رسالة إلى بنسعيد وفتاه: إن لم تستحوا فافعلوا ما شئتم
لم يعد ما يصدر عن وزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، مجرد مواقف عابرة أو ردود فعل معزولة، بل تحول إلى نهج واضح يقوم على استهداف الأصوات الإعلامية المزعجة، وفي مقدمتها جريدة “عبّر.كوم”، هذا السلوك الذي نعتبره أرعن، لا ينسجم مع روح المسؤولية الحكومية، ولا مع الدور المفترض لمن يتولى الإشراف على قطاع التواصل وحماية حرية التعبير.
الوقائع تكشف عن انخراط مباشر في صراع مع منبر إعلامي، باستعمال أدوات رقمية وآليات تبليغ تضغط على حضور الجريدة في منصات التواصل الاجتماعي، ولم يعد الأمر يتعلق باختلاف في الرأي أو حق في الرد، بل بمحاولة فرض ميزان قوى مختل، يستند إلى النفوذ بدل الحجة، وإلى التأثير بدل النقاش المفتوح.
والوزير بنسعيد ومعه كاتبه العام في قطاع الثقافة، استغلالا للأسف موقعهما للتأثير على الفضاء الرقمي والضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الإعلاميين، بعد تحويلهما الإمكانيات المرتبطة بالمنصب إلى وسائل للضغط، وبالتالي أصبح النقاش العمومي مهدداً، وتفقد حرية التعبير أحد أهم شروطها المتمثلة في الاستقلال عن السلطة.
الأخطر في هذا المسار هو تطبيع هذا السلوك، وكأنه جزء عادي من التدبير السياسي، غير أن الواقع يؤكد أن المسؤول العمومي، خصوصاً حين يكون مشرفاً على قطاع التواصل، مطالب بقدر أعلى من التحفظ والانفتاح على النقد، لا بالانخراط في معارك لتطويقه، فالنقد الإعلامي، مهما كان حاداً، يظل جزءاً من التوازن الديمقراطي، وليس تهديداً ينبغي إسكاته.
وأمام كل هذا، وجدنا أنفسنا في جريدة “عبّر.كوم”، في مواجهة ضغط غير متكافئ، هدفه تقليص حضورها وتأثيرها، بعد أن اختارت خطاً تحريرياً ناقداً لا ينسجم مع رغبات دوائر القرار داخل الوزارة، غير أن هذا النوع من الضغط لا ينتج سوى تعميق أزمة الثقة، وتأكيد أن هناك من يضيق صدره بالكلمة الحرة.
لقد تسبب لنا الوزير بنسعيد وفتاه عبقري في بلاغات كاذبة وهجوم غير منطقي على صفحتنا الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، مما دفعنا الى تعليق نشرها كنوع من الاحتجاج وآثرنا التواصل مع ادارة المنصة في انتظار تعقّل الوزير وذبابه، لأن حال عدم حذف التبليغات، سنلجأ الى تصعيد أكثر حدة وطرق أخرى موجهين تظلمنا لمؤسسات الدولة، وحتى إن تطلب الأمر اللجوء للقضاء، لأننا نتوفر على حجج تؤكد أن الوزير وعبقري قدما بلاغا كاذبا بملكية فكرية لصورة شخصية عمومية.
وعليه، فما تحويل الخلاف مع الإعلام إلى معركة نفوذ يسيء لصورة المؤسسات قبل أن يسيء للفاعلين فيها، ونحن في جريدة “عبّر.كوم” ليس لدينا ما نخسره، بخلاف بنسعيد ومقربيه، لأننا لا نملك المال، بل نملك الكلمة، وهو ما لن يقدر لا بنسعيد ولاغيره تكميمها.
إن الوزير المكلف بالتواصل جعل من قطاع يفترض أن يكون حامياً للتعددية، طرفاً في إضعافها، كما يرسخ انطباعاً بأن حدود النقد تُرسم خارج القانون، وفق موازين القوة لا وفق المبادئ.
وأنا شخصيا، لن أعتبر ما يحدث اليوم مجرد خلاف عابر، بل مؤشر على اختلال في فهم العلاقة بين السلطة والإعلام، اختلال يضعف صورة الالتزام بحرية التعبير، ويكشف أن الممارسة لا ترقى إلى مستوى الشعارات المعلنة، وهو ما سيزيد من حماسي ولن اتوانى عن فضح أي شبهات مادية او معنوية تهم أي قطاع وكيف ما كان انتماء وزيره.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى الثابت الوحيد أن الكلمة الحرة لا تُقاس بمدى رضا المسؤول عنها، بل بقدرتها على الاستمرار رغم كل أشكال الضغط.






