صواريخ وخلية “الحشد” لا تغير في الحياد السوري
عنب بلدي ـ ركان الخضر
في كلمة ألقاها عقب أدائه صلاة عيد الفطر في قصر “الشعب” بدمشق، أوضح الرئيس السوري، أحمد الشرع، الخطوط العريضة للسياسة السورية التي تنتهجها دمشق تجاه النزاع الإقليمي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وقال الشرع، إنه يعمل على إبعاد بلاده عن النزاع الذي وصفه بـ”الحدث الكبير والنادر في التاريخ”، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية تحسب خطواتها بدقة شديدة وتعمل على الابتعاد عن أي نزاع، والتوافق مع جميع الدول الإقليمية.
وأضاف أن سوريا كانت على الدوام ساحة صراع ونزاع خلال السنوات الـ15 الماضية وما قبلها، لكنها اليوم على وفاق مع جميع الدول المجاورة إقليميًا، وأيضًا دوليًا، وبنفس الوقت تتضامن مع الدول العربية بشكل كامل.
وأكد أن سوريا انتقلت إلى مرحلة جديدة، وتحولت من كونها ساحة صراع إلى ساحة مؤثرة باتجاه الاستقرار والأمان على المستوى الداخلي والإقليمي.
خيار يجنب سوريا تداعيات الحرب
الحياد الذي انتهجته دمشق كان “خيارًا منطقيًا في هذه المرحلة”، لأن سوريا لا تملك هامشًا واسعًا للدخول في صراع إقليمي مفتوح، خاصة في ظل “وضع اقتصادي وأمني هش”، بحسب الباحث في “المركز السوري للدفاع والأمن” (مسداد) معتز السيد، معتبرًا في حديث إلى عنب بلدي، أن أي انخراط مباشر قد يعرضها لضربات أو تدخلات إضافية، لذلك، فإن تبني سياسة الحياد تهدف إلى تجنب نقل المواجهة إلى الداخل السوري.
من جانبه، يعتقد الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن الحكومة السورية نجحت حتى الآن بتجنب الكثير من تداعيات الحرب وآثارها المباشرة على الساحة الداخلية، خاصة في ظل “تموضع سوريا وسط المتنازعين إسرائيل وإيران”، مشيرًا إلى أن الساحة السورية بعيدة عن أن تكون بشكل مباشر جزءًا من الصراع والحرب.
وقال علوان، إن ابتعاد سوريا عن التداعيات المباشرة لم يمنع الآثار غير المباشرة من التأثير عليها، كما هو حال جميع دول المنطقة، والتي تمثلت في سقوط المقذوفات والتصادم الجوي بين الصواريخ الإيرانية والمضادات الإسرائيلية، بالإضافة الى الآثار الاقتصادية من خلال ارتفاع أسعار النفط التي شهدها العالم، وتوقف تدفق الغاز من الأردن.
ونوه إلى بعض القلق من توسع دائرة الصراع، في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، مستبعدًا أن تكون سوريا هدفًا مباشرًا لأحد أطراف الصراع، خاصة بعد الانسحاب الأمريكي من القواعد والنقاط العسكرية في سوريا، الأمر الذي يجعل استهداف سوريا من قبل إيران أمرًا بعيدًا في ظل التركيز على استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.
صواريخ من العراق وخلايا لـ”الحشد”
سياسة الحياد المعلَنة من قبل دمشق لم تمنع من استهداف أراضيها من قبل بعض المجموعات العراقية المسلحة التابعة لإيران، فقد أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري، في 23 من آذار الحالي، أن إحدى القواعد العسكرية قرب بلدة اليعربية بريف الحسكة تعرضت لقصف صاروخي.
وأضافت هيئة العمليات في تصريحات لـ”الإخبارية السورية” الحكومية، أن القصف نفّذ بواسطة خمسة صواريخ انطلقت من محيط قرية تل الهوى الواقعة بعمق 20 كم داخل الأراضي العراقية.
وذكرت الهيئة أن الجانب السوري تواصل مع العراق للتنسيق حول الحادثة، مشيرة إلى أن الجيش العراقي أكد أنه بدأ بعملية تمشيط وبحث عن الفاعلين.
ونوهت إلى أن “الجيش السوري بحالة تأهب كاملة، وسيقوم بمسؤولياته للدفاع عن الأراضي السورية والتصدي لأي اعتداء”.
وفي سياق التطورات الأمنية، أفاد مراسل عنب بلدي في محافظة دير الزور، أن جهاز الاستخبارات السوري ألقى القبض على خلية تتبع لـ”الحشد الشعبي” العراقي في المحافظة الواقعة شرقي سوريا.
وقال المراسل نقلًا عن مصدر في الاستخبارات السورية، إن الخلية مكونة من ستة أشخاص كانت تنشط في نقل المعلومات وتهريب الأسلحة، دون إيراد تفاصيل إضافية.
بيّن الباحث وائل علوان، أن الميليشيات العراقية تحاول أن تزج بسوريا في دائرة الصراع، من خلال استهداف بعض النقاط العسكرية للجيش السوري في الحسكة، بهدف الضغط على أمريكا من خلال محاولة خلق فوضى في المنطقة لا تناسب المصالح الأمريكية.
لكن التحرك الذي قامت به هذه المجموعات العراقية التابعة لإيران، وفق علوان، لا يزال في طور التحركات المحدودة التي لا تحمل أي تأثير على استراتيجية الدولة السورية، لوضعها أمام استحقاق الدفاع عن أمنها القومي والوطني بالتدخل العسكري ضد “الحشد الشعبي” العراقي.
الباحث معتز السيد، أشار إلى أن التحركات التي قامت بها بعض الميليشيات العراقية داخل الأراضي السورية، لا يمكن فصلها عن السياق السابق في المنطقة، خاصة في دير الزور، خلال فترة النظام السابق، فقد كان لهذه المجموعات نفوذ واسع هناك، وكانت المنطقة تُستخدم كنقطة وصل بين العراق وسوريا وصولًا إلى الحدود اللبنانية، لنقل السلاح إلى داخل سوريا ثم إلى “حزب الله” اللبناني، موضحًا أن هذا النفوذ لم يختفِ بالكامل، ومن الطبيعي أن يحتاج تفكيكه إلى وقت وجهد طويل.
وأضاف السيد أن أي تحرك، ولو كان محدودًا، يحمل دلالات مهمة، فقد يكون الهدف دعمًا لوجستيًا، أو إعادة تفعيل شبكات قديمة، أو تنفيذ عمل أمني محدد، أو حتى نقل سلاح لتخفيف الضغط عن الجماعات المرتبطة بإيران، فالتحركات تشير إلى أن هناك محاولة للحفاظ على خط إمداد أو إعادة تشغيله بشكل تدريجي داخل الأراضي السورية.
ونوه إلى أن التأثير يبقى محدودًا، في ظل التراجع الكبير في نفوذ هذه المجموعات داخل سوريا، وعدم امتلاكها حرية الحركة التي كانت تتمتع بها سابقًا قبل سقوط نظام الأسد، مرجحًا ألا تكون قادرة حاليًا على التأثير بشكل واسع في المشهد الميداني.
التحركات التي نشهدها، بحسب السيد، أقرب إلى عمليات محدودة، سواء أمنية أو تهريب سلاح، ولا ترقى إلى مستوى تهديد استراتيجي يمكن أن يدفع الحكومة السورية إلى مواجهة مفتوحة معها.
وأشار الباحث إلى أن دمشق تدرك هذا الواقع، ولذلك تميل إلى الاحتواء بدل التصعيد، دون استبعاد تدخلات سورية موضعية لضبط هذه التحركات في حال تطورت هذه الأنشطة بشكل أكبر، دون الوصول إلى صراع مفتوح.
تنسيق مفيد رغم محدودية الأثر
سبق التصعيد تحركات سياسية بين الجانبين السوري والعراقي، فقد بحث الرئيس الشرع، ورئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، تطورات الأوضاع الإقليمية، ولا سيما التطورات المرتبطة بالتصعيد بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وانعكاساته على أمن واستقرار المنطقة.
وأكد الجانبان أهمية تعزيز التنسيق والتعاون الأمني المشترك، مشددين على ضرورة تغليب الحوار والحلول السياسية، وعلى عمق العلاقات الأخوية بين سوريا والعراق، وحرصهما على استمرار التشاور والتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة ويسهم في دعم الاستقرار الإقليمي.
يرى الباحث معتز السيد أن التنسيق بين سوريا والعراق مهم نظريًا لضبط الحدود ومنع تسلل الجماعات المسلحة، لكنه يواجه تحديًا حقيقيًا، وهو أن الحكومة العراقية لا تملك سيطرة كاملة على بعض هذه المجموعات.
ويعتقد أن التنسيق قد يكون محدود الفعالية على الأرض، لكنه مفيد في تبادل المعلومات الاستخباراتية ومحاولة تقليل التحركات غير المنضبطة، مشيرًا إلى أن دمشق تدرك أن الاعتماد الكامل على الجانب العراقي غير كافٍ، لذلك قد تتجه لتعزيز إجراءاتها الذاتية على الحدود بدل الاعتماد على التنسيق فقط.
وذكر السيد عدة خيارات أمام الحكومة السورية لمواجهة هذه التحركات، تدور جميعها حول تجنب التصعيد، شملت تعزيز الانتشار العسكري على الحدود الشرقية، وضبط المعابر غير الرسمية، وتكثيف العمل الاستخباراتي لرصد الخلايا قبل تحركها.
وأضاف خيارات أخرى تضمنت استخدام القنوات السياسية مع العراق للضغط باتجاه ضبط هذه المجموعات، واللجوء إلى عمليات أمنية محدودة داخل الأراضي السورية ضد أي خلايا نشطة، في ظل استبعاد الخيار العسكري الواسع، والتركيز على احتواء التهديد ومنع تحوله إلى أزمة أكبر دون الانجرار إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
من جانبه، يعتقد الباحث وائل علوان أنه لا توجد خشية سورية كبيرة من المشهد ضمن العراق، بسبب الضغط الأمريكي الكبير، والتنسيق السوري مع الحكومة العراقية رغم ضعف إجراءاتها في التأثير على هذه المجموعات المسلحة، بالإضافة إلى استعداد الحكومة السورية الدائم للدفاع عن حدودها وحماية مواطنيها ومصالحها، مستبعدًا حدوث تدخل سوري ضمن الأراضي العراقية بناء على الوقائع الحالية.
وأشار علوان إلى أن موضوع الانتخابات العراقية وتعثر تشكيل الحكومة الجديدة أثر على مسار التنسيق السوري العراقي في ظل صعود تيار المالكي، مشيرًا إلى أن الضغط الأمريكي لعدم عودة المالكي ربما يصب في مصلحة سوريا لاستكمال المسار التنسيقي مع حكومة السوداني في العراق.





