سيناريو الهجوم على خارك.. هل تحكم واشنطن قبضتها على نفط إيران؟
تابع المقالة سيناريو الهجوم على خارك.. هل تحكم واشنطن قبضتها على نفط إيران؟ على الحل نت.
في ظل تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ووسط حديث الرئيس دونالد ترامب عن أمل في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الأعمال العدائية، تكشف صحيفة “فاينانشال تايمز” عن سيناريو افتراضي متطور يرسم ملامح عملية عسكرية أميركية محتملة تستهدف جزيرة خارك الإيرانية.
وتعد تلك الجزيرة المنفذ الرئيسي لتصدير 90 بالمائة من النفط الإيراني، إلى جانب دراسة عملية برية لإعادة السيطرة على مضيق هرمز، في خطوة تهدف إلى حرمان طهران من مصدر التمويل الرئيسي وتعزيز النفوذ الأميركي في أي مفاوضات مقبلة.
خارك.. عقدة الحسم النفطي
في هذا السيناريو الافتراضي واحدة من أكثر فرضيات الحرب الإيرانية الأميركية حساسية وخطورة، إذ تنتقل المعركة من تبادل الضربات الجوية والرسائل السياسية إلى احتمال الانزلاق نحو عملية برية مباشرة تستهدف جزيرة خارك.
وفي قلب هذا التصور، لا تبدو خارك مجرد جزيرة صغيرة في الخليج، بل عقدة استراتيجية قد يراهن عليها البيت الأبيض لتغيير قواعد الاشتباك، وإرغام طهران على إعادة فتح مضيق هرمز، أو دفعها إلى مواجهة خيار بالغ الكلفة، إما خسارة عمودها الفقري الاقتصادي، أو اللجوء إلى تدمير منشآتها النفطية بنفسها كي لا تقع في قبضة الخصم.

وفق السيناريو الذي ترسمه الصحيفة، فإن العملية الأميركية المحتملة لن تبدأ من البحر فقط، بل قد تُنفَّذ عبر إنزال جوي لقوات تتحرك على ارتفاع منخفض بواسطة طائرات “في-22 أوسبري” ذات المراوح القابلة للإمالة، إلى جانب مروحيات هجومية ونقل تكتيكي، في مشهد أقرب إلى عملية اقتحام خاطفة تحت نيران كثيفة منه إلى احتلال تقليدي.
وبمجرد وصول القوات إلى الجزيرة، ستسعى إلى التمركز قرب البنية التحتية النفطية، لا بهدف تدميرها، بل لاستخدام وجودها العسكري كغطاء ميداني يمنع إيران من استعادة السيطرة عليها بسهولة.
معضلة طهران.. التدمير أم الخسارة
هنا يبرز جوهر المعضلة، فإذا اختارت طهران ضرب المنشآت بنفسها، فإنها تحرم نفسها من أهم مصدر تمويل، وإذا امتنعت، فإن واشنطن قد تحوّل خارك إلى ورقة ضغط مباشرة على الاقتصاد الإيراني.
تكتسب الفرضية وزنها من اللحظة السياسية التي تحيط بها، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن هذا الأسبوع أنه يأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران ينهي الأعمال العدائية، غير أن هذا الخطاب التهدوي يتزامن مع حشد عسكري لافت في المنطقة، إذ تتحرك آلاف من قوات مشاة البحرية الأميركية، بينما تُجهَّز قوات المظليين للانتشار السريع.
هذا التناقض بين لغة التفاوض وتوسيع الجاهزية القتالية يكشف أن واشنطن لا تتعامل مع السيناريو بوصفه احتمالاً نظرياً بعيداً، بل كخيار مطروح على طاولة التصعيد إذا تعثرت المسارات السياسية أو فشلت الضغوط في دفع طهران إلى التراجع.
ورقة ضغط أم مقامرة كبرى؟
تشير الصحيفة إلى أن الاستيلاء على خارك قد يمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط مباشرة في أي محاولة لإجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز، أو حتى في أي مقاربة أوسع تهدف إلى فرض السيطرة على الممر البحري عبر جزر استراتيجية أخرى.
