... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
214767 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7138 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

شبح ديغول: حرب إيران ومستقبل «الناتو»

سياسة
حبر
2026/04/19 - 09:44 501 مشاهدة

نهاية شباط الماضي، ذهبت الولايات المتحدة إلى الحرب دون التشاور مع حلفائها الأوروبيين. ثم لم تلبث أن طلبتم منهم الالتحاق بها، وعندما رفضوا بدأ الرئيس ترامب يلوح بورقة نسف حلف شمال الأطلسي. هذه ليست أول أزمة في تاريخ الحلف، لكنها تختلف اختلافًا نوعيًا عن أزماته السابقة. حيث تبدو المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية بالنسبة لأوروبا ملحة ولا يمكن تجاهلها، فهي تفتقر إلى أي وسيلة واقعية لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، وفي الوقت نفسه يمثل انقطاع تدفقات النفط والغاز من الخليج كارثةً على الاقتصادات الأوروبية، فقد أدت الحرب إلى زيادة تكاليف الوقود في الاتحاد الأوروبي بنحو 16 مليار دولار.

لم تُستشر أوروبا، ولم تُسهم في صياغة الأهداف. ولكن يُطلب منها تحمّل التداعيات الاقتصادية والمخاطر العسكرية لنزاع لم تختره، ولا يُمكنها الانسحاب منه بسهولة، والأهم من ذلك كله، أن الرد الأمريكي على عدم مشاركتها كان قسريًا و«مذلًا» بشكل علني. ومع ذلك، لم تمنع لهجة ترامب القاسية من تبلور ردة فعل أوروبية جماعية غير مسبوقة. فمع اتضاح افتقار الولايات المتحدة للتخطيط والأهداف الاستراتيجية في حربها مع إيران، أكدت أوروبا أن «هذه الحرب ليست حربها».

كل مؤسسة تحمل في بنيتها التأسيسية تناقضات ستؤدي في نهاية المطاف إلى تدميرها أو تحويلها، وحلف شمال الأطلسي، الذي تأسس في عام 1949، ليس استثناءً. لم ينشأ الحلف من متكافئين تربطهم رؤية استراتيجية مشتركة، بل ضمن شروط فرضتها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانت أوروبا مدمرة وعاجزة عن الدفاع عن نفسها، في مقابل صعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة، في مواجهة الاتحاد السوفيتي الذي مثّل تهديدًا أيديولوجيًا وجوديًا. ومنذ البداية، استند التحالف إلى عدم تكافؤ هيكلي، من خلال المظلة النووية الأمريكية والتفوق اللوجستي مقابل الولاء السياسي الأوروبي ودور ثانوي في صياغة الاستراتيجية الجماعية. وبعد أكثر من سبعة عقود بدأت هذه التناقضات التأسيسية في الظهور بقوة لتؤثر على تماسك الحلف، حيث سرّعت الحرب في إيران من مسار تآكل الثقة الأوروبية في الولايات المتحدة والتزامها بالدفاع المشترك، وربما لا يمكن العودة إلى الوضع السابق، لا في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، ولا في ظل الإدارات القادمة.

الحلف قبل «الجدار» وبعده

كانت حرب السويس عام 1956، أول فاصلة في تاريخ الناتو، كشفت بوضوح عن التسلسل الهرمي الحقيقي للقوة داخل الحلف. في تموز 1956، أمّم الرئيس المصري جمال عبد الناصر شركة قناة السويس، التي كانت عملياتها خاضعة لسيطرة مساهمين بريطانيين وفرنسيين منذ عام 1875. كان ذلك أمرًا غير مقبول بالنسبة لباريس ولندن، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل لأنه شكّل تحديًا لما تبقى من بنية الاستعمار الأوروبي والنفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط. فقد مثّلت القناة، التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر وتنقل نحو ثلثي نفط أوروبا آنذاك، بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن، أكثر مجرد ممر مائي، بل رمزًا للقوة البريطانية، وكان فقدانها بمثابة إشارة إلى نهاية دور بريطانيا كقوة عالمية.

ولمنع ذلك، تواطأت فرنسا وبريطانيا سرًا مع «إسرائيل» لشن عملية عسكرية لاستعادة القناة وعزل عبد الناصر، مع إخفاء خططهم عمدًا عن الولايات المتحدة. وعندما علم أيزنهاور بالغزو، من خلال تقارير وكالة المخابرات المركزية، استشاط غضبًا، وكان رد فعله سريعًا وحاسمًا في اتجاه منع حلفائه من مواصلة المغامرة. ونتيجة لذلك، أظهرت الأزمة أن بريطانيا وفرنسا لم تعودا قادرتين على انتهاج سياسة خارجية مستقلة دون موافقة الولايات المتحدة. حيث استخدمت واشنطن الضغوط المالية والدبلوماسية، لإجبار حلفائها على التخلي عن عمليتهم العسكرية في ظروف مهينة.

ورغم الدعاية الأمريكية التي صور فيها الأمريكيون أنفسهم كمناهضين للاستعمار، مع أن مغامراتهم الإمبريالية لاحقًا سرعان ما بددت هذا التصور، فإن الدرس الذي استوعبته فرنسا على وجه الخصوص كان قاسيًا. فقد بلغ الضرر الذي لحق بالعلاقات بين باريس وواشنطن ذروته في قرار الرئيس ديغول عام 1966 بالانسحاب من حلف الناتو، وحفزت هذه الأزمة فرنسا على تسريع برنامجها النووي. فقد استخلصت الطبقة الحاكمة الفرنسية استنتاجًا عقلانيًا مفاده أن الاعتماد الاستراتيجي على أمريكا ليس شراكة بل تبعية مقنعة. في المقابل اتجهت بريطانيا مسارًا معاكسًا لفرنسا، فقد رأى رئيس الوزراء هارولد ماكميلان أن بريطانيا «يجب أن تحذو حذو الأثينيين الذين كانوا يقدمون المشورة للإمبراطورية الرومانية، مقربين للقوة المهيمنة، لا منافسين لها». وقد شكّل هذا التباين الفرنسي البريطاني في الثقافة الاستراتيجية، الذي نشأ في عام 1956، النقاشات الدفاعية الأوروبية منذ ذلك الحين.

لا يزال شارل ديغول الزعيم الأوروبي الوحيد الذي بذل في فترة ما بعد الحرب محاولة جادة لبلورة وإضفاء الطابع المؤسسي على الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي عن النفوذ الأمريكي. استند نقد ديغول لحلف الناتو إلى ثلاثة ادعاءات مترابطة. أولًا، أن تحالفًا تبقى فيه جميع القرارات الاستراتيجية في نهاية المطاف بيد واشنطن لا يمكن أن يكون إطارًا حقيقيًا للدفاع الجماعي، بل هو حماية أمريكية ذات امتدادات أوروبية. وثانيًا، أن مصالح الولايات المتحدة ومصالح أوروبا، وإن كانت متداخلة، ليست متطابقة دائمًا، وأن لحظات الاختلاف ستُحسم دائمًا لصالح واشنطن ضمن الهيكل القائم. وأخيرًا، أن السيادة الأوروبية الحقيقية تتطلب قدرة مستقلة على استخدام القوة -بما في ذلك القوة النووية- لا تعتمد على تفويض أمريكي.

لم يؤدِ انسحاب ديغول من القيادة المشتركة لحلف الناتو في نهاية المطاف إلى انهيار الحلف. فقد أجبر الانسحاب جميع الدول الأعضاء على إزالة قواعدها الفرنسية، واضطر الناتو نفسه إلى نقل مقره العسكري من فرنسا إلى بلجيكا، لكن الحلف صمد. حتى عادت فرنسا وانضمت للحلف مرة أخرى، في عهد ساركوزي عام 2009. وهو ما أظهر أن «الثورة الديغولية» كانت ناقصة لأنها جرت تحديدًا في ظل قيود الحرب الباردة، فقد جعل التهديد السوفيتي الانسحاب الأمريكي الكامل أمرًا لا يُتصور، والاعتماد الأوروبي على الذات غير كافٍ على أرض الواقع. لكن السؤال الأعمق، الذي طرحه ديغول ما زال قائمًا، وهو، في ظل أي ظروف يصبح الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي ضروريًا؟ والإجابة ربما بدأت تتبلور الآن، وهي عندما تعيد الولايات المتحدة تعريف مصالحها الاستراتيجية بشكل فعلي بطرق لا تختلف فقط عن المصالح الأوروبية، بل تهددها بشكل مباشر، كما يحدث اليوم سواءً في إيران أو حتى أوكرانيا.

بعد تفكك قيود الحرب الباردة، تحول انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى معضلة وجودية أمام الناتو، وهو الذي أُنشئ لردع القوة العسكرية السوفيتية في أوروبا. وكان الرد المنطقي، إما حلّ الحلف أو إعادة التفاوض جذريًا على غايته وأعضائه وآلية إدارته. إلا أن أيًا من هذين الخيارين لم يحدث. حيث أعيد تصور حلف شمال الأطلسي كمنظمة «أمنية تعاونية» تضمنت مهمتها هدفين رئيسيين، تعزيز الحوار والتعاون مع الخصوم السابقين في حلف وارسو، و«إدارة» النزاعات في المناطق الواقعة على أطراف أوروبا، مثل البلقان. وفي الواقع كان مصطلحا «الأمن التعاوني» و«إدارة الصراع» تعبيرين ملطفين لتوسيع نطاق النظام الرأسمالي الغربي تحت التوجيه الاستراتيجي الأمريكي. 

في هذا السياق، توسع الحلف فاستوعب على مدى العقود الثلاثة اللاحقة جميع دول أوروبا الشرقية تقريبًا، والتي كانت سابقًا ضمن النفوذ السوفيتي. وكان هذا التوسع مدفوعًا بقوتين رئيسيتين، هما المنطق الجيوسياسي للهيمنة الأمريكية، التي سعت إلى ترسيخ «القطبية الأحادية» عبر توسيع نطاق نفوذها شرقًا، والمصالح السياسية الداخلية للطبقات الحاكمة في أوروبا الشرقية، التي سعت إلى ضمانات أمنية، والأهم من ذلك، إلى التكامل الاقتصادي الذي تنطوي عليه عضوية حلف الناتو. أما مصالح الأعضاء الأوروبيين الغربيين، فكانت في أحسن الأحوال اعتبارات ثانوية. وفي هذه الفترة شهدنا تحوّلًا في الطابع العملياتي للحلف. فقد أسفرت الحرب الجوية التي استمرت 78 يومًا ضد يوغوسلافيا عن ظهور حلف ناتو جديد، يتبنى استراتيجية تدخلية جديدة للمستقبل. وكان لهذا التغيير في سلوك الناتو عواقب وخيمة.

أدى مسار تطور حلف الناتو بعد الحرب الباردة إلى تحويله من أداة للدفاع الجماعي إلى إطار تُفعّل من خلاله التفضيلات الاستراتيجية الأمريكية بغطاء من الشرعية متعددة الأطراف. فعندما قررت الولايات المتحدة قصف يوغوسلافيا، تم ذلك من خلال الناتو. وعندما قررت غزو أفغانستان، حذا الناتو حذوها. وبالتالي أصبح الحلف عمليًا، رديفًا للقوة الأمريكية، يمكن للدول الأوروبية إما تأييده أو الصمت تجاه سلوكه دون معارضة. وظلت القيود المادية للاعتماد الأمني حائلًا قويًا أمام أي مقاومة أوروبية ، فنشأت حالة من التبعية المُدارة. فقد كان الأوروبيون يتذمرون من الأحادية الأمريكية لكنهم استمرّوا في الاعتماد على القوة العسكرية الأمريكية للدفاع عن أنفسهم. وكان هدف إنفاق الناتو البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي تجاهلته معظم الدول الأوروبية لعقود، دليلًا على هذا التناقض، حيث استفادت الدول الأوروبية من الدعم الأمني الأمريكي لأنها كانت تعلم أن الأمريكيين سيقدمونه على أي حال، ولم تكن لدى ناخبيها ولا حكوماتها رغبة في الإنفاق اللازم لتحقيق استقلال استراتيجي حقيقي.

«استقلال» يبحث عن إجماع

اليوم، في اللحظة الإيرانية-الأوكرانية المركبة، وصل هذا المسار إلى نفق مسدود. فلا يمكن الإجابة على مسألة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بالتصريحات الدبلوماسية، بقدر ما يحتاج الأمر تقييمًا ماديًا واقعيًا للقدرات، وهنا تبدو الصورة أقل تفاؤلًا بكثير من الخطابات. ويتوزع النقاش الأوروبي الحالي حول مستقبل حلف الناتو حول ثلاثة مواقف، تعكس وجهات نظر استراتيجية مختلفة متجذرة في مصالح مادية مختلفة.

الموقف الأول الذي تتبناه فرنسا بثبات، وتتبناه ألمانيا بشكل متزايد في عهد المستشار ميرتس، والساعي إلى إعادة التوازن الاستراتيجي. في مؤتمر ميونخ للأمن مطلع العام الحالي، أكد المستشار الألماني على أن النظام القائم على القواعد الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية «لم يعد موجودًا»، وكشف لأول مرة أن ألمانيا دخلت في مناقشات مع فرنسا لتطوير ردع نووي أوروبي. وهو موقف لا يرفض استمرار وجود حلف شمال الأطلسي ولكنه يسعى إلى إعادة توزيع السلطة داخله بشكل جذري، وتحويله من مؤسسة تقودها الولايات المتحدة مع ملحقات أوروبية إلى شراكة عبر الأطلسي متوازنة حيث يكون للتفضيلات الاستراتيجية الأوروبية وزن متساوٍ. 

أما الموقف الثاني، الذي تتبناه بولندا ودول البلطيق، فيقوم على نزعة أطلسية مشروطة. تدعم هذه الدول زيادة الإنفاق والقدرات الدفاعية الأوروبية، كوسيلة لضمان استمرار الانخراط الأمريكي، لأنها تخشى أن أي إضعاف للرابط عبر الأطلسي يمكن أن يؤدي إلى توسع روسي في المنطقة. وأخيرًا الموقف الذي يتبناه بشكل متزايد الدول الأعضاء الأصغر في الاتحاد الأوروبي وبعض أطياف اليسار الأوروبي، وسمته الأساسية التشكيك البنيوي، وهو الرأي القائل بأن لا إصلاح حلف الناتو ولا إعادة تسليح أوروبا يعالجان المشكلة البنيوية الكامنة بشكل كافٍ، وأن الحلّ الجذري هو القطع مع سياسة المواجهة مع روسيا والبحث عن مشتركات معها والتحرر من هيمنة واشنطن السياسية قبل الهيمنة الدفاعية. ولا يجد هذا الموقف قبولًا كبيرًا بين الطبقات الحاكمة الأوروبية ولكنه يكشف أن التحالف المبني على منطق المواجهة بين الكتل لا يمكن إصلاحه ليصبح بنية أمنية تعاونية حقيقية دون تفكيك افتراضاته الأساسية.

لكن السؤال في هذا الوضع الراهن، هل تمثل أزمة إيران اللحظة التي يتحول فيها الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي من مجرد طموح إلى ضرورة، كما أجبرت لحظة السويس 1956 فرنسا على استخلاص الدروس؟ هناك حتى الآن حجج تدعم هذا الاستنتاج. فالظروف الهيكلية التي حالت دون نجاح مشاريع الاستقلال الأوروبي السابقة، وعلى رأسها التهديد العسكري السوفيتي، الذي جعل الحماية النووية الأمريكية غير قابلة للتفاوض، لم تعد قائمة بنفس الشكل. صحيح أن روسيا ما زالت التهديد الرئيسي في أوروبا، لكنها ليست القوة العسكرية المهيمنة التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة. لا سيما مع وجود ثلاثة عوامل تميز الوضع الراهن عن دورات التوتر عبر الأطلسي السابقة، وهي إجماع الحزبين في الولايات المتحدة على أن الصين هي التحدي الاستراتيجي الرئيسي، وتشكيك صريح غير مسبوق من قبل الإدارة الأمريكية في التزامات المادة الخامسة (الدفاع المشترك)، وتعديلات ملموسة في وضع القوات تعكس أولوية منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وجميعها تشير إلى تغيير هيكلي وليس دوريًا.

