... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
185987 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8976 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

سرور.. ترنيمة الماء وكبرياء النخيل

العالم
صحيفة الصحوة العمانية
2026/04/15 - 12:27 501 مشاهدة

الصحوة – على مشارف وادي سمائل، حيث تلتقي هيبة الجبال بطيبة الأرض، تتبدى قرية “سرور” كقصيدةٍ خضراء كتبت بمداد الأفلاج على رقّ التاريخ. هي ليست مجرد محطة للمسافر، بل هي العناق الأول بين مسقطِ البحر والداخلِ العريق، والمكان الذي اختارته الطبيعة ليكون “مفتاحاً” لقلب عمان.
في “سرور”، لا تقف النخيل مجرد شجر، بل هي أعمدةٌ من الوفاء تضرب بجذورها في أعماق الزمان. تشرئب أعناقها نحو السماء وكأنها تحرسُ الحكايات التي عبرت تحت ظلالها. حين تهبُ النسمات، تهمسُ السعفاتُ لبعضها عن قوافلِ الحجيج التي استراحت هنا، وعن العلماء الذين اتخذوا من هدوئها محراباً للفكر. هي آلافُ “البواسق” التي رصدها “لوريمر” قديماً، وما زالت اليوم تمنحُ المكانَ هويته، وتصبُّ في أفق القرية لوناً من

أما الأفلاج في “سرور”، فهي الشرايين التي تهبُ الحياة للصخر. تسمعُ خرير مائها في الدروب كأنه صلاةٌ شكرٍ دائمة؛ ماءٌ زلالٌ يشقُّ طريقه بكبرياء وتواضع في آنٍ واحد، ليروي حكايات الخصوبة. هذه الأفلاج هي المعمار الهندسي الذي صاغه الإنسان العماني بذكاء الصابر، لتتحول الأرض بفضلها إلى بساطٍ من المحاصيل التي لا تذبل، وكأن الماء هنا لا يجري في قنوات، بل يجري في روح المكان.

بين الجبال التي تلوح من بعيد كشواهد على عزةٍ غابرة، يعيش الزائر في “سرور” حالة من الدهشة؛ فمن جهة هو في “مفتاح الوادي” الاستراتيجي الذي رصده العسكر والرحالة، ومن جهة أخرى هو في واحةٍ من الألفة والجمال. إنها القرية التي جمعت بين “المنعة” و”السرور”، وبين قسوة الجبال الحارسة ورقة الجداول السارحة.
على ضفاف وادي سمائل الخصيب ، وعلى بُعد نصف ساعة لا تزيد بالسيارة عن العاصمة مسقط، ترقد قرية “سرور”، كأنها قطعة من الفردوس أُلقيت في أحضان الجبال. هي ليست مجرد محطة عابرة، بل هي مقصد للروح وعلاج للناظرين، إذ يستقبلك اسمها بترجمة فورية لما ستراه وتلمسه: الفرح والبهجة.

وقد قيل في تسميتها، ما يعكس حالها، فإما أنها سُميت “سروراً” لِما تزرعه في قلب الزائر من شعور غامر بالطمأنينة والإعجاب ببساتينها الغناء وأفلاجها الرقراقة التي تنساب كالدم في عروق الأرض، أو تيمناً باسم أول من خطا أرضها قبل قرون خلت، لتصبح بذلك حلقة وصل بين الماضي المشرق والحاضر المبهج.
إن سرور، بهدوئها الريفي البكر وجمالها الأخاذ، تقدم للزائر والسائح لوحة فنية طبيعية متكاملة حيث تمتزج خضرة النخيل بصفاء المياه، وحيث يتنفس المكان عبق التاريخ والأصالة. هنا، لا يقتصر السحر على جمال الطبيعة وحدها، بل يمتد إلى عمق الإرث الثقافي والعلمي الذي احتضنته هذه البقعة المباركة.
لقد كانت سرور، ولا تزال، منارة للعلم والأدب، وموئلاً للفقهاء والأدباء الذين أثروا الحياة الفكرية في عُمان. يكفي أن نذكر كوكبة من الأسماء التي لمعت في سمائها: ، الفقيه الشيخ القاضي سعيد بن سالم الفارسي، والفقيه الشيخ عبدالله بن أحمد الحسيني ، والفقيه الشيخ حميد بن سيف بن سليمان الرمضاني.
ولم يغب الشعر عن هذا الركن الوادع الجميل ؛ فالقرية هي مصدر للكلمة العذبة والعاطفة الجياشة والخيال الساحر . عاش فيها القاضي الشاعر الشيخ خالد بن هلال الرحبي صاحب ديوان السحر الحلال ، والشاعر محمد بن سعيد المخلدي صاحب ديوان الروض البسام ، والشاعر الشعبي أسطورة فن المسبعات الشعبية سالم بن ناصر الغافري (ولد رمثة)، بالإضافة إلى الشاعر الزاهد سيف بن نصير الحسيني والشاعر الفقيه محسن بن مسلم الرمضاني.

