تأثير الحرب الامريكية – الايرانية على سوق النفط العالمي
جاك بي جيه بروفوست
ترجمة :عدوية الهلالي
سوق النفط العالمي، بطبيعته، سوقٌ قائم على التوقع. فهو لا يُقيّم فقط ما يُنتج اليوم وما سيُستهلك غدًا، بل يُقيّم أيضًا تصور المخاطر المستقبلية. يُمثل الخليج العربي وحده ما يقرب من 30% من إنتاج النفط العالمي. ومضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من تجارة النفط العالمية، مُعرّضٌ بشكل مباشر لتهديد إيران المُحتمل في حال تصعيد عسكري. وفي كل مرة يندلع فيها توتر في المنطقة - سواءً كان ذلك بضربة عسكرية، أو إعلان عدائي، أو تحرك سفن حربية - تُضاف علاوة مخاطر جيوسياسية فورية إلى سعر البرميل. وقد تصل هذه العلاوة إلى عشرات الدولارات، تبعًا لحدة الصراع المُتوقعة.
على النقيض، ما إن تظهر إشارة إلى خفض التصعيد - حتى لو كانت لفظية، أو غير مؤكدة - حتى يتلاشى هذا الارتفاع في الأسعار بالسرعة نفسها التي ظهر بها. وهذا ما حدث بالضبط في 10 آذار 2026. فقد فُسِّر إعلان ترامب عن قرب انتهاء الصراع مع إيران من قِبَل الخوارزميات والمتداولين على أنه إشارة إلى انخفاض مخاطر الإمداد. وكانت النتيجة العملية: انخفاض حاد في سعر برميل النفط. ليس بسبب زيادة الإنتاج، ولا بسبب انخفاض الطلب، بل ببساطة لأن تصور الخطر قد تغير - في غضون ثوانٍ، بناءً على إعلان أحادي الجانب.
ثمة أمرٌ مُقلق للغاية في هذا الواقع. فأسواق الطاقة العالمية - التي تُحدد تكلفة التدفئة والنقل والإنتاج الصناعي لمليارات البشر - يُمكن التلاعب بها، عمدًا أو سهوًا، بكلمات فرد واحد. هذه ليست مجرد تحليل، بل حقيقة. ويجب أن يكون هذا الأمر مدعاةً للقلق يتجاوز بكثير قاعات التداول.
فبينما انخفضت أسعار النفط بشكل حاد، ارتفعت مؤشرات الأسهم الأمريكية والأوروبية. المنطق متماثل ولكنه معكوس. إذ ان انخفاض أسعار النفط يقلل تكاليف الإنتاج لجزء كبير من الاقتصاد الحقيقي - النقل والخدمات اللوجستية والتصنيع وتجهيز الأغذية. كما أنه يخفف من الضغوط التضخمية، ويزيد من الدخل المتاح للمستهلكين، ويحسن هوامش ربح الشركات، ويخفف الضغط على البنوك المركزية، التي قد تخفف، نظريًا، سياستها النقدية في وقت أقرب من المتوقع. وبالنسبة لأسواق الأسهم، يُعد هذا مزيجًا مثاليًا تقريبًا - على الأقل على المدى القصير. فما قيّمته الأسواق في ذلك اليوم، إذن، هو رؤية للمستقبل: شرق أوسط مسالم، ونفط بأسعار معقولة، وتضخم متناقص، وأسعار فائدة منخفضة، واقتصاد عالمي منتعش.انها رؤية، وليست واقعًا.
«انتهى الأمر فعلياً" - كانت هذه هي الكلمات التي نقلتها وسائل الإعلام حرفياً. لا معاهدة. لا اتفاق وقف إطلاق نار موقّع. لا بيان أمريكي إيراني مشترك. لا قرار من مجلس الأمن. ولا حتى بيان رسمي من البنتاغون أو وزارة الخارجية. مجرد تصريح رئاسي، على طريقة ترامب المعهودة: قاطع، لا لبس فيه، مصمم لتحقيق تأثير إعلامي فوري. ويجدر التذكير هنا بأن هذا النوع من التصريحات جزء من تاريخ طويل. فقد أعلن ترامب مراراً وتكراراً عن انتصارات أو حلول للأزمات قبل وقت طويل من سريانها - سواء أكان ذلك يتعلق بكوريا الشمالية، أو التجارة مع الصين، أو مختلف القضايا الدبلوماسية. وفي بعض الحالات، خلقت هذه التصريحات المبكرة زخماً إيجابياً. وفي حالات أخرى، سبقت انتكاسات مروعة.
