... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
326701 مقال 217 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5762 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

شغب الملاعب.. مرض مزمن يستنزف رصيدنا الكروي

العالم
مدار 21
2026/05/06 - 14:30 501 مشاهدة

تعيش كرة القدم المغربية حاليا أزهى فتراتها التاريخية على الإطلاق، في ظل نهضة كروية غير مسبوقة، تترجمها الإنجازات الباهرة للمنتخبات الوطنية والطفرة النوعية التي تشهدها البنيات التحتية، بالموازاة مع رؤية استراتيجية طموحة نجحت في وضع المملكة بصلب الخريطة الرياضية العالمية، وهو مسار تصاعدي مبهر سيتوج قريبا باحتضان مونديال 2030، ليعزز لا محالة من الإشعاع الدولي والقوة الناعمة للمغرب، مقدما إياه كنموذج رياضي وتنموي رائد يحتذى به على الصعيدين الإقليمي والقاري.

بيد أنه وفي خضم هذا المشهد الاحتفالي المشرق، تطفو على السطح بين الفينة والأخرى بقع داكنة تخدش هذه الصورة الرياضية الناصعة، لتضعنا أمام ممارسات شغب ترقى إلى مصاف الإجرام الذي يهدد أمن وسلامة المنظومة بأكملها.

ولعل الانفلاتات الخطيرة ومشاهد العنف والتخريب المؤسفة التي اندلعت مؤخرا في مدرجات المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله، خلال قمة الجيش الملكي والرجاء الرياضي، والتي أسفرت عن اعتقال 136 شخصا، تعيد بقوة إلى واجهة الأحداث نقاشا مجتمعيا مؤرقا لا يقبل التأجيل.

خاصة وأن هذه الأحداث دفعت باللجنة المركزية للتأديب التابعة للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى التدخل الحازم عبر فرض حزمة من العقوبات الردعية ضد الناديين المذكورين، مع اتخاذ قرار صارم يقضي بوقف تنقل جميع الجماهير حتى نهاية هذا الموسم، مما يؤكد أن هذه الانفلاتات المتكررة لم تعد مجرد تعبير عن حماس شبابي، بل تحولت إلى ظاهرة مركبة تضرب في الصميم تلك الصورة التنظيمية والأمنية المشرقة التي تسعى بلادنا لتسويقها دوليا، مما يفرض تجاوز لغة الإدانة اللحظية، للانتقال نحو تفكيك علمي وموضوعي دقيق لهذه الآفة.

وللتعمق أكثر في تفكيك خيوط آفة الشغب الرياضي، يتعين علينا أولا التخلص من تلك النظرة التبسيطية القاصرة التي تعمد إلى عزل المدرجات عن سياقها المجتمعي الأوسع، على اعتبار أن الملعب لم يكن يوما جزيرة معزولة عن محيطها الخارجي، بل هو في جوهره فضاء سوسيولوجي مصغر ومختبر اجتماعي حي، يعكس بوضوح تام وتجرد مطلق مختلف تناقضات المجتمع وإحباطاته المتراكمة وكافة اختلالاته البنيوية.

لقد تحولت مدرجات الملاعب بالنسبة لفئة واسعة من الشباب والمراهقين، إلى متنفس شبه وحيد لتفريغ شحنات الغضب المتراكمة والبحث المحموم عن الانتماء، ويأتي ذلك في ظل تراجع مقلق لأدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية الكلاسيكية، وعلى رأسها الأسرة التي أثقلت كاهلها الإكراهات الاقتصادية، والمدرسة التي فقدت الكثير من بريقها وجاذبيتها، فضلا عن دور الشباب التي تقلص إشعاعها التأطيري بشكل ملحوظ.

هذا الوضع يولد فراغا قاتلا يجد الشاب نفسه تائها في غياهبه، ليلجأ إثر ذلك إلى مدرجات الملاعب، باحثا عن احتضان دافئ، وهوية بديلة، واعتراف مجتمعي، يفتقده بشدة في تفاصيل واقعه اليومي المعيش.

وفي صميم ثقافة الحشود ومجموعات الأولتراس يذوب الكيان الفردي تماما لينصهر في بوتقة الجماعة، لتتخذ المباراة شكل معركة طاحنة يجب الظفر بها بأي ثمن، فيصبح بذلك تحقيق الانتصار الوهمي عبر ممارسة العنف الرمزي بالشعارات المستفزة أو العنف المادي بالاشتباكات والتخريب، بمثابة تعويض نفسي زائف عن حجم الهزائم الاجتماعية والاقتصادية، وهو واقع يفرز في نهاية المطاف سيكولوجية جماعية شديدة الاحتقان، تحول المشجع البسيط إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار عند انقداح أول شرارة.

غير أن هذا الاحتقان المتراكم لا يمكن أن ينفجر من تلقاء نفسه أو بمحض الصدفة، إذ أن شرارة الشغب غالبا ما يتم إيقادها وطبخها على نار هادئة بعيدا عن أسوار الملاعب، لتبرز بجلاء المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق فاعلين رئيسيين في صلب الحقلين الرياضي والإعلامي.

