صدمة العزوف عن الزواج في إحصاء الدولة.. هل ينصت مشرع مدونة الأسرة.. أم يتجاهل؟
أعاد التقرير الأخير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، (مؤسسة تابعة للدولة) والذي كشف أن أكثر من 51% من الرجال لا يرغبون في الزواج، فتح نقاش مجتمعي عميق حول مستقبل مؤسسة الأسرة في المغرب.
رقم صادم للبعض، لكنه بالنسبة لآخرين يعكس واقعاً يتشكل بصمت منذ سنوات داخل المحاكم، ووسط تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستأخذ مدونة الأسرة المرتقبة هذه المؤشرات بعين الاعتبار، أم أن المشرع سيمضي في اتجاهات قد تزيد من تعقيد العلاقة بين الرجل والمرأة بدل تحقيق التوازن المنشود؟.
من واقع الاطلاع على ملفات المحاكم المختصة، تبدو صورة العلاقات الأسرية أكثر تعقيداً مما تعكسه الخطابات العامة. فالكثير من قضايا الزواج تنتهي إلى طلاق، وأحياناً باتفاق الطرفين، في مؤشر على هشاشة الروابط أكثر من كونه صراعاً بين طرفين.
كما أن بعض العلاقات لم تعد تُؤطر بالزواج أصلاً، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى جاذبية الإطار القانوني الحالي نحو قيام القلوب والإيجاب تحت سقف بيت الزوجية.
غير أن اختزال أسباب العزوف عن الزواج في عامل واحد، كمدونة الأسرة أو ما يُتداول بشأنها، قد يكون تبسيطاً مخلّاً.
أكاد أجزم أنه في الأول والآخر،
تبقى ثلاثية الأصل والحب والصبر ..
سر نجاح أي مشروع زواج
مهما كانت القوانين
أكثر عدلاً أو أقل إنصافاً.
فالمسألة أعمق، وترتبط أيضاً بارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الاستقرار المهني، وتغير تمثلات الأدوار داخل الأسرة، فضلاً عن تطور وعي النساء بحقوقهن ورغبتهن في الاستقلال الاقتصادي.
في المقابل، يثير الجدل حول بعض التعديلات المرتقبة في مدونة الأسرة المغربية مخاوف لدى فئة من الرجال، الذين يرون فيها اختلالاً محتملاً في التوازن داخل الأسرة، خاصة فيما يتعلق بالحضانة والنفقة والالتزامات المالية بعد الطلاق. لكن هذا الطرح، في كثير من الأحيان، يُقابل برأي آخر يعتبر أن أي إصلاح قانوني يجب أن ينطلق من مبدأ الإنصاف وحماية الطرف الأكثر هشاشة، والذي غالباً ما تكون المرأة أو الأطفال.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن مؤسسة الزواج تعيش مرحلة إعادة تعريف. لم يعد الزواج مجرد واجب اجتماعي، تفرضه مجموعة من التعاليم والقوانين والأعراف..
بل أصبح خياراً فردياً تحكمه حسابات معقدة، مادية ونفسية وقانونية.
وبالتالي، فإن أي إصلاح لمدونة الأسرة ينبغي أن يتجاوز منطق “الانتصار لطرف” على حساب آخر، ويتجه نحو بناء توازن حقيقي قائم على المسؤولية المشتركة.
في هذا الصدد، فإن نتائج التحقيق الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط لا ينبغي أن تُقرأ كأرقام جامدة، بل كإشارة إنذار تستوجب الإصغاء والتحليل.
فالعزوف عن الزواج ليس مجرد موقف فردي، بل ظاهرة لها انعكاسات ديموغرافية واجتماعية عميقة.
في النهاية، الرهان الحقيقي ليس في تعديل النصوص فقط، بل في إعادة الثقة في مؤسسة الزواج نفسها.
فبدون شعور الطرفين بالأمان والإنصاف، سيظل الزواج خياراً مؤجلاً أو مرفوضاً.
وأكاد أجزم أنه في الأول والآخر، تبقى ثلاثية الأصل والحب والصبر .. سر نجاح أي مشروع زواج مهما كانت القوانين أكثر عدلاً أو أقل إنصافاً.
*محمد نبيل
The post صدمة العزوف عن الزواج في إحصاء الدولة.. هل ينصت مشرع مدونة الأسرة.. أم يتجاهل؟ appeared first on Le12.ma.