مفترق طرق

ومع ذلك، توجد اختلافات جوهرية عن أزمة السويس. ففي عام 1956، كانت فرنسا دولة ذات سيادة، تتمتع بسلطة مركزية قادرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتنفيذها. أما الاتحاد الأوروبي فليس كيانًا مركزيًا، إذ يتعين على حكوماته الأعضاء الـ27 التوصل إلى توافق في الآراء بشأن المسائل الدفاعية، في وقتٍ تتباين مصالحها المادية وتصوراتها للتهديدات تباينًا حادًا. علاوة على ذلك، فإن الترابط الاقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا، في التجارة والتمويل والتكنولوجيا وتبادل المعلومات الاستخباراتية، يفرض قيودًا هائلة على الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، لم تواجها فرنسا عام 1956.

لذلك سيكون الانسحاب من الحلف أو حتى الاستقلال الاستراتيجي عنه، أصعب مما يتصور. وبالتالي فمن المرجح ألا تكون النتيجة قطيعة تامة، بل مسارًا طويلًا من إعادة توازن فوضوية ومطولة وغير متكافئة، وهو تحديدًا ذلك النوع من التحول الهيكلي الذي يصعب إدراكه بوضوح. وهذه الضبابية تدفع إلى تجنيب أي تقييم موضوعي للوضع الراهن لإغراء التنبؤات الدرامية. فالتاريخ لا يقدم أمثلة كثيرة على انهيار سريع لمؤسسات دولية كبرى، حتى في ظل ضغوط شديدة. والمسار الأرجح هو استمرار حلف الناتو رسميًا مع تآكل جوهره العملياتي، بالتزامن مع بناء تدريجي لهياكل دفاعية أوروبية يمكن أن تمارس استقلالية استراتيجية في المسائل التي تتباين فيها المصالح الأمريكية والأوروبية.

تمثل استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية تجاه أوروبا والحلف عبر الأطلسي، إذ تعيد صياغة مفهوم الأمن في حلف الناتو وأوروبا وفقًا لمبادئ المنفعة المتبادلة، وتؤكد على «تقاسم الأعباء». ولذلك من المرجح أن تصبح القوات الأمريكية في أوروبا أقل كثافة، وأكثر تناوبًا. وقد يخلق هذا التحول الهيكلي اقتصادًا سياسيًا جديدًا للاستثمار الدفاعي الأوروبي. لكن هذه الديناميكية تنطوي أيضًا على تناقضاتها الخاصة. فالاستثمار الدفاعي الأوروبي مدفوع حاليًا بالدرجة الأولى بالتهديد الروسي، وبشكل متزايد، بالحاجة إلى إثبات جدواه لواشنطن. كما لا يزال يفتقر إلى رؤية استراتيجية أوروبية متماسكة تختلف صراحةً عن التفضيلات الأمريكية. وحينما تتبلور هذه الرؤية – على سبيل المثال إذا قررت أوروبا أن التعامل مع إيران دبلوماسيًا بدلًا من الضغط العسكري يخدم مصالحها بشكل أفضل – ستتفاقم التوترات الهيكلية داخل التحالف، وهو ما بدأت مؤشراته بالظهور.

يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت هذه الاستقلالية ستترجم إلى استقلال استراتيجي حقيقي، أي قدرة أوروبية على العمل عسكريًا دون تفويض أمريكي، وتطوير علاقات أمنية مع قوى أخرى وفقًا للمصالح الأوروبية لا الأمريكية، ومقاومة منطق المواجهة العسكرية الدائمة الذي طبع النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. فالعقبات الهيكلية حقيقية، وأساسها المصالح المتباينة داخل أوروبا نفسها وخاصة الثقافة السياسية الأوروبية التي تعودت على التبعية. لكن مسار الأمور، ولأول مرة منذ سبعة عقود، قد تغير فعلًا. فشبح ديغول يعود للظهور مجددًا، وهذه المرة ليس في دولة واحدة، بل عبر قارة بأكملها. وتجسده النهائي سيعتمد على قدرة الطبقات الحاكمة الأوروبية على تجاوز التناقضات البنيوية لاقتصادها السياسي وبناء الأساس المادي لقوة جماعية حقيقية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