غير أن هذا الخيار، رغم ما قد يتيحه من مكاسب تفاوضية، لا يخلو من مخاطرة هائلة، فإرسال قوات برية إلى الأراضي الإيرانية أو إلى مواقع شديدة القرب منها لا يمثل مجرد تصعيد عسكري، بل قفزة نوعية نحو صراع مفتوح قد تتسع دائرته بسرعة، وتتحول معه أي عملية محدودة إلى مواجهة تستنزف الولايات المتحدة في بيئة عمليات معقدة، وتمنح إيران فرصة لاستثمار الجغرافيا والردع غير المتكافئ.

وتبرز في هذا السياق تحذيرات مسؤولين عسكريين سابقين، من بينهم كارين جيبسون، التي وصفت إرسال قوات برية بأنه أكثر خطورة على القوات الأميركية، مؤكدة أن التحدي لا يقتصر على الاستيلاء على الجزيرة، بل على القدرة على الاحتفاظ بها تحت ضغط مستمر ونيران متواصلة.
وأكدت أن خارك ليست هدفاً سهلاً في مساحة خالية، بل جزيرة تقع على بعد 15 ميلاً فقط من الساحل الإيراني، وتدخل ضمن مدى ما تبقى لدى طهران من صواريخ وطائرات مسيّرة ومدفعية، لتصبح بذلك أي قوة تهبط هناك مكشوفة منذ اللحظة الأولى، وتحتاج إلى مظلة حماية جوية ولوجستية معقدة، وإلى تفوق ناري مستمر يضمن لها البقاء لا مجرد الوصول.
تمهيد ناري لاقتحام معقد
في قراءة العمليات المحتملة، تطرح الصحيفة تصوراً لمرحلة تمهيدية قاسية، تبدأ بضربات دقيقة تستهدف الدفاعات الإيرانية في الجزيرة والبر الرئيسي المجاور، بما في ذلك مواقع الألغام البحرية ومخابئ الصواريخ ومستودعات الإمداد.
وقد أُشير بالفعل إلى أن القوات الأميركية شنت هجمات على أكثر من 90 موقعاً في خارك، وهو ما قد يعني أن ما يجري ليس مجرد استهداف معزول، بل تمهيد لنزع طبقات الحماية عن الجزيرة قبل أي عملية إنزال.
ويصف مسؤولون عسكريون سابقون هذا النوع من الضربات بأنه “خاطف وعنيف”، هدفه إحداث صدمة وشلّ الدفاعات خلال وقت قصير، ثم فتح الطريق أمام قوة برية تفرض نفسها بسرعة قبل أن تتمكن إيران من إعادة التنظيم أو استجلاب التعزيزات.
تعقيدات التنفيذ وخيارات الإنزال
لكن هذا النوع من العمليات لا ينجح فقط بالقوة الجوية، فبحسب السيناريو، يمكن استخدام الفرقة 82 المحمولة جواً، إلى جانب قوات رينجرز ووحدات العمليات الخاصة التابعة للقوات الجوية، كقوة تدخل سريع تُنزل مباشرة على الهدف أو قربه، لتأمين الأرض قبل وصول قوات المارينز.

كما يمكن أن تنفذ مشاة البحرية الهجوم من البحر أو من الجو، عبر حاملة الطائرات “يو إس إس تريبولي” أو مجموعة “بوكسر” البرمائية، وكلتاهما تحمل طائرات “في-22” وزوارق إنزال ومكونات لوجستية تتيح نقل القوات والمعدات إلى الشاطئ.
وتكمن المفارقة في أن هذه القدرات، المصممة أصلاً لعمليات الاقتحام السريع، قد تصبح في هذا السياق رهينة البيئة الجغرافية الإيرانية، إذ إن الاقتراب من خارك يتطلب عبور مضيق هرمز، وهو ممر يمكن أن تتحول مياهه إلى “ساحة رماية” في حال زرعت إيران الألغام أو كثفت هجماتها الصاروخية والجوية المسيّرة.