وفي العصر الحديث، استمر نبض الكلمة مع الشاعرين الحداثيين سيف الرحبي وزاهر الغافري وهما من رواد التجديد في القصيدة العربية، والشعراء الشباب خليل الجابري وإسحاق الخنجري وسالم الرحبي وأحمد الرمضاني وحاتم الحسيني الذين حملوا على عاتقهم لواء الشعر للجيل الجديد.
أما في حقل الكتابة والبحث الأكاديمي، فقد أسهمت سرور في رفد المكتبة العمانية والعربية بنخبة من المثقفين والباحثين الذين خاضوا غمار النقد والدراسات المتخصصة. ومن هؤلاء الكاتب والناقد الدكتور راشد الحسيني، الذي أثرى المشهد النقدي بعطائه وكتاباته ، والكاتب والباحث الدكتور سليمان الحسيني، الذي تميز في مجالات البحوث التاريخية ، وكذلك الكاتب والباحث الدكتور سيف الرمضاني في مجال تاريخ الأدب ، ممن يمثلون امتداداً طبيعياً لتراث القرية الغني بالعلم والمعرفة.

كما أن سرور لم تبخل على السرد، فقد أنجبت روائيين وقاصين مرموقين مثل محمد بن سيف الرحبي، ومحمود الرحبي، وأحمد الرحبي والكاتبة عزة الحسيني، وغيرهم ممن نقلوا روح المكان وإنسانه إلى صفحات الكتب والنشر الورقي والإلكتروني.
أما رواة الشعر الشعبي كأمثال سعيد بن خلفان الندابي وسالم بن علي الندابي وحمد بن سعيد المخلدي وخميس بن جعروف الحسيني وعامر بن مصبح الرحبي ، فهم ذاكرة القرية الشفاهية، التي حفظت الإيقاع الشعبي وتناقلته عبر الأجيال.
كما إن بروز كوكبة من المصورين الفوتوغرافيين من أبناء قرية سرور، كأمثال سيف الهنائي، ومعاذ الندابي، وجلال الغتامي، وحمد الرمضاني، هو امتداد طبيعي وشهادة حية على عمق الإرث الجمالي والإبداعي للقرية.
إن وجود هذا الجيل من المصورين يؤكد أن سرور ليست فقط موطنًا للكلمة المكتوبة (الشعر، الرواية، البحث)، بل هي أيضًا مصدر للإبداع البصري الذي يحمل “السرور” والجمال من قلب سمائل إلى العالم عبر عدساتهم.

و تزهو سرور بالعديد من مفردات التراث المادي التي تحكي فصولاً من تاريخها العريق. تقف مساجدها القديمة كشواهد حاضرة للبعد الروحي والديني ، مثل “مسجد الفج” الذي يعود بناؤه لمئات السنين، و”مسجد النطالة” الفريد الذي يمر الفلج الرقراق من تحته

ومسجد بستان الموز. كما تضم القرية “حارة العقر القديمة” التي تتشابك فيها البيوت لتصنع نسيجاً مجتمعياً متراصاً، وبقايا “برج الصفية” ، ومنزل ناصر بن مسلم الرحبي في منطقة الشريعة. ويبرز في المشهد العمراني منزل المهندس العماني الفذ الشيخ محمد بن سليمان الخروصي، الذي يتوسط واحات النخيل بجماله وفخامته هذا المهندس، الذي عاش قبل حوالى مائة وخمسين عاماً متنقلاً بين عُمان وزنجبار، ولم تقتصر إسهاماته على موطنه، بل يُعرف بأنه مد شبكة الري في زنجبار، كما يُنسب إليه بناء بناية على شكل قطار في عهد السلطان برغش بن سعيد، ليظل اسمه مرتبطاً بالإنجاز العمراني والتنموي العماني في الخارج.

ولعلها هنا دعوة صريحة لوزارة التراث والسياحة لترميم بعض هذه الآثار حفظا لها من الاندثار والزوال.
وما يزيد من عظمة هذه المزارع والبساتين الخضراء التي تزخر بها القرية هو وجود ثلاثة أفلاج داودية عريقة تضمن لها الحياة والنماء، وتؤكد على العلاقة المتجذرة بين الإنسان والماء في هذا الوادي الخصيب.
إن سرور، التي تُسِرّ الناظر بجمالها الطبيعي وعمقها التاريخي والثقافي، هي قرية لا تعيش على أمجاد الماضي فحسب، بل هي متجذرة ومتجددة بفعل طاقة شبابها وعطاءاتهم المتدفقة. هذا التجديد يظهر جليًا في الحركة النشطة للفرق الأهلية التطوعية والرياضية، التي تمثل نبضًا حديثًا في شرايين القرية القديمة.
قرية سرور هي شهادة حية على أن الجمال الحقيقي يكمن في التوازن بين روعة المكان وعمق الزمان وحركة الإنسان . هي قرية تسر الناظر إليها بضواحيها الفاتنة وشواهدها العريقة، وتُسِرّ لسامعها بحكاياتها وأساطيرها الساحرة ، وتُسِرّ لنفسها بأنها كانت وستظل مهداً للحكمة والإبداع. زيارتها ليست مجرد رحلة، بل هي جرعة من السرور والبهجة وراحة النفس ومتعة العين ، ووقفة تأمل في عظمة الطبيعة وقيمة الإرث الثقافي العماني.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