وهنا نصطدم بواقع مرير يتجلى في غياب شبه تام للتواصل المؤسساتي الفعال من لدن العديد من الأندية الرياضية، التي تلجأ في أحيان كثيرة إلى سياسة الهروب إلى الأمام عبر إطلاق تصريحات مستفزة من قبل مسؤوليها، أو تقديم تبريرات واهية من طرف مدربيها، فضلا عن الإسقاط المنهجي لمسؤولية الإخفاق على مشجب التحكيم أو التذرع المستمر بوجود مؤامرات خارجية، وهي كلها ممارسات غير مسؤولة تسهم بشكل مباشر في شحن الجماهير بسلبية مقيتة، وتولد لديها إحساسا عميقا بالظلم والاستهداف، مما يهيئها نفسيا وعمليا لولوج المدرجات بنوايا مبيتة وميولات صريحة نحو الانتقام.

وبالموازاة مع ذلك، لا يسعنا أن نغفل عن الدور التخريبي الذي تلعبه بامتياز بعض المنابر الإعلامية والصفحات الرياضية الفاقدة للبوصلة المهنية، عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، فقد تحول هذا الخطاب الإعلامي دون مبالغة إلى شريك مباشر في إنتاج العنف، عبر اتباع سياسة تأليب الجماهير، وتشويه الخصوم، ونشر الأكاذيب، وتأجيج المشاعر بشكل مدروس، مما يؤدي بالضرورة إلى النتائج الصادمة التي نراها في ملاعبنا.

ويفرض هذا العبث الإعلامي الخطير على الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا” التدخل العاجل والصارم لوضع حد لهذا الانفلات المهني، لأنه يفرز شحنا رقميا يحول مباريات كرة القدم إلى ساحات لمعارك حربية افتراضية، سرعان ما تتسرب شرارتها نحو أرض الواقع لتخلف خسائر مادية وبشرية جسيمة.

وفي سياق الحديث عن المقاربة الأمنية والتدابير الوقائية يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه بإلحاح شديد، حول الكيفية التي يُسمح بها أصلا بدخول مشجعين إلى الملاعب وهم يرتدون أقنعة تخفي ملامحهم بشكل كامل، إذ يصعب استيعاب المنطق الأمني الذي يُسمح بموجبه بإخفاء الهوية داخل فضاء يفترض أن يكون خاضعا لأقصى درجات المراقبة والضبط، مما يعقد مهمة الأجهزة الأمنية ويوفر غطاء مثاليا للمخربين للإفلات من العقاب.

ورغم إقرارنا التام بالأهمية القصوى للصرامة الأمنية والحزم القانوني في حماية الأرواح والممتلكات، إلا أن التواتر المقلق لأحداث الشغب يثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن المقاربة الزجرية لوحدها تظل قاصرة وتقف عاجزة عن استئصال هذا الداء العضال من جذوره العميقة، ذلك أن الأجهزة الأمنية قادرة بفضل مهنيتها العالية على إخماد نيران الشغب في زمانه ومكانه، غير أنها لا تمتلك الآليات السوسيولوجية والتربوية الدقيقة الكفيلة بتفكيك البنية الذهنية والعقلية المعقدة التي تنتج وتفرز هذه السلوكيات الإجرامية.

ولضمان صياغة حلول جذرية تتماشى مع التحديات التنظيمية الدقيقة التي تنتظر المغرب، بات من الضروري بلورة استراتيجية وطنية استباقية ومندمجة ترتكز على دعامات متينة، تنطلق من حتمية إعادة الاعتبار لأدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وإشراك المنظومة التعليمية وخبراء علم الاجتماع في استيعاب دينامية المجموعات التشجيعية لدمجهم كشركاء فاعلين، مرورا بالتطبيق الصارم للوائح الأخلاقيات لزجر أي مسؤول أو إعلامي يؤجج الاحتقان، وصولا إلى تسريع وتيرة الرقمنة وتطوير البنية التحتية التكنولوجية للملاعب الوطنية، عبر تعميم تقنيات المراقبة الذكية وفرض نظام التذاكر الاسمية المرتبطة بالهوية، للانتقال من منطق العقاب الجماعي إلى تكريس مبدأ المسؤولية الفردية.

إن القضاء النهائي على آفة شغب الملاعب يمثل ورشا مجتمعيا متكاملا بامتياز، ولئن كان المغرب قد نجح فعليا في إبهار العالم عبر كسب رهان البنيات التحتية المتطورة والدبلوماسية المؤثرة، فإن التحدي الأكبر والأكثر إلحاحا يتجسد أساسا في خوض غمار بناء بيئة رياضية متزنة وعقلية جماهيرية سليمة تليق ببلد يتأهب بكل ثقة واقتدار لاستقبال أنظار العالم في قادم المواعيد الكروية الكبرى.

ظهرت المقالة شغب الملاعب.. مرض مزمن يستنزف رصيدنا الكروي أولاً على مدار21.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