بدائل صعبة وتحديات لوجستية
من هنا، تُطرح بدائل تكتيكية أقل انكشافاً، مثل بقاء السفن خارج الخليج وإنزال القوات جواً فقط، أو استخدام قواعد برية في دول مجاورة بعد الحصول على حقوق التمركز والتحليق والوصول، غير أن هذا الخيار الأخير لا يقل تعقيداً، إذ يفتح باباً دبلوماسياً واسعاً يتطلب ترتيبات دقيقة مع دول الخليج أو الأردن، ويجعل هذه الدول بدورها أكثر عرضة للضغط الإيراني أو لردود الفعل غير المباشرة.
كما أن مسألة الإمداد والتموين، والإخلاء الطبي، ونقل قوات التدخل السريع، ستتحول إلى تحدٍّ لوجستي وسياسي في الوقت نفسه، بما يضاعف تكلفة أي عملية حتى قبل بدايتها.
وتؤكد الصحيفة أن أي خطوة من هذا النوع لن تُقرأ عسكرياً فقط، بل اقتصادياً بالدرجة الأولى، فالهجوم على خارك، حتى لو نجح ميدانياً، قد يطلق موجة اضطراب واسعة في أسواق النفط العالمية، ويرفع الأسعار، ويضع إدارة ترامب أمام اختبار داخلي صعب، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
حرب اقتصادية وسؤال ما بعد السيطرة
من هنا وصف بعض المسؤولين السابقين العملية بأنها “حرب اقتصادية” بامتياز، لأن الرهان فيها لا يقتصر على إسقاط موقع أو احتلال جزيرة، بل على كسر قدرة إيران على التمويل والاستمرار، غير أن السؤال الذي يظل مفتوحاً هو ما إذا كانت طهران ستستجيب لهذا الضغط بالتفاوض، أم ستلجأ إلى التصعيد، وربما إلى سياسة الأرض المحروقة عبر تدمير بنيتها النفطية على نحو يضمن لها ألا تسلّمها لخصمها.

وبهذا المعنى، لا تبدو خارك مجرد هدف عسكري محتمل، بل نقطة اختبار كبرى لمعادلة الردع بين واشنطن وطهران، فإذا اختارت الولايات المتحدة المضي في هذا السيناريو، فإنها قد تحقق نفوذاً تفاوضياً كبيراً، لكنها في المقابل قد تفتح باباً لحرب أطول وأكثر تعقيداً، لا يكون فيها النصر مسألة السيطرة على الجزيرة فقط، بل القدرة على البقاء فيها، وحمايتها، ومنع تحوّلها إلى مستنقع استنزاف.
ولذلك يبقى السؤال الذي تطرحه “فاينانشال تايمز” في جوهره أكثر من سؤال عسكري، ماذا بعد؟ فحتى لو جرى إنزال ناجح، وحتى لو استُهدفت الدفاعات وعُزلت الجزيرة، لا أحد يضمن أن ذلك سيغيّر الموقف الإيراني، أو يدفع الحرب إلى نهايتها، وما بين كسر الاقتصاد الإيراني وكسر حدود المغامرة الأميركية، يقف الخليج كله على حافة حسابات شديدة الخطورة، قد تُعيد تعريف الصراع برمته.
- سيناريو الهجوم على خارك.. هل تحكم واشنطن قبضتها على نفط إيران؟
- تصدير اللحوم إلى الأردن… كيف تُسحب من الموائد السورية؟
- بين “الحوثي” وإيران.. تهديد السعودية وإنذارات بإغلاق باب المندب
- أبرز نقاط الخلاف التي تهدد بفشل مسار التفاوض لإنهاء الحرب الإيرانية
- هدنة ترامب المؤقتة بين التحول الاستراتيجي ومسار تكتيكي.. ما أهداف إيران وأميركا؟
تابع المقالة سيناريو الهجوم على خارك.. هل تحكم واشنطن قبضتها على نفط إيران؟ على الحل نت.





