رسالة إلى أحد السكان الأصليين!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
محمد ناصر العطوان صديقي علي... أسعد الله أيامك...هذه رسالة مسجلة... اسمعها كلما أردت أن تتذكر مَنْ أنت؟ تشعر أنك قديم ولا تنتمي لهذا العالم بسبب أحلامك البسيطة، وطموحاتك التي لا تُشكّل هماً لك بقدر ما تُشكّل دعاءً وهمساً بالرضا. وتحمد الله أنك لست من الذين يطاردون رغبات طفولية في الشهرة والاستهلاك، والذين أصبحوا نجوماً في السماء لأنهم نزلوا تحت المطر في الشارع من أجل إحصاء قطرات المطر حتى يموت المتفرجون من الضحك. تنظر إلى غاية الأشياء وأصلها بالنسبة لك، وليس في رسائلها للآخرين، فلا تبحث عن «الماركة» بقدر ما تبحث عن الراحة في الاستخدام، ولا تبحث عن السيارة التي تنقلك طبقة اجتماعية للأعلى بل التي تساعدك على التنقل بين بيتك ومحيطك دون أن تضطر لبيع كليتك لتسديد أقساطها. وكونك يا صديقي لا تقف في الطوابير المزدحمة في التنزيلات الكبرى على ما هو جديد، سواء أكان حذاءً أو هاتفاً أو حتى علبة هواء فارغة تُباع على أنها من هواء باريس، فهذا لا يعني أنك فاقد للإحساس بالزمان ومتطلباته أو المكان واحتياجاته، بقدر ما أنك تعلم جيداً أننا في بداية الطريق الطويل، وأن اللعبة ستصبح أكثر إرهاقاً مما قد يتصوّر المرء مع كل جديد يُشكّل احتياجاتنا. أنت يا علي، بمقاييس هذا العصر «الأغبر»، مواطن «منتهي الصلاحية»، أو دعنا نقول أنك «كابوس» لخبراء التسويق والرأسمالية المتوحشة. هم يريدون كائناً يلهث، وأنت تمشي الهوينة... هم يريدون كائناً يشعر بالنقص لو لم يقتنِ «آيفون» بكاميرا تصور مسام الوجه، وأنت مازلت تظن –يا لسذاجتك الجميلة– أن الهاتف صُنع لكي نسمع صوت مَنْ نحب، لا لكي نصور طبق «الزبيدي» وننشره ليرى العالم مدى سعادتنا الكاذبة. أعرف أنك تشعر بالغربة حين تجلس وسط «القوم» وتسمعهم يتحدثون عن «الإنفلونسر» الفلاني الذي اشترى جزيرة، وعن «الفاشينيستا» التي تطلقت لايف على التيك توك. تنظر إليهم وتشفق عليهم، وهم ينظرون إليك ويشفقون عليك... هم يرونك «دقة قديمة» تعيش خارج الزمن، وأنت تراهم «تروساً» في مفرمة تهرس أعصابهم وجيوبهم وأرواحهم، فقط لكي يظلوا في السباق. سباق لا خط نهاية له، يركضون فيه كالهامستر داخل العجلة، يتوهمون الحركة وهم في أماكنهم يراوحون. يا صديقي، الحداثة ما بعد الحداثة وما بعد الإنسان وكل المابعديات التي يبيعونها لنا ليست تطوراً، هي «فخ»... فخ ينصبونه لك لكي تكره حياتك العادية، وتكره أثاث بيتك المريح لأنه لم يعد «موضة»، وتكره وجهك في المرآة لأنه لا يشبه وجوه «الفلاتر»، وتكره زوجتك لأنها غير منحوتة في عيادات التجميل... أنت الناجي الوحيد يا علي، لأنك قرّرت أن «الستر» أهم من «الشهرة»، وأن «البال المرتاح» أغلى من «البراند»، وأن تجلس تشرب الشاي في شرفتك بملابس البيت المريحة، أفضل ألف مرة من أن تجلس في «كافيه» فاخر، تشفط بطنك وتعدل غترتك وعقالك لكي تلتقط صورة تقول فيها للناس: «أنا سعيد... صدقوني أرجوكم!». فيا عزيزي علي، لا تحزن لأنك «قديم»... فالذهب قديم، والآثار قديمة، والقيم قديمة. أما «الجديد» الذي يتفاخرون به، فهو غالباً «بلاستيك»؛ يلمع تحت الإضاءة، لكنه يسيح مع أول اختبار حرارة حقيقي. ابقَ كما أنت، «نشازاً» في سيمفونية التفاهة، وعاقلاً في زمن الجنون الاستهلاكي. ودعهم يركضون خلف «الترند»، بينما نحن –أنا وأنت– نجلس هنا، نراقب المطر، ونحمد الله على نعمة العقل... ونعمة «القدم». ودُمتم... أصليين... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.





