رؤية شاملة ومسارات عملية.. أي تماسك اجتماعي في سوريا الانتقالية؟
في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا منذ أواخر عام 2024، يبرز التماسك الاجتماعي كأحد الملفات الأكثر إلحاحاً بعد سنوات طويلة من الحرب التي خلّفت انقسامات عميقة في بنية المجتمع. هذه المرحلة الانتقالية، التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، تحمل في طياتها تحديات مزدوجة: إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع بعد عقود من الصراع، وإرساء نظام سياسي قادر على احتواء جميع المكونات السورية ضمن إطار حكم ديمقراطي، يحمي الحقوق ويعزز المشاركة. وبينما تعمل الحكومة على دفع مسارات المصالحة والعدالة الانتقالية، يظل تحقيق الاستقرار المجتمعي مرتبطاً بقدرة السوريين على تجاوز إرث الصراع، وإيجاد آليات عملية لتوحيد المكونات المختلفة تحت سقف واحد يحفظ وحدة الدولة ويضمن مشاركة فعالة في الحياة السياسية والاجتماعية.
تعزيز الثقة المجتمعية
فترة الحرب الممتدة بين عامي 2011 و2024 أدت إلى تفكك الروابط الاجتماعية وظهور فجوات عميقة بين مكونات المجتمع، سواء على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية. ومع عودة أعداد كبيرة من اللاجئين إلى مناطقهم الأصلية، تتزايد التحديات المرتبطة بإعادة دمجهم في بيئة لا تزال تعاني من هشاشة أمنية وضغوط اقتصادية متزايدة.
وفي العديد من المناطق التي شهدت توترات متكررة، يبقى المواطنون يشعرون بعدم الأمان، وهو ما يزيد من صعوبة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويرى متابعون أن تركيز الحكومة على التحركات الخارجية لم يواكبه بالقدر الكافي تقدم في الإصلاحات الداخلية، مثل إطلاق حوار وطني شامل وتفعيل آليات العدالة الانتقالية، الأمر الذي انعكس على بطء ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، وتراجع فعالية بعض البرامج الاجتماعية والتنموية في إعادة التماسك.
وفي هذا السياق، شدد الدكتور أيمن الرقب استاذ العلوم السياسية بجامعة القدس القاهرة في تصريحات لـ”963+” على أهمية عدة عناصر حاسمة في تعزيز التماسك الاجتماعي، قائلاً: “استخدام منصات التواصل الاجتماعي والحوار المجتمعي العميق وترتيبات الدولة والأحزاب لخوض الانتخابات مهمة لوحدانية الدولة وترتيب أوراقها، وقد تكون الدولة البرلمانية الرئاسية أفضل نموذج لسوريا المستقلة. منصات التواصل الاجتماعي مهمة جداً وهذه ستكون مهام وزراء مختلفة من ضمنها وزارة الثقافة في نشر قيم الوطنية بشكل كبير جداً. مهم جداً الحديث عن سطور تمزق الدولة، وبالتالي لابد من وضع آليات لوحدانية الدولة وترتيب أوراقها. أعتقد هذا أمر مهم جداً يبدأ بمنصات التواصل الاجتماعي، يبدأ في حوار مجتمعي عميق ويبدأ في ترتيبات حقيقية بين الدولة والأحزاب لخوض انتخابات. تعطي شكل الدولة بشكل كبير جداً، وكما أشرت أنا أميل إلى أن الدولة البرلمانية، وقد تكون بشكل مؤقت دولة برلمانية رئاسية، هي أفضل نموذج لسوريا المستقلة”.
ويضيف الرقب أن “العوامل التي تضعف سوريا تتضمن الأعداء، تعدد الإثنيات، وأهمية الحوار والتعايش، مع اقتراح نظام حكم برلماني لتجاوز الخلافات. يعني عوامل الضعف في سوريا أولها كما أشرنا الأعداء الذين يرغبون في تقسيم سوريا وهم للأسف كثيرون في المحيط. الأمر الآخر هو تعدد الإثنيات في سوريا، والشام تعاني بشكل كبير جداً من ذلك نتيجة طبعا تداخل الكثير في محاولات رفع قيم الصراعات داخل إقليم الشام، وبالتالي إحداث حالة من الشرخ داخل المجتمع. يمكن تجاوز أزمة الأكراد بشكل مؤقت، أمر مهم جداً، ولكن هذه الأزمة لم تنتهِ حتى هذه اللحظة بشكل نهائي، لا زالت هناك حاجة إلى حوارات جادة تدفع باتجاه إنهاء هذه الأزمة بشكل كلي، لذلك اعتماد قاعدة الحوار أمر مهم جداً”.
ويؤكد الرقب أن “التعايش اليومي في بيئة مهمة جداً أن تضم الجميع، يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات أمام دولة متعددة. طبعا الأحزاب مهمة جداً أن يكون هناك تعددية حزبية، أمر مهم جداً لتجاوز كل القضايا الخلافية. ممكن تحدث حالة في فقدان التعايش السلمي اليومي، نحن مهم جداً أن يكون هناك انفتاح على فكرة تجاوز كل الخلافات، ترتيبات وطنية تستوعب الجميع تحت مظلة واحدة برلمان يضم الجميع، تعددية حزبية، وأعتقد أن أفضل نظام الآن في ظل هذه الظروف أن يكون لدينا نظام في سوريا نظام برلماني. النظام البرلماني يكون هناك فرصة لتجاوز عقبات كثيرة من خلال الحوارات المشتركة بشكل كبير جداً. لذلك النموذج كما أشرنا، النموذج الأفضل للنجاح في الحالة السورية هو النموذج البرلمان، ونظام الحكم البرلماني أعتقد مهم جداً. النظام الرئاسي هناك سيدفع باتجاه تغول شخص محدد على الحياة، ونعتقد هذا النموذج قد يكون صعب بشكل كبير جداً. يمكن الدمج بين النموذج البرلماني الرئاسي، ولكن الأقرب في ظل هذه الظروف الصعبة اعتماد النموذج البرلماني”.
