سوريا ليست للبيع
غزوان قرنفل
لم تعد سوريا جزءًا من السلطنة العثمانية منذ أكثر من قرن، ولم يعد لتلك السلطنة وجود أصلًا منذ انهيارها وتأسيس الجمهورية التركية عام 1923، ومع ذلك، نشهد اليوم محاولات مقلقة لإحياء أرشيف تاريخي مضى عليه الزمن، واستخدامه كأداة قانونية للطعن في ملكيات مستقرة وثابتة ومحمية بموجب قوانين سورية نافذة منذ تأسيس الدولة الحديثة.
إن هذا التوجه لا يمكن اعتباره مجرد اجتهاد إداري أو قانوني، بل هو انزلاق خطير نحو تقويض أسس الاستقرار القانوني وفتح أبواب نزاعات لا نهاية لها، تسعى وزارة الأوقاف السورية في سياق هذه المحاولات، للتنقيب في الأرشيف العثماني بحثًا عن وثائق قديمة تسعى لاستخدامها في تأسيس دعاوى ملكية وقفية على عقارات كثيرة في دمشق وحلب، وهي عقارات جارية في ملكية أصحابها الحاليين إرثًا أو شراء من أصحابها الأوائل بموجب سندات ملكية رسمية ثابتة ومثبتة وفق القانون السوري، وبشكل خاص قانون السجل العقاري الصادر عام 1926، الذي شكّل منذ صدوره المرجع النهائي والقطعي في تحديد الملكية العقارية التي لا تسجل في السجل العقاري إلا بعد سلسلة طويلة من الإجراءات، تبدأ بعمليات التحديد والتحرير ثم بعد انتهائها يعلن عن مدة شهر يحق خلالها لكل مدعٍ بحق أن يتقدم باعتراض على ما دوّن في محضر التحديد والتحرير، يلي ذلك الفصل بالاعتراضات من قبل القاضي العقاري، ويكون قراره قابلًا للاستئناف، وبعد صدور القرار النهائي ترسَل المحاضر لتسجيلها في السجل العقاري، لكن مع ذلك يحق لكل متضرر أو مدعٍ بحق فوّت هذه المراحل أن يقيم دعوى فسخ تسجيل خلال مهلة سنتين من تاريخ تسجيل المحاضر في السجل العقاري، بل أكثر من ذلك، منح القانون أيضًا فرصة أخيرة ونهائية لكل متضرر أن يقيم دعوى تعويض إن اعتقد أنه فوّت فرصة استعادة حقه المزعوم وذلك خلال مهلة 15 سنة تلي تاريخ انتهاء مهلة السنتين.
من ركائز الدولة الحديثة أنها تقوم على مبدأ السيادة القانونية، وعلى استمرارية القوانين والمؤسسات واستقرار المعاملات، لا على استحضار أرشيفات تاريخية منقرضة لم يعد أصحابها يستخدموها كمرجعية قانونية ذات أثر، بهدف الاتكاء عليها لتغيير مراكز قانونية استقرت عبر عقود طويلة، مما سيفتح أبوابًا واسعة للنزاعات القضائية والاجتماعية، لأن كل ملكية عقارية قد تصبح عندئذ عرضة للطعن بصحتها، وكل مواطن قد يجد نفسه فجأة مطالبًا بإثبات حقه في ملك يملكه منذ عشرات السنين، وربما منذ أجيال، وهذا لا يهدد فقط الاستقرار القانوني، بل يقوّض أيضًا أسس الاستقرار الاجتماعي الذي يبحث عنه السوريون “بالسراج والفتيلة” كما يقال، ويزرع الشك في نفوس الناس تجاه مؤسسات الدولة، فهل من المعقول أو المقبول أن تسعى وزارة سورية لإثبات ملكية مفترضة لها منذ ما قبل قيام الدولة السورية نفسها وباستخدام أرشيف دولة لم يعد لها وجود!
إن السكوت على هذا العبث يشكل سابقة خطيرة، لأنه يقوّض مبدأ استقرار الملكية الذي يعد إحدى أهم ركائز أي نظام قانوني حديث، فلا يمكن بناء اقتصاد، ولا جذب استثمارات، ولا تحقيق تنمية، في ظل بيئة قانونية غير مستقرة، حيث يمكن الطعن في الملكيات بناء على وثائق تاريخية تعود إلى قرون مضت.
إن القانون الوحيد الواجب التطبيق والذي يمكن لوزارة الأوقاف البحث عن ممتلكاتها المفترضة بين نصوصه هو القانون السوري وحده، وبشكل خاص قانون السجل العقاري لعام 1926 الذي لا يزال يشكّل المرجعية التأسيسية والأساسية في تحديد الملكية، وأي محاولة لتجاوزه أو الالتفاف عليه تعني عمليًا نسف أحد أهم أعمدة الدولة القانونية، فالسجل العقاري ليس مجرد أرشيف، بل هو ضمانة للحقوق، وأساس للثقة بين المواطنين وبين المواطن والدولة.
فلتعلم وزارة الأوقاف ومطبّليها أن سوريا ليست أرضًا سائبة، ولا سلعة قابلة للمساومة أو إعادة التوزيع وفق قراءات انتقائية لأرشيف سابق على نشوء الدولة السورية نفسها، وأن هراء التصريحات الصادرة عن الوزارة والتي تسببت بلغط فتح أبوابًا للتقول والقلق، لم يكن ثمة حاجة إليه أصلًا، خصوصًا أن تركيا لم تزعم أن لها مالًا وقفيًا ضمن سوريا، كما أنها لا تستطيع أصلًا المطالبة به حتى لو رغبت، لأن اتفاقية “لوزان” التي وقعتها تركيا عام 1923، والتي تعتبر مؤسسة للجمهورية التركية الحديثة، ألزمتها بالتنازل عن جميع الأراضي التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية والتي صارت خارج حدود الجمهورية التركية الحديثة، وبالتالي فأموال وعقارات الأوقاف داخل الأراضي السورية هي ملك خالص للدولة السورية.
نعم هناك ضمن سياق آخر خارج نطاق الأملاك الوقفية، أملاك لأتراك ضمن سوريا جرى التحفظ عليها ومنع التصرف بها، وكذلك هناك أملاك لسوريين ضمن تركيا جرى التحفظ عليها ومنع ملاكها من التصرف بها منذ ستينيات القرن الماضي على خلفيات نزاعات حدودية وسياسية بين البلدين، وأزعم أن الفرصة متاحة اليوم لحل هذه المشكلة بإنصاف، ولكن هذا الأمر مختلف عن موضوع الأملاك الوقفية التي هي أملاك سورية خالصة ولا يجوز الخلط بين الأمرين.
سوريا دولة ذات سيادة لها قوانينها ومؤسساتها، وستبقى كذلك رغم كل عبث السلطة، وأي محاولة لبيعها في سوق الغنائم الذي يهيم به الإسلامويون، أو لتفكيك أسسها القانونية، هي في جوهرها اعتداء على مستقبلها، وعلى حقوق أبنائها الذين لن يتهاونوا أمام جريمة تشرع السلطة علنًا بارتكابها.





