سوريا بين إدارة الصراع وتوازن النفوذ: من ساحة حرب إلى ورقة تفاوض في النظام الإقليمي
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإقليمي، لم تعد سوريا تُختزل بوصفها ساحة صراع تقليدي، بل باتت تعكس نمطاً أكثر تعقيداً من إدارة التوازنات بين القوى الفاعلة، حيث يتراجع منطق الحسم العسكري لصالح ضبط الصراع والتحكم بمساراته. هذا التحول يضع البلاد في موقعٍ انتقالي بين مرحلة الانفجار ومرحلة الإدارة، في سياق دولي يتجه إلى احتواء الأزمات بدل إنهائها، ما يجعل الصراع أكثر هدوءاً في ظاهره، لكنه أكثر عمقاً في بنيته.
وفي هذا الإطار، تبدو الجغرافيا السورية اليوم محكومة بتداخل مستويات متعددة من النفوذ، تتجاوز حدود الدولة التقليدية، حيث تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية تفرض على الداخل هامشاً محدوداً من الحركة، وتُبقي القرار السياسي ضمن شبكة معقدة من التفاهمات. ومع استمرار غياب عقد داخلي جامع قادر على إعادة إنتاج الاستقرار، تتكرّس حالة من السيادة النسبية التي تقوم على توزيع النفوذ أكثر مما تقوم على مركزية القرار.
ويعكس المشهد انتقالاً من صراع صفري إلى توازن مركب تُدار فيه المواقع عبر أدوات غير مباشرة، لتتحول سوريا إلى ورقة تفاوض ضمن شبكة إقليمية لإعادة ترتيب النفوذ.
ومع بقاء الداخل في حالة هشاشة مؤسسية واقتصادية، يظل مستقبل الاستقرار مرهوناً بمدى القدرة على إعادة بناء مركز قرار وطني قادر على موازنة الضغوط الخارجية، وتحويل هذا التموضع من حالة إدارة للأزمة إلى مسار أكثر استدامة في إعادة تشكيل الدولة ودورها ضمن النظام الإقليمي.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور أبوبكر الديب مستشار المركز العربي للدراسات والباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في تصريحات لـ”963+” إن المشهد السوري لم يعد يُقرأ بوصفه نهاية حرب أو حتى هدنة مستقرة، بل كتحول عميق في طبيعة الصراع، موضحاً أن سوريا انتقلت من “لحظة الانفجار” إلى “لحظة الإدارة”، حيث لم يعد الهدف تحقيق انتصار حاسم بقدر ما أصبح الحفاظ على توازن دقيق يمنع الانفجار الشامل.
ويضيف أن ما يجري يعكس تحولاً في مفهوم القوة، إذ لم تعد تُقاس بالقدرة العسكرية فقط، بل بالقدرة على إدارة التعقيد والحفاظ على مستويات من التوتر المنضبط دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ويرتبط هذا التحول بقدرة الدولة السورية على استعادة السيطرة الفعلية على الأرض والمؤسسات، خصوصاً ما يتعلق بالحدود والممرات الحيوية والبنية الأمنية، باعتبار أن هذه العناصر تشكل الأساس لأي إعادة تموضع سياسي مستقر.
كما أن تقليص التدخلات الخارجية يظل مرهوناً بمدى نجاح الدولة في إعادة بناء مركز قرار داخلي قادر على ضبط المناطق التي كانت خارج السيطرة أو خاضعة لترتيبات محلية متباينة، وهو ما يجعل مسألة السيادة اليوم مرتبطة بالقدرة العملية على الإدارة وليس فقط بالإطار القانوني أو الاعتراف الدولي.
وفي هذا الإطار، يقول الباحث السياسي علي ثابت جديد في تصريحات لـ”963+” إن الحكومة السورية الانتقالية ما تزال تتحرك ضمن هامش ضيق تفرضه التوازنات الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن القدرة على بسط السيطرة الكاملة ما تزال محدودة في عدة مناطق. وأوضح أن الحكومة نجحت في بعض الملفات، مثل تقليص طموحات “قسد” جغرافياً ضمن تفاهمات دولية، لكنها لم تصل إلى سيادة كاملة، بل اكتفت بما وصفه بـ”إنتاج رموز سيادية” مع استمرار الخصوصيات المحلية.
ويضيف أن المشهد في مناطق أخرى، مثل السويداء، يعكس عجزاً عن فرض سيطرة مركزية كاملة نتيجة تدخلات خارجية، في حين أن الساحل السوري لا يزال يشهد حالة من التوتر رغم الوجود العسكري الكثيف، ما يدل على أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة استقراراً أمنياً مستداماً.
وفي المقابل، لا يبدو أن سوريا تتجه نحو نموذج الدولة المحايدة بالكامل، كما لا تبدو مجرد ساحة نفوذ منفلتة كما في ذروة الصراع. بل يجري الدفع بها تدريجياً نحو نموذج “دولة إعادة التوازن”، أي دولة تدير علاقاتها عبر شبكة تفاهمات وتحالفات متغيرة بدل الارتهان الكامل لطرف واحد.
وهذا النموذج يقوم على إعادة بناء الشرعية داخلياً وخارجياً، لكنه يظل هشاً في حال غياب التوافق الوطني وضعف المؤسسات، ما يجعل أي انفتاح خارجي معرضاً لأن يكون مجرد إدارة مؤقتة للأزمة وليس تحولاً مستداماً.
وفي هذا السياق، يقول صباح العكيلي مدير مركز الهدف للدراسات الاستراتيجية في العراق في تصريحات لـ”963+” إن المتغيرات التي شهدتها سوريا تعكس حجم التأثير الكبير للقوى الخارجية في القرار السوري، معتبراً أن الإرادة الداخلية ما تزال “مقيدة” ضمن شبكة من النفوذ الإقليمي والدولي.
ويوضح أن صانع القرار السوري يواجه تحدياً في التوفيق بين مصالح القوى الخارجية ومتطلبات بناء الدولة، ما يجعل رسم السياسات الداخلية والخارجية محكوماً بهذه التوازنات.
ويشير إلى أن موقع سوريا الاستراتيجي يضعها في قلب التجاذبات بين قوى متعددة، ما يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل الوصول إلى حالة استقرار حقيقي أمرًا صعبًا في ظل استمرار هذه الضغوط.
وعلى مستوى التموضع الإقليمي والدولي، يظهر المشهد السوري كحقل تنافس معاد تشكيله بين قوى متعددة، حيث تراجعت بعض أشكال النفوذ التقليدي، فيما برزت أدوات جديدة تقوم على إدارة النفوذ بدل فرضه بالقوة.
وهذا التحول يعكس انتقال الصراع من المواجهة المباشرة إلى منظومة أكثر تعقيداً تعتمد على التفاهمات غير المباشرة، ورسائل الردع، وضبط الاشتباك، وهو ما جعل الجغرافيا السورية مساحة لتقاطع المصالح أكثر من كونها ساحة لحسمها.
وفي هذا الإطار، يقول الديب إن سوريا تحولت من ساحة صراع مباشر إلى ساحة إدارة نفوذ غير مباشر، حيث لم يعد الهدف السيطرة الكاملة على الجغرافيا، بل التحكم في مفاصلها الحساسة.
ويضيف أن ما يجري يعكس تحولاً في فلسفة الصراع من منطق الحسم إلى منطق التوازن المركب، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى الحفاظ على مواقعها ضمن معادلة معقدة بدل القضاء على خصومها.
ومع هذا التحول، أصبح مفهوم السيادة في الحالة السورية مفهوماً عملياً أكثر منه قانونياً، إذ لم تعد السيادة تُقاس فقط بالاعتراف الدولي، بل بمدى القدرة على التحكم الفعلي بالأرض والقرار والعلاقات الخارجية. وفي ظل تعدد الفاعلين، أصبحت السيادة موزعة بين أطراف مختلفة، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية استعادتها بشكل كامل أو استمرارها كسيادة نسبية قائمة على التفاهمات.
وفي هذا السياق، يقول جديد، إن العامل الخارجي ما يزال يلعب الدور الحاسم في إدارة الجغرافيا السورية، في ظل غياب عقد اجتماعي داخلي قادر على إنتاج استقرار حقيقي.
ويشير إلى أن التوترات المستمرة في مختلف المناطق تعكس هذا الفراغ، لافتاً إلى وجود مخاوف لدى مكونات سورية متعددة، خصوصًا فيما يتعلق بملف السلاح وشكل المؤسسة العسكرية.
ويضيف أن القدرة على استعادة قرار داخلي مستقل ترتبط بمدى نجاح الدولة في بناء عقد اجتماعي شامل وإطلاق حوار سياسي حقيقي، إلى جانب معالجة التحديات الاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار.
وفي الإطار الأوسع، أصبحت سوريا جزءاً من شبكة تداخل إقليمي تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، ولم تعد مجرد ساحة صراع، بل عقدة مركزية في ترتيبات الأمن الإقليمي والطاقة وإعادة الإعمار. وهذا الموقع يجعلها جزءاً من أي تفاوض إقليمي أوسع، سواء بين الولايات المتحدة وإيران أو ضمن ترتيبات إقليمية أخرى، ما يعزز دورها كـ”ورقة تفاوض” داخل النظام الإقليمي.
وفي هذا السياق، يقول الديب إن سوريا أصبحت أداة تفاوض إقليمية ودولية، تُستخدم فيها الجغرافيا لإدارة الرسائل بين القوى الكبرى وضبط التوازنات في ملفات أوسع تتجاوز حدودها.
ويوضح أن هذا الواقع يفسر طبيعة التصعيد والتهدئة داخلها، حيث يتم احتواء بعض الأزمات بسرعة بينما يُترك بعضها الآخر ليأخذ مداه وفق حسابات أوسع.
أما على المستوى الداخلي، فإن استقرار سوريا يبقى مرتبطاً بقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها وتحقيق توازن بين الداخل والخارج، حيث لا يمكن لأي تموضع إقليمي أن ينجح دون قاعدة داخلية مستقرة. كما أن استمرار ربط الداخل بالتسويات الخارجية قد يُبقي حالة الهشاشة قائمة، حتى في ظل انخفاض مستوى العنف المباشر.
وفي هذا الإطار، يقول العكيلي إن الحديث عن استقرار حقيقي في سوريا ما يزال محل شك، لأن القرار السياسي لا يزال خاضعاً لتأثيرات خارجية، مشيراً إلى أن البلاد تحتاج إلى وقت طويل لإعادة بناء جبهتها الداخلية.
ويضيف أن التحديات لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل أيضاً المسارات الديموقراطية وبناء المؤسسات، التي ما تزال غير ناضجة بالشكل الكافي.
اقتباس: “لم تعد سوريا ساحة حربٍ تُحسم فيها المواجهات، بل تحوّلت إلى مساحةٍ تُدار فيها التوازنات”.
The post سوريا بين إدارة الصراع وتوازن النفوذ: من ساحة حرب إلى ورقة تفاوض في النظام الإقليمي appeared first on 963+.