الحوار والعدالة
وعن أهمية الحوار الجاد، أشار الرقب إلى أن “الحوار الجاد ضروري لتجاوز العقبات وتحقيق وحدة السوريين والحفاظ على وحدة الدولة. بعد التحية، الحوار هو أساس بشكل كبير جداً لإنهاء أي عقبات تدفع باتجاه تحقيق وحدة حقيقية بين السوريين في كل مكان. الحوار الذي يدفع باتجاه حل كل الأزمات، يمكن تجاوز الكثير من القضايا الإثنية، أمر مهم جداً خاصة نتحدث عن أعراق مختلفة. هناك مخطط لتقسيم الدولة، لذلك نحن بحاجة إلى استمرار الحوار الجاد لتجاوز كل العقبات التي تدفع باتجاه تقسيم الدولة كما يخطط له، وبالتالي الحفاظ على وحدة الدولة أمر مهم جداً”.
في الوقت ذاته، يشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي حسام نجار في تصريحات لـ”963+” إلى أن سوريا عانت طوال فترة حكم الأسد والبعث من أزمات عميقة في عدة مجالات، مشيراً إلى أن الجانبين الاجتماعي والأخلاقي كانا الأكثر تأثراً، حيث اتسعت الفجوات خلال سنوات الثورة وتحولت إلى شروخ كبيرة تحتاج إلى وقت طويل وخطة تكاملية لردمها تقوم على فهم طبيعة هذه الانقسامات وكيفية نشأتها. وأضاف أن اختلاف التوازن بين فئات المجتمع فكرياً وأخلاقياً واقتصادياً، إلى جانب تفاوت الوعي السياسي، يؤثر بشكل مباشر في إعادة التوازن النفسي والمجتمعي، مؤكداً أن تحقيق التماسك يتطلب وجود قوانين يحترمها المواطنون ويخضعون لها دون تأثير للولاءات العرقية أو العشائرية، مقابل ضمان الحقوق الدستورية ومحاسبة كل من يخالف القانون.
ويشدد نجار على أن المصالحات العرقية والدينية والفكرية تمثل خطوة أساسية تترافق مع مسار العدالة الانتقالية وجبر الضرر، موضحاً أن نجاح هذا المسار يتطلب اقتناعاً نفسياً عاماً بضرورته بعيداً عن الانتقام، مع برامج معالجة نفسية ودورات مجتمعية لإزالة آثار الصراع، إضافة إلى التعويض المالي وتثبيت مبدأ التنازل عن الثأر، محذراً من أن فرض العدالة الانتقالية دون قبول المتضررين قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
كما يبيّن أن التماسك الاجتماعي يواجه عوائق عدة، من بينها العزل السياسي، لافتاً إلى ضرورة إبعاد مرتكبي الجرائم عن الواجهة العامة في المرحلة الأولى، ووضع نظام حكومي صارم يمنع الاستفزاز والتعدي، ومنع تشكل تجمعات ذات لون واحد، مع سن قوانين صارمة لمكافحة الكسب غير المشروع وتعزيز الشفافية القضائية والاقتصادية.
ويؤكد كلا المصرحين أن تعزيز التماسك الاجتماعي في سوريا يحتاج إلى مقاربة شاملة تتضمن الحوار الوطني الشامل، وضمان العدالة الانتقالية المقبولة اجتماعياً، وإصلاح الأجهزة الأمنية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بما يضمن التمثيل المتوازن للمكونات المختلفة. ويشيرون إلى أهمية التعليم والثقافة في ترسيخ قيم الانتماء الوطني والتسامح، ودور المبادرات المحلية لإدارة النزاعات، خصوصاً في المناطق المختلطة، بالإضافة إلى الدور المؤثر لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في توجيه الخطاب العام نحو تعزيز التعايش ونبذ الانقسام.
الإصلاح والتنمية
وتتضمن خطة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للفترة 2026-2028 تعزيز الحماية الاجتماعية، وتوسيع نطاق الخدمات للفئات الأكثر ضعفاً، بما في ذلك العائدون من الخارج، مع التركيز على التمكين الاقتصادي وخلق فرص العمل، إضافة إلى دعم المرأة وحمايتها. وتضيف هذه الخطة أبعاداً مهمة لتقليل مسببات التوتر المرتبطة بالفقر والتهميش، وتحويلها إلى فرص لتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وفي المحصلة، يبدو أن نجاح سوريا في تعزيز التماسك الاجتماعي خلال المرحلة الانتقالية يعتمد على مقاربة متكاملة تجمع بين الإصلاح السياسي والتنمية الاجتماعية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، مع ضمان العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات.
ويؤكد الرقب ونجار أن المرحلة القادمة تتطلب استمرار الجهد من الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والإعلامية لضمان تعزيز الهوية الوطنية المشتركة، ودعم الحوار المجتمعي، وحماية حقوق جميع المواطنين، بما يحمي وحدة الدولة ويحقق الاستقرار المستدام.
The post رؤية شاملة ومسارات عملية.. أي تماسك اجتماعي في سوريا الانتقالية؟ appeared first on 963+.




