طب الأسنان في غزة .. حين يتحوّل الألم إلى انتظار بلا علاج

المركز الفلسطيني للإعلام
في أحد أزقة مدينة خان يونس، تجلس أم أحمد العربلشي على كرسي بلاستيكي مهترئ، تضع يدها على خدّها الأيمن، تحاول كتم ألمٍ يزداد حدةً مع كل دقيقة.
منذ أيام لم تنم جيدًا، ليس بسبب القصف هذه المرة، بل بسبب ضرسٍ ملتهب لم تجد له علاجًا.
تقول بصوت متعب: “زمان كنت أروح على العيادة الحكومية، يعالجوني ببلاش… اليوم ما في عيادة ولا دكتور”.
قصة أم أحمد ليست استثناءً، بل أصبحت مشهدًا يوميًا يتكرر في مختلف مناطق قطاع غزة، حيث لم تعد معاناة الناس تقتصر على الجراح الظاهرة، بل امتدت إلى آلام صامتة، كأوجاع الأسنان التي تحولت إلى أزمة صحية حقيقية.
في شارع آخر، يقف الشاب محمود جمعة أمام باب عيادة مغلقة، يقرأ لافتة قديمة باهتة كُتب عليها “خدمات طب الأسنان”.
يحكي: “هاي العيادة كانت تشتغل ليل نهار… اليوم صارت ركام، حتى لو لقيت دكتور، ما في أدوات”.
هذا الواقع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لما خلّفته الحرب من دمار واسع طال القطاع الصحي بكل تفاصيله، وخاصة خدمات طب الأسنان.
آثار كارثية
في هذا السياق، يقول الدكتور محمد أبو أمونة، مشرف أقسام طب الأسنان في جنوب قطاع غزة، إن “الحرب الأخيرة خلّفت آثارًا كارثية على قطاع الخدمات الصحية، وبشكل خاص خدمات طب الأسنان، التي تعرضت لتدمير شبه كامل في عدد كبير من مرافقها”.
ويضيف في تصريح خاص لمراسلنا أن “العيادات الحكومية والخيرية، التي كانت تمثل الملاذ الأساسي للفئات الأكثر احتياجًا، توقفت عن العمل في معظمها، نتيجة الاستهداف المباشر أو الأضرار الجسيمة، ما حرم آلاف المرضى من الحد الأدنى من الرعاية”.
لم يتوقف الدمار عند هذا الحد، إذ يشير أبو أمونة إلى أن القطاع الخاص أيضًا لم يسلم، حيث “تعرضت أعداد كبيرة من العيادات والمراكز الخاصة للتدمير الكلي أو الجزئي، ما أدى إلى خروج نسبة كبيرة منها عن الخدمة”.
في إحدى العيادات القليلة التي ما زالت تعمل جزئيًا، يحاول طبيب شاب التعامل مع الحالات الطارئة بإمكانيات محدودة.
يقول: “أحيانًا بيجي مريض لازم له علاج عصب، بس ما في مواد… بنضطر نخلع السن بدل ما نعالجه”.
هذا ما يؤكده أبو أمونة، موضحًا أن الأزمة لا تتعلق فقط بتدمير العيادات، بل أيضًا بـ”نقص حاد في الأجهزة الطبية الخاصة بالأسنان، وارتفاع أسعارها بشكل كبير، ما يمنع إعادة تشغيل العيادات”.
التحدي الأخطر
أما التحدي الأخطر، بحسب وصفه، فهو القيود المفروضة على إدخال المواد والمستهلكات السنية، محذرًا من أن “ما تبقى من خدمات قد يتوقف خلال أسابيع قليلة”.
ويتابع: “هناك نقص شديد في المخدرات الموضعية، ومواد الحشوات بمختلف أنواعها، ومواد علاج العصب، بما فيها الخاصة بالأطفال، إضافة إلى مستلزمات التركيبات… وغياب هذه المواد يعني استحالة تقديم معظم الخدمات”.
في مخيم آخر، يبكي طفل صغير وهو يمسك بفمه، تحاول والدته تهدئته بطرق بدائية، بعدما فشلت في العثور على طبيب يعالجه.
تقول: “مش معقول وجع زي هيك وما نلاقي له حل”.
ويختتم الدكتور أبو أمونة تحذيره بالقول إن “استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى انهيار شبه كامل لمنظومة طب الأسنان”، داعيًا إلى “تدخل عاجل من الجهات المعنية والمنظمات الدولية لإدخال الأجهزة والمواد الأساسية، ودعم إعادة تأهيل المرافق الصحية”.





