صافرات الإنذار في ازويرات.. صوت المناجم والحرب وذاكرة مدينة لا تنسى
ازويرات: سيد أحمد بوبكر سيره
تتوقف حركة الشاحنات والسيارات والحفارات، ويضغط أحد العمال على زر تشغيل صافرات الإنذار لتبدأ بالدوي، مُنبّهة سكان مدينة ازويرات إلى أن موعد التفجير قد حان، وبعد لحظات، تدوي التفجيرات في منجم افديرك بمنطقة كدية جل، ويتناثر الغبار في المكان.
اعتاد عمال الشركة الوطنية للصناعة والمناجم “سنيم” على سماع هذه الصافرات، كما أصبحت جزءا من حياة سكان مدينة ازويرات، إذ ظلت، إلى عهد قريب، تنظم أوقاتهم وتشكل جزءا من روتينهم اليومي.
وفي منجم افديرك، يضع عمال متخصصون اللمسات الأخيرة لتثبيت مادة “نترنت نيوم” داخل الحفر وربطها بالأسلاك، بينما يتواصلون عبر أجهزة اللاسلكي مع رئيس قسم التفجير في كدية جل، الذي يتولى الإشراف على العملية.
وقال رئيس القسم، سيدي محمد الطاهر، إنه قبل بدء مرحلة التفجير يتم إخلاء المنطقة المحيطة بالمنجم من السيارات والشاحنات والسكان المحليين، مع إغلاق الطرق المؤدية إلى موقع التفجير.

وأضاف ولد الطاهر، في تصريح لصحراء ميديا، أن صافرات الإنذار تُطلق ثلاث مرات لتنبيه الموجودين في المنطقة إلى ضرورة الابتعاد عن موقع الانفجارات، قبل إعطاء الأمر للمفجر بتنفيذ العملية بعد خمس دقائق.
تبقى صافرات الإنذار جزءا من حياة سكان ازويرات وذاكرتهم الجماعية. تستعيد مريم كعباش تلك الأصوات التي كانت تنبه السكان إلى موعد بدء الدوام صباحا، وتحذرهم من المخاطر.
إيقاع العمل
كانت الصافرات تُطلق يوميا في ازويرات؛ يبدأ السكان يومهم على وقعها، ويعود العمال من المناجم على صوتها. وظلت، لعقود، جزءا أصيلا من تفاصيل الحياة اليومية، تنظم الوقت في مدينة لم تكن وسائل الاتصال الحديثة قد وصلت إليها بعد.
وتقول بنت كعباش إن المدينة ضمت أربع مجموعات من صافرات الإنذار، لكل واحدة منها وظيفة محددة، وتُطلق بحسب المهمة المخصصة لها.
وتضيف أن إحدى الصافرات كانت مثبتة فوق مبنى السينما وسط المدينة، وتُستخدم لإيقاظ عمال “سنيم” صباحا، إيذانا بتوجههم إلى حافلات الشركة التي تقلهم إلى المناجم.
هناك، يبدأ العمال يوما طويلا من العمل، يترقبون الصافرات تعلن موعد الاستراحة، ثم أخرى تُطلق عند منتصف النهار إيذانا بانتهاء الفترة الصباحية، في وقت كان العمل في “سنيم” يجري بنظام الفترتين، الصباحية والمسائية.
أدوار إنسانية
لم يقتصر دور صافرات الإنذار في ازويرات على تنظيم حياة عمال “سنيم”، بل امتد إلى أدوار إنسانية أخرى، ففي حال اختفاء أحد السكان، كانت أسرته تبلغ السلطات، التي تطلق الصافرات لتنبيه السكان إلى المشاركة في البحث عنه، أو إبلاغ الأمن إذا كانت لديهم معلومات عن آخر مكان شوهد فيه أو عثروا عليه.
وتقول بنت كعباش، وهي متقاعدة من شركة “سنيم”، إن دوي صافرات الإنذار كان يعني استنفارا جماعيا للبحث عن أحد السكان المفقودين، ما يدفع الجميع، بمن فيهم المدنيون، إلى الانخراط في رحلة البحث والمساعدة في العثور عليه.

ولم تقتصر علاقة هذه الصافرات بسكان ازويرات على العمل والطوارئ، بل شاركتهم أيضا أفراحهم، إذ كانت تبشر بحلول شهر رمضان وعيد الفطر ودخول شهر ذي الحجة.
أما اعل ولد امخيطر، المتقاعد من شركة “سنيم”، فيستعيد زمنا كانت فيه حياة السكان تسير على إيقاع صافرات الإنذار، حين كانت وسيلة الاتصال الأبرز، وعلى دويها يبدأ دوام العمل في الشركة وينتهي.
ويقول ولد امخيطر إن السكان كانوا يواجهون صعوبة في معرفة ثبوت رؤية هلال رمضان أو شوال، لذلك تولت “سنيم” عبر صافرات الإنذار إعلان تلك المناسبات، وكان صوتها يتردد بين سلاسل الجبال المحيطة بمدينة ازويرات.
إنذار الحرب
تعرضت مدينة ازويرات، خلال سنوات حرب الصحراء في سبعينات القرن الماضي، لهجمات نفذها مسلحون من جبهة البوليساريو، ويعد هجوم الأول من مايو 1977، الذي تزامن مع عيد العمال، من أعنف تلك الهجمات وأكثرها تأثيرا.
واستهدف الهجوم الأحياء السكنية التابعة لعمال “سنيم”، وأسفر عن أسر عدد من العمال المدنيين والأجانب، كما أدى إلى مقتل نحو 26 شخصا، ما ترك جرحا عميقا في ذاكرة السكان.
وفي تلك الفترة، نصب الجيش الموريتاني صافرات إنذار داخل ثكنة عسكرية، كانت تُطلق عند وجود خطر، لتنبيه الجنود إلى ضرورة التأهب والاستعداد، في وقت كانت البلاد تخوض حربا مع جبهة البوليساريو.
وتقول مريم كعباش إن صافرات الإنذار كانت تدوي ثلاث مرات، في إشارة إلى استنفار عناصر الجيش وضرورة توجههم إلى الثكنة العسكرية استعدادا لأي هجوم محتمل على ازويرات.
ومع وصول أبراج الاتصالات إلى المدينة وتطور وسائل التكنولوجيا، خفت حضور صافرات الإنذار في الحياة اليومية للسكان، ولم يبق منها سوى تلك المستخدمة في المناجم، التي لا تزال تُطلق قبل كل تفجير لتحذير السكان والعمال من الاقتراب من المنطقة.