وما غاب عن التصريح لا يقل دلالة عما ورد فيه. لا ذكر لاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني. لا ذكر لمصير العقوبات الاقتصادية التي تخنق الاقتصاد الإيراني منذ سنوات. لا ذكر لمستقبل الميليشيات الموالية لإيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن. لا ذكر للأسرى والرهائن. لم يُذكر أي شيء عن بنية أمنية إقليمية مستدامة. بعبارة أخرى، إذا اندلعت حرب، فإن الظروف الهيكلية التي مهدت لها لا تزال قائمة. سليمة. وقابلة للانفجار.
إن القول بأن شيئًا ما "انتهى فعليًا" دون توضيح ما تغير، وما تم التنازل عنه، وما تم تحقيقه - هو مجرد تواصل، وليس دبلوماسية. والخلط بينهما هو ترفٌ يتحلى به الأقوياء الذين يعلمون أن لا أحد سيحاسبهم فورًا.
ولتقييم تصريح ترامب، يجب وضعه في سياقه العملياتي ، فقد تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، مع ضربات وضربات مضادة شاركت فيها جهات فاعلة غير حكومية مدعومة من طهران، وتهديدات للملاحة البحرية في الخليج العربي، وهجمات إلكترونية متبادلة لا يزال نطاقها سريًا جزئيًا. وتفيد التقارير بأن مفاوضات غير مباشرة جرت عبر دول ثالثة - تلعب سلطنة عمان تقليديًا دور الوسيط الخفي هذا. وقد لوحظت بوادر خفض التصعيد في بعض ميادين العمليات. لكن المحللين المتخصصين في شؤون المنطقة يتفقون على نقطة واحدة: أن التوصل إلى حل دائم يتطلب تنازلات سياسية كبيرة من كل من واشنطن وطهران، في سياقات داخلية تجعل هذه التنازلات مكلفة للغاية.
لفهم ما يمكن وما لا يمكن "إنهاؤه"، لا بد من فهم المنطق العميق للنظام الإيراني. فمنذ الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، نجت الجمهورية الإسلامية من حرب مدمرة ضد العراق (١٩٨٠-١٩٨٨)، وعقود من العقوبات الاقتصادية، وعمليات اغتيال استهدفت علماءها النوويين وجنرالاتها، وقمع حركات الاحتجاج الداخلية بوحشية. إن هذه المرونة ليست وليدة الصدفة، بل تستند إلى عقيدة استراتيجية متماسكة: توزيع السلطة من خلال شبكة من الوكلاء الإقليميين (حزب الله اللبناني، والحوثيون اليمنيون، والميليشيات العراقية، والفصائل السورية المختلفة)، والتحول التدريجي إلى السلاح النووي كدرع نهائي، واستغلال التناقضات الداخلية للكتلة الغربية.
لا يمكن حلّ هذه الشبكة، التي تُطلق عليها طهران اسم "محور المقاومة"، بمرسوم رئاسي أمريكي، كما أنها ليست تحت سيطرة طهران وحدها. فقد طوّرت بعض هذه الميليشيات أجنداتها الخاصة، ونوّعت مصادر تمويلها، وأسست قواعد اجتماعية محلية. وحتى لو وقّعت الحكومة الإيرانية اتفاقًا مع واشنطن غدًا، فإنّ السؤال حول ما ستفعله هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية سيبقى مفتوحًا تمامًا. هذا أحد أكثر أبعاد القضية الإيرانية تعقيدًا، وأكثرها استهانةً في الخطاب السائد.
إنّ الاعتقاد بأنّ إعلانًا رئاسيًا أمريكيًا قادر على "إنهاء" صراعٍ تعود جذوره إلى خمسة وأربعين عامًا من الثورة، والحرب الباردة الإقليمية، والتنافسات الطائفية متعددة الأبعاد، هو إما سذاجة أو تلاعب سياسي مُدبّر. وفي حالة ترامب، يميل التاريخ بشدة إلى الاحتمال الثاني.
The post تأثير الحرب الامريكية – الايرانية على سوق النفط العالمي appeared first on جريدة المدى.


