تبون يتراجع في ملف الصحراء تحت ضغط الواقع
في مؤشر سياسي لا يخلو من دلالات، كشف الظهور الإعلامي الأخير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن ارتباك واضح في التعاطي مع ملف الصحراء، بعدما اختار تقليص حضوره إلى مجرد إحالة عابرة على “المسار الأممي”، في تراجع لافت عن خطابات سابقة اتسمت بالتصعيد والرفض القاطع لأي حل تحت السيادة المغربية.
تراجع الخطاب أم مناورة سياسية؟
ولا يمكن فصل هذا الانكفاء المفاجئ عن التحولات الدولية المتسارعة التي عززت موقع المبادرة المغربية، حيث بدا أن تبون تجنب الخوض في تفاصيل الملف، متخليا عن نبرته الحادة التي بلغت في السابق حد السخرية من مقترح الحكم الذاتي. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة الجزائر على الاستمرار في نفس النهج، أو اضطرارها للتكيف مع واقع دبلوماسي جديد لم تعد تتحكم في موازينه.
ورغم محاولة الإبقاء على غموض الموقف، تكشف المعطيات الميدانية أن الجزائر منخرطة فعليا في نقاشات مرتبطة بمبادرة الحكم الذاتي، من خلال مشاركة وزير خارجيتها أحمد عطاف في لقاءات احتضنتها عواصم غربية، وهو ما يعكس ازدواجية واضحة بين خطاب رسمي متصلب وممارسة دبلوماسية أكثر براغماتية، إن لم تكن أقرب إلى القبول الضمني بالحل الذي كانت ترفضه لسنوات.
سقوط ورقة الربط بالقضية الفلسطينية
واللافت أيضا أن تبون تخلى هذه المرة عن أسلوبه التقليدي في ربط ملف الصحراء بالقضية الفلسطينية، في محاولة طالما استخدمت لإضفاء بعد “تحرري” على موقف الجزائر. هذا الفصل المفاجئ يؤكد تآكل هذا الخطاب وفشله في إقناع الفاعلين الدوليين، خاصة مع تزايد الاعترافات بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
الإشارة إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار 2797، لم تكن بريئة، بل تعكس واقعا جديدا يضع مبادرة الحكم الذاتي في صلب الحلول المطروحة دوليا. وهو ما يضع الجزائر أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في العرقلة وخسارة ما تبقى من مصداقيتها الدبلوماسية، أو الانخراط في حل تفرضه موازين القوى الجديدة.
الدعم الأمريكي يعمق عزلة الجزائر
في المقابل، جاءت تصريحات نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو من الرباط لتزيد من حدة الضغط، بعدما جددت واشنطن اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، ووصفت الحكم الذاتي بأنه الحل الوحيد الواقعي. هذا الموقف يعكس اتجاها دوليا متزايدا يعزل الطرح الجزائري ويضعف قدرته على المناورة.
في ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن الجزائر انتقلت من مرحلة الهجوم السياسي إلى موقع الدفاع، إن لم يكن التراجع الصامت، في ملف استنزف مواردها الدبلوماسية لعقود دون تحقيق أي مكسب ملموس. وبين صمت تبون وتناقض مواقف مؤسساته، تتكشف ملامح تحول تدريجي قد ينتهي بقبول الأمر الواقع الذي طالما رفضته الجزائر علناً، بينما تسير الأحداث في اتجاه معاكس تماما لخطابها الرسمي.
المقالة تبون يتراجع في ملف الصحراء تحت ضغط الواقع نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز





