شرايين الطاقة تبحث عن بدائل.. مشاريع إقليمية لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز
تتجه الأنظار نحو مجموعة من المشاريع الاستراتيجية التي تسعى إلى تقليص الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية التي دائماً ما تشهد توترات وعلى رأسها مضيق هرمز، وذلك عبر تطوير بدائل برية تعزز أمن الطاقة وتمنح الدول المنتجة والمستهلكة خيارات أكثر استقراراً واستدامة.
وتبرز في هذا السياق خطط لإعادة إحياء وتعديل مسار خط أنابيب “التابلاين”، أحد أقدم مشاريع نقل النفط في المنطقة، عبر نقل النفط من منطقة القيصومة شمال السعودية باتجاه موانئ الساحل السوري، وتحديداً مدينة بانياس بريف طرطوس أو اللاذقية، بدلاً من المسار السابق الذي كان ينتهي في مدينة صيدا اللبنانية.
وتشير التقديرات إلى أن الطاقة الاستيعابية لهذا الخط قد تصل إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً، ما يجعله أحد أكبر المشاريع القادرة على تخفيف الضغط عن طرق النقل البحرية، وخصوصاً في أوقات الأزمات.
وفي موازاة ذلك، يبرز مشروع خط الغاز القطري كأحد أبرز المشاريع المقترحة لنقل الغاز الطبيعي من الخليج إلى أوروبا عبر البر، حيث يقوم على مد أنابيب تمر عبر الأراضي السورية باتجاه تركيا، ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية.
ويتضمن هذا المشروع أيضاً إنشاء بنية تحتية متكاملة للغاز المسال على الساحل السوري، ما يتيح مرونة أكبر في التصدير ويعزز من موقع سوريا كمحطة عبور إقليمية للطاقة.
كما تعود إلى الواجهة خطط إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس أو استبداله بخط مواز، الذي كان يشكل سابقاً أحد أهم شرايين نقل النفط العراقي إلى البحر الأبيض المتوسط.
ويستهدف المشروع رفع الطاقة الاستيعابية للخط لتصل إلى نحو مليون برميل يومياً، ما يوفر منفذاً إضافياً لصادرات النفط العراقي بعيداً عن الممرات البحرية التقليدية، ويسهم في تنويع خيارات التصدير.
وتعكس هذه المشاريع مجتمعة توجهاً إقليمياً متنامياً لإعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة، عبر تقليل الاعتماد على الممرات البحرية التي تتأثر بالتقلبات الجيوسياسية، واستبدالها بشبكات برية أكثر أماناً نسبياً.
غير أن تنفيذ هذه الخطط يبقى مرهوناً بجملة من التحديات، في مقدمتها الأوضاع الأمنية في مناطق العبور، وحجم الاستثمارات المطلوبة لإعادة تأهيل البنية التحتية أو إنشائها من جديد، إضافة إلى التعقيدات السياسية المرتبطة بتداخل المصالح الإقليمية والدولية.
تحولات الطاقة ليست وليدة
يرى الكاتب والمحلل سياسي كامل حواش المقيم في برمنغهام – بريطانيا، أنه من الضروري التذكير بأن التحولات في سياسات الطاقة العالمية ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى أحداث مفصلية، أبرزها عام 1973 عندما أقدمت الدول الخليجية على قطع النفط عن الغرب، ما دفع حينها إلى التفكير الجدي في البحث عن مصادر بديلة للطاقة.
ويوضح حواش في حديث لـ”963+”، أن الطاقة النووية، رغم التحفظات التي كانت تحيط بها في تلك المرحلة، بدأت تُستخدم بالفعل لإنتاج الكهرباء في عدد من الدول، إلى جانب تطور مصادر أخرى مثل الطاقة الهوائية والطاقة الشمسية، التي باتت اليوم تعتمد عليها دول عديدة، ومن بينها بريطانيا بشكل ملحوظ.
ويلفت إلى أن النقاش الدائر حالياً لا ينفصل عن الأبعاد السياسية، خاصة فيما يتعلق برؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي تقوم، بحسب ما يُتداول، على إعادة تشكيل مسارات تصدير النفط بحيث تمر عبر إسرائيل، وتحديداً إلى ميناء حيفا.
ويؤكد أن هذا الطرح يطرح تساؤلات جدية حول مدى استعداد دول الخليج، مثل قطر والإمارات، للانخراط في مسارات مباشرة تنتهي في إسرائيل، بدلاً من خيارات أخرى تمر عبر دول عربية كالأردن، ومنها إلى وجهات مختلفة.
اقرأ أيضاً: من الأزمة إلى الشراكة: كيف يعيد التعاون العسكري والاقتصادي ترتيب معادلات الشرق الأوسط؟ – 963+
ويضيف أن سوريا، رغم ما شهدته من تغييرات سياسية وتحسن نسبي في نظرة بعض الدول الغربية، لا تزال محاطة بمخاوف تتعلق بالاستقرار، فضلاً عن استمرار التعقيدات السياسية والأمنية، بما في ذلك الوجود الإسرائيلي في بعض المناطق.
ويرى أن أي تحول في مسارات الطاقة عبر سوريا سيبقى مرهوناً بإمكانية التوصل إلى اتفاقيات سياسية، قد تفتح المجال لخطوط تمر من الأردن إلى سوريا ومنها إلى إسرائيل، أو عبر مسارات أخرى تصل إلى البحر الأبيض المتوسط.
كما يشدد على أن التحديات لا تقتصر على مضيق هرمز فقط، بل تمتد إلى مضيق باب المندب، حيث تفرض الأوضاع في اليمن مخاطر إضافية على حركة الملاحة في البحر الأحمر، ما يعزز التوجه نحو إنشاء خطوط أنابيب برية تتجاوز هذه الممرات البحرية الحساسة، وصولاً إلى أوروبا، مضيفاً أن هذا التوجه يعيد إحياء أفكار قديمة تتعلق بربط منابع الطاقة في الخليج بالأسواق الأوروبية عبر مسارات بديلة.
وفي تقييمه للوضع الراهن، يرى حواش أن إيران لا تزال تمتلك نفوذاً كبيراً في مضيق هرمز، مستشهداً بعدم توصل الدول الغربية، رغم اجتماعاتها المتكررة، إلى آلية سريعة وفعالة لضمان حرية الملاحة.
ويشير إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي دعا فيها الدول إلى حماية سفنها بنفسها، معتبراً أن الحل لا يزال مرتبطاً بالحوار مع إيران ومحاولة إعادة ترتيب التفاهمات، خاصة في ظل مطالب إيرانية تتعلق بفرض رسوم أو ترتيبات خاصة لاستخدام المضيق.
ويخلص إلى أن تقليص النفوذ الإيراني في هذا الملف سيبقى مرتبطاً بعاملين رئيسيين، أولهما التوسع في استخدام الطاقة البديلة، وهو مسار طويل الأمد، وثانيهما إعادة رسم خريطة خطوط نقل الطاقة.
مشاريع كبديل جزئي
يقول عبد العظيم المغربل، الباحث المتخصص في قضايا الاقتصاد الكلي، إن هذه المشاريع يمكن أن تشكل بديلاً جزئياً ومهماً، لكنها لا تستطيع في المدى القريب أن تحل بالكامل محل مضيق هرمز، موضحاً أن أهميتها الأساسية تكمن في تنويع مسارات التصدير وتخفيف المخاطر الناتجة عن أي إغلاق أو اضطراب عسكري في الخليج.
ويضيف في حديث لـ”963+” أن الخطوط البرية تمنح الدول المنتجة منفذاً إضافياً نحو البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، وهو ما يخفف الضغط على المسارات البحرية التقليدية، لكنه يؤكد أن نجاح هذه المشاريع يبقى مرتبطاً بتوافر الاستقرار والضمانات الأمنية، إضافة إلى الاستثمارات الضخمة اللازمة لإعادة البناء والتشغيل، مضيفاً أنه يمكن اعتبار هذه المشاريع أدوات استراتيجية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، لا بديلاً كاملاً ونهائياً عنه في المرحلة الحالية.
ويشير المغربل إلى أن العقبة الأولى أمام تنفيذ هذه المشاريع تتمثل في الوضع الأمني داخل سوريا، ولا سيما على امتداد المناطق التي قد تمر بها خطوط الأنابيب، مضيفاً أن العقبة الثانية تكمن في تضرر البنية التحتية بشكل كبير، ما يعني أن أي مشروع يحتاج إلى إعادة تأهيل مكلفة ومعقدة زمنياً وفنياً.
ويوضح أن هناك أيضاً عقبات سياسية مرتبطة بتعدد القوى المحلية والإقليمية والدولية التي يمكن أن تؤثر في خطوط العبور، لافتاً إلى صعوبة التمويل، حيث إن المستثمرين وشركات الطاقة يحتاجون إلى بيئة مستقرة وضمانات قانونية وتشغيلية واضحة قبل الانخراط في مثل هذه المشاريع.
ويؤكد المغربل أن المسارات الجديدة قد تعيد توزيع النفوذ الإقليمي عبر منح دول العبور، وخصوصاً سوريا وتركيا والعراق، وزناً استراتيجياً أكبر، موضحاً أن الدولة التي تملك ممر الطاقة لا تحصل فقط على رسوم عبور، بل تكتسب أيضاً ورقة سياسية واقتصادية مؤثرة في العلاقات الإقليمية.
ويضيف أن هذه الخطوط قد تقلل نسبياً من احتكار بعض الممرات التقليدية لدور التحكم في تدفقات النفط والغاز، وفي الوقت نفسه قد تفتح باب تنافس جديد بين الدول المنتجة نفسها على الأسواق الأوروبية ومسارات الوصول إليها، معتبراً أن خريطة الطاقة الجديدة، إذا تحققت، لن تكون مجرد خريطة أنابيب، بل خريطة نفوذ وتحالفات وتوازنات جديدة في المنطقة.
The post شرايين الطاقة تبحث عن بدائل.. مشاريع إقليمية لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز appeared first on 963+.





