تخبرنا كريستيفا أن الإنسان لا يصبح ذاتا مستقرة إلا عبر طرد أشياء معينة (الدم/القيء/الإفرازات الجسدية)، وفي حالة الأم طرد الأجنة (الأجساد الأخرى). والاشمئزاز يظهر تحديدا عندما ينهار الحد الفاصل بين الداخل والخارج، حين لا يعود واضحا أين ينتهي الجسد وأين يبدأ العالم، فما نطرده خارجنا يظل مألوفا بشكل مقلق، فهو لا يغادرنا تماما. وفي طريقها لإثبات وجاهة أطروحتها، تناولت كريستيفا الثنائيات التي تحيل في الضرورة إلى حالة الاشمئزاز أو الرغبة في الإقصاء، مثل الغثيان المصاحب للحمل، والخوف من اكتئاب ما بعد الولادة، والأمور المصاحبة لتناقضات الداخل والخارج، وهو تحديدا ما يعنينا أثناء تناولنا رواية "شيء إلهي".

حين يغدو الجسد حدثا
قبل أن ندلف إلى التحليل، يجدر بنا أن نوضح حبكة الرواية، التي تتناول حياة سلام، عامل النظافة في أحد البنوك في القاهرة، في مرحلة زمنية لا تحددها الرواية بدقة زمانية، لكننا سنفهم من خلال فضائها أن أحداثها تدور في نهاية القرن العشرين، اللحظة التي تحصل فيها تحولات كبرى على الصعد كافة، الاجتماعية والتكنولوجية كذلك، مرورا بطفولة البطل التي حددت شخصيته، وكونت ما هو عليه أثناء سرد حكايته، التي تبنى على مكون فانتازي صغير ومدو في الوقت نفسه. فسلامة الذي كان في حضرة أخته أثناء مناسبة عائلية، سيشعر بغثيان ودوار مفاجئ، وحين تسأله أمام الجميع ما بك يا سلامة؟ يقول بشكل عفوي إنه يشعر بغثيان ودوار يشبه ما تشعر به المرأة في بدايات حملها: "يبدو إني حامل". ما ينتهي عند هذا الحد بالضحك والونس، يتحول مع تنامي الحكاية إلى حقيقة وحدث مركزي يهز سلامة وكل من سيعرف قصته لاحقا، من جهاز طبي، ومجاورين له على المستوى الاجتماعي.
لكن أهمية الرواية لا تتوقف عند هذا الملمح الفانتازي، فسنراها تتجاوزه لتغوص في سؤال الجسد الذي تحدثنا عنه سلفا. ولو حاولنا تناول الحدث بالخفة الفانتازية، لانتهى كل شيء عند هذا الحد، لكن الكاتب لا يتركنا هملا، بل يبدأ في تأسيس نظرته السردية، ويغوص بنا في تضاعيف ويلات الجسد، من خلال التلاعب بسؤال الجندر. العمل يناقش بوضوح سؤال "ماذا لو؟"، وهذه الـ"ماذا لو" نراها تنفتح على عدد كبير من الجروح. ولعل أبرز ما يميز العمل هو تناوله أسئلة في عمق الجسد البشري بغض النظر عن نوعه، دون الانزلاق إلى مستوى الأسطورة بشكلها الملحمي الذي نلمحه في الميثولوجيا من خلال دمج جسدين (بشري/حيواني) مثلا، فالحدث الفانتازي يحضر كمحفز فقط لحضور أسئلة أخرى تتعلق بالقلق من الالتزام الجندري.

كل ذلك يحضر من خلال لغة روائية متقنة، تتناول بجمالية الحكايات الجانبية، وتربطها بجوهر الحكاية الرئيسة، مثل الاعتماد على ثنائية النزول والصعود، والحياة والموت. فوالد البطل يموت جراء سقوطه من السقالة أثناء عمله في الفاعل، أما أخوه فيموت أثناء طيرانه من أرجوحة المولد، هذه الحكايات الجانبية ربطت بشكل فذ مع نهاية جسد سلامة نفسه، المعلق بين السماء والأرض أثناء تمسكه بلوحة إعلانات ضخمة ترشد المارة الى الخصوبة وإلى الحياة السعيدة.









