكو بتفاؤل حذر الى مستقبل الهدنة المعلنة. وترى وزارة الخارجية الروسية ان هناك من يعمل على تقويض المباحثات ووضع العراقيل في طريقها لاجهاض عملية المباحثات. كما تقوم بعض الأطراف بالتظليل على الأسباب الأولية للهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على ايران بالقاء التهم على طهران.
وتذهب بعض القراءات الى انه ورغم اعلان الهدنة فإن التاقضات بين ايران والولايات المتحدة وحليفها الاسترتيجي إسرائيل لم تختفِ ولن تختفي. فالولايات المتحدة لن تسمح لإيران أبدًا بأن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، أو أن تقطع شريان النفط الرئيسي في العالم بضغطة زر. وستبذل إسرائيل قصارى جهدها لمنع إيران من التعافي إلى مستوى يُمكّنها من تشكيل تهديد حقيقي. ولن تتلقى إيران ضمانات أمنية من أي جهة، ولن توافق على نزع سلاحها والتخلي عن برنامجها النووي. وعلى هذا النحو فقصة "الهدنة" هذه، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، ليست سوى وقفة مؤقتة، ولا بد أن يكون هناك فصل ثانٍ وثالث ومئة من هذه المسرحية، حيث سيكرر البطل مرارًا وتكرارًا: "ب نفط برنت أم الأورال، هذا هو السؤال!»
كما تركز بعض الدراسات على تداعيات الحرب الثلاثية على الخارطة السياسية لمنطقة الخليج والدول الواقعة فيها. ومن بين التوقعات المتداولة : أن دول الخليج العربية ستجسد عمليا رغبتها في تنويع تعاونها العسكري. ومن المرجح أن تُولى اهتماماً خاصاً لدول الشرق الأوسط وجنوب آسيا نظرالأن التعاون مع روسيا والصين يهدد بفرض عقوبات وإعادة النظر في التعاون العسكري مع الولايات المتحدة التي ما تزال الحليف الإقليمي الرئيسي لهذه الدول.
كذلك ثمة توقعات أبأن تولي دول المنطقة اهتماماً أكبر بتطوير تحالفات عسكرية، معتمدةً ليس فقط على جهات أمنية خارجية، بل أيضاً على دول صديقة داخل المنطقة. علاوة على ذلك، من المحتمل أن تنشط جماعات مسلحة تابعة لجهات أخرى، بالإضافة إلى تشكيلات مسلحة غير حكومية بشكل أكثر فاعلية في الشؤون الأمنية.
ومن المتوقع أن تُركز الأنظمة العربية، بعد انتهاء النزاع، بشكل أكبر على تطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وعلى قطاعها الدفاعي عموماً.مع ذلك، لا يعني هذا مراجعة التعاون العسكري مع الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، صرّح أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي، بأن أبوظبي تعتزم "مضاعفة" تعاونها الأمني مع واشنطن. وبالتالي، قد يحدث تنويع في التعاون بالتزامن مع توسيعه في جميع المجالات الأمنية الرئيسية.
ومن السيناريوهات المحتملة الأخرى التي من المرجح أن نشهدها محاولات لتحديد تدابير محددة بشكل أوضح لمساعدة الحلفاء في اتفاقيات دفاعية جديدة. وقد أظهر مثال التحالف السعودي - الباكستاني أن الاتفاقية فشلت في حماية السعودية من الهجمات الإيرانية.
في الوقت نفسه، ورغم الجهود الدبلوماسية الحثيثة لإشراك الحلفاء في الأمن، قد تتراجع ثقة دول الخليج العربية بالمساعدات الخارجية. ومع تزايد تقادم الغزوات البرية،، والدور المحوري للطائرات المسيّرة والصواريخ في الحروب، بات من الواضح أنها مضطرة للاعتماد على نفسها بالدرجة الأولى.
ورغم القصف الإيراني، قد تسعى بعض دول الخليج العربية إلى تطبيع العلاقات مع طهران والاتفاق على "خطوط حمراء"، بما في ذلك تجنب تكرار كوارث مماثلة. ولن يمر القصف الإيراني لدول المنطقة مرور الكرام على العلاقات داخل المنطقة، لكن قد تستنتج الدول أن الحفاظ على "سلام بارد" أكثر فائدة من العيش في حالة مواجهة حادة.
علاوة على ذلك، من المرجح أن يتكثف التركيز على التحديث الاقتصادي. ومن المتوقع أن يصبح التوجه الناشئ بالفعل نحو تقليل الاعتماد على صادرات النفط وبناء اقتصاد أكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية وأكثر تنوعا،ً جزءاً مهما في السياسة الوطنية. ويشمل ذلك تطوير أجندة الطاقة الخضراء. وتقوم دول المنطقة بالفعل بتنفيذ برامج تحديث واسعة النطاق، مثل رؤية السعودية 2030 واستراتيجية الإمارات للطاقة 2050، وقد يُسهم النزاع الحالي في تسريع هذه البرامج.
لذا، من المرجح أن يؤدي النزاع الحالي إلى تنويع سياسي واقتصادي . ولا يُستبعد أن تقوم الأنظمة العربية في الخليج بتطوير سياسات أمنية أكثر توازناً مع العمل في الوقت نفسه على تخفيف المخاطر التي تهدد اقتصاداتها الوطنية باستخدام مجموعة واسعة من الأدوات.
ثمة سيناريو آخر محتمل يتمثل في محاولات تحديد تدابير محددة لمساعدة الحلفاء في اتفاقيات دفاعية جديدة. وقد أظهر مثال التحالف السعودي - الباكستاني أن الاتفاقية فشلت في حماية السعودية من الهجمات الإيرانية. ورغم أن باكستان قدمت دعمًا دبلوماسيًا للسعودية بتذكير طهران باتفاقية الدفاع المبرمة معها، إلا أن ذلك لم يضمن حماية المملكة بشكل كامل.
وأخيرًا، من المتوقع حدوث تغييرات في المجال الاقتصادي، ولا سيما في هيكل الصادرات وخطوط الإمداد. قد تحدث تحولات كبيرة هنا، نظرًا لأن إيران على ما يبدو غير راغبة في التخلي عن استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط ومصدر لإيرادات ميزانيتها عبر رسوم العبور. ومن المرجح أن تتضح معالم وضع المضيق في الأسابيع المقبلة.
The post تفاؤل حذر في موسكو لآفاق التسوية بين ايران وامريكا appeared first on جريدة المدى.





