صفاقس العثمانية: بين المُقاومة والاستغاثة

الأستاذة داليا السليمي - خاص ترك برس
مقدمــة
شهدت تونس خلال أواخر القرن التاسع عشر تحولات سياسية وعسكرية عميقة، في سياق تصاعد التنافس الاستعماري الأوروبي، ولا سيما التوسع الفرنسي في شمال إفريقيا، الذي استهدف إحكام السيطرة على الموانئ الاستراتيجية والمسالك التجارية الحيوية. وقد مثل هذا التوسع جزءًا من مشروع استعماري أوسع سعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة المتوسطية، مستفيدًا من التراجع التدريجي للدولة العثمانية في الإشراف الفعلي على ولاياتها.
وفي هذا الإطار، وجدت الإيالة التونسية نفسها في وضع هش، تتنازعها الضغوط الخارجية من جهة، وإكراهات الداخل من جهة أخرى، وهو ما أفرز اختلالًا في التوازنات السياسية والعسكرية، وفتح المجال أمام التدخل الأجنبي المباشر. ضمن هذا السياق المضطرب، برزت صفاقس بوصفها فضاءً استراتيجيًّا محوريًّا، ليس فقط باعتبارها ميناءً نشطًا على الساحل الشرقي، بل أيضًا باعتبارها نقطة تفاعل معقدة بين المصالح الاقتصادية والشّبكات الاجتماعية والقبلية.
وتكتسب الوثائق العثمانية، المحفوظة ضمن سلسلة يلـــدز بالأرشيف العثماني بإسطنبول، أهمية منهجية خاصّة، إذ لا تقتصر على نقل الوقائع، بل تكشف عن تمثلات الفاعلين وآليات اتخاذ القرار، من خلال ما تتضمنه من مراسلات وتقارير رسمية دقيقة. فهي تمكّن الباحث من إعادة بناء الحدث التاريخي من الداخل، وتبرز طبيعة العلاقة الديناميكيّة بين المركز العثماني والفاعلين المحليين، بما يجعلها مدخلًا أساسيًّا لإعادة قراءة تاريخ المقاومة بعيدًا عن السّرديات الاختزالية أو الأحادية. وانطلاقًا من ذلك، تطرح تجربة صفاقس إشكالية مركزية تتمثل في: كيف استطاعت المدينة أن توفق بين المقاومة العسكرية الميدانية والسّعي إلى اكتساب الشرعية العثمانية؟ وإلى أي مدى تعكس هذه الوثائق وعيًا استراتيجيًّا لدى الفاعلين المحليين في إدارة الصراع؟
الميــدان
مع تصاعد التهديد الفرنسي واقتراب القوات البحرية من السواحل التونسية، بادرت صفاقس إلى تعزيز بنيتها الدفاعية، من خلال تدعيم التحصينات وتنظيم المراقبة الساحلية لرصد التحركات البحرية المعادية. وتكشف الوثائق العثمانية عن وجود تنظيم داخلي دقيق، قائم على توزيع الأدوار بين الأحياء، والتنسيق مع المناطق المجاورة، في إطار شبكة دفاعية شبه منتظمة، وهو ما يعكس خبرة محلية متراكمة في إدارة الأزمات.
ومع اندلاع القصف الفرنسي، تقدم إحدى الوثائق وصفًا دقيقًا لوصول البوارج وبداية القصف العنيف على المدينة، وما خلّفه من آثار مأساوية تمثلت في سقوط الضحايا وتشريد الأهالي، مع تأكيد واضح على تمسك السّكان بهويتهم العثمانية وولائهم للدولة العلية، ومناشدتهم السلطان التدخل العاجل لإنقاذهم (Y. PRK. UM 4-62 LEF 4). ويبرز من خلال هذا الوصف أن الصدمة العسكرية لم تُفضِ إلى انهيار معنوي، بل عززت الشّعور بالانتماء السّياسي والديني.
في هذا السياق، برزت القيادة المحلية بوصفها عنصرًا حاسمًا في تنظيم المقاومة، وعلى رأسها علي بن خليفة، أحد أبرز القادة العسكريين في الجنوب التونسي خلال هذه المرحلة. وتؤكد وثيقة مؤرخة في 11 شعبان 1298هـ/9 جويلية 1881م اندلاع المواجهات المسلحة بين الأهالي والقوات الفرنسية، مع إبراز الدور القيادي لعلي بن خليفة في تعبئة المجاهدين وتنظيمهم والدعوة إلى الجهاد (Y. PRK. UM 4-62 LEF 2). ويعكس هذا الدور انتقال المقاومة من رد فعل عفوي إلى فعل منظم يستند إلى قيادة واضحة ورؤية ميدانيّة.
غير أن هذه المقاومة واجهت تحديات لوجستية كبيرة، حيث تشير مراسلات عسكرية إلى نقص في البارود وتعثر وصول الإمدادات من الداخل، إضافة إلى صعوبات تموين المقاتلين في ظل الحصار، وهو ما أثر بشكل مباشر في استمرارية العمليات العسكرية (Y. PRK. ASK 8-8 LEF 1 C). وتكشف هذه المعطيات عن حدود الإمكانيات المحلية في مواجهة قوة استعمارية منظمة ومجهّزة.
ورغم هذه الصعوبات، شكلت الروابط القبلية عنصرًا داعمًا أساسيًّا، إذ تفيد وثيقة مؤرخة في 8 جويلية 1881م بوجود تعبئة واسعة للقبائل التي قدمت من مختلف المناطق لمساندة صفاقس، معبرة عن استعدادها للدفاع المشترك، ومؤكدة في الوقت ذاته ولاءها للسّلطان العثماني وانتظارها قدوم الـدعم العسكري (Y. PRK. UM 4-62 LEF 8). ويبرز هنا تداخل البعدين المحلي والمركزي العثماني في تشكيل وعي المقاومة.
كما تكشف تقارير أخرى عن رصد دقيق لتحركات القوات الفرنسية وتأثير القصف البحري على المدينة، ضمن تقارير مـــرفوعة إلى الإدارة العثمانية لمتـــابعة تطورات الوضع (Y. PRK. UM 4-62 LEF 1). ويعكس ذلك أن المقاومة لم تكن مجرد مواجهة مباشرة، بل تضمنت أيضًا بعدًا استخباراتيًّا وتنظيميًّا متقدمًا.
الدبلوماسيّة
بالتوازي مع العمل العسكري، لجأت صفاقس إلى توظيف القنوات الدبلوماسيّة، من خلال توجيه رسائل استغاثة إلى السلطان العثماني، تعبر عن تمسك الأهالي بالخلافة وطلبهم التدخل العسكري العاجل (Y. PRK. UM 4-62 LEF 4 A). وتكشف هذه الرسائل عن إدراك عميق لأهمية الشرعية السياسية في إدارة الصراع.
فعلى المستوى السياسي، سعت هذه الخطابات إلى تأكيد الانتماء للدولة العثمانية ورفض السيطرة الفرنسية، في محاولة لإضفاء شرعية قانونيّة على المقاومة، وتحويلها من حركة محلية إلى قضية مرتبطة بسيادة الدولة (Y. PRK. ASK 8-8 LEF 1 D). وهو ما يعكس وعيًا بآليات التدويل السياسي للنــزاع.
أما على المستوى العملي، فقد لعبت هذه المراسلات دورًا مهمًا في نقل صورة دقيقة عن الوضع الميداني، حيث تضمنت معطيات حول الخسائر البشرية، ونقص الموارد، وصعوبات التّموين (Y. PRK. UM 4-62 LEF 8)، وهو ما مكّن السلطة المركزية من متابعة الأحداث واتخاذ المواقف المناسبة، حتى وإن كانت محدودة في ظل الظروف العامة للدولة.
وعلى المستوى الرمزي، استُثمر الخطاب الديني، ولا سيما مفاهيم الجهاد والدفاع عن دار الإسلام، كوسيلة لتعزيز التعبئة الداخلية وتوحيد الصفوف، وهو ما أضفى على المقاومة بعدًا شرعيًّا يتجاوز الإطار المحلي.
وفي مقابل ذلك، تكشف المقارنة مع المصادر الفرنسية عن تباين واضح في السرديات، حيث سعت الرواية الاستعمارية إلى تقزيم المقاومة وتصويرها كحركات اضطراب محلّي، في حين تقدم الوثائق العثمانية صورة لمقاومة منظمة ذات امتداد سياسي ودينيّ.
النتائج
تكشف الوثائق العثمانية أن تجربة صفاقس تمثل نموذجًا مركبًا للمقاومة، يجمع بين الفعل العسكري والتنظيم الاجتماعي والتّوظيف السياسي والديني للشرعية. كما تبرز أن العلاقة مع الدولة العثمانية لم تكن علاقة تبعية سلبيّة، بل تفاعلًا استراتيجيًّا سعى فيه الفاعلون المحليون إلى توظيف هذا الارتباط لخدمة أهدافهم.
وتبرز هذه الوثائق كذلك أهمية المعلومة بوصفها عنصرًا حاسمًا في إدارة الصراع، من خلال التوثيق المستمر للأحداث، ونقلها إلى المركز، بما يسمح بتشكيل صورة دقيقة عن مجريات الوضع. كما تكشف عن شبكة معقدة من العلاقات بين المدينة ومحيطها القبلي، ودور هذه الشبكة في دعم المقاومة ماديًا وبشريًّا.
ومن الناحية المنهجية، تفرض هذه المعطيات ضرورة اعتماد قراءة نقدية متعددة المصادر، تقوم على مقارنة الوثائق العثمانية بنظيراتها الفرنسية، وتحليل سياق إنتاجها وخطابها، بما يسمح بفهم أعمق لطبيعة الصراع وتباين تمثّــلاته.
خاتمة
تبرز تجــربة صفاقس خلال الغزو الفرنسي نموذجًا متقدمًا للمقاومة، قائمًا على التكامل بين العمل الميداني والدبلوماسي. وتؤكد الوثائق العثمانيّة أن هذه المقاومة لم تكن عفوية، بل اعتمدت على تنظيم محكم وتخطيط استراتيجي، مدعوم بوعي سياسيّ وديني واضح. وعليه، تمثل هذه الوثائق مصدرًا أساسيًّا لإعادة كتابة تاريخ المقاومة التّونسية، بما يتيح تجاوز السرديات الاختزالية، وإبراز تعقيد التجــربة التاريخية في المدن السّاحلية خلال الفترة الحديثة.





