ومن زاوية ما، اكتسب مقال ظريف أهميته لأنه حاول إعادة تعريف معنى التسوية في لحظة جيوسياسية مشحونة إلى أقصى حد. فهو لم يكتب من موقع ناقد معتذر للجمهورية الإسلامية، ولا من موقع داعية إلى الاصطفاف مع الغرب. لقد كتب من داخل المؤسسة، من موقع من يرى أن إيران أظهرت قدرا كافيا من الصمود يتيح لها أن تفاوض من موقع قوة. وفي تصوره، لن يكون اتفاق السلام استسلاما، وإنما ثمرة لما تحقق في زمن الحرب. ولهذا أثار المقال كل ذلك الجدل. فلو أن ظريف دعا إلى تقديم تنازلات انطلاقا من موقع ضعف إيراني، لكان من السهل تجاهله أو نعته بالسذاجة.
أما ما جعله خطرا في نظر منتقديه، فهو أنه دعا إلى الدبلوماسية انطلاقا من موقع قال إنه موقع تفوق. وهنا مس إحدى الركائز العاطفية والسياسية الأساسية لدى متشددي زمن الحرب: فكرة أن الصمود ينبغي أن يبقى هو الاستراتيجية نفسها، فيبقى الهدف دائما، ولا يتحول إلى وسيلة تفضي إلى استراتيجية أخرى.

غير أن موجة الهجوم كشفت أيضا عمّا هو أعمق من مجرد غضب أيديولوجي. فقد أظهرت أن الدبلوماسية في طهران لا تتعلق بالمضمون وحده، وإنما بالسلطة أيضا. من يملك حق إرسال الإشارات؟ وبأي تفويض؟ وباسم من؟ ربما عبّر مقال ظريف عن أحد اتجاهات التفكير داخل النخبة، لكنه، حين نشره في مجلة "فورين أفيرز" الأميركية الموجهة إلى نخبة السياسة الخارجية، كان يتحدث أيضا خارج القنوات المحكمة التي تفضل الجمهورية الإسلامية أن تمرر عبرها رسائلها. وهكذا بدا المقال أقرب إلى تدخل في النقاش حول ما ينبغي للنظام أن يفعله بعد ذلك، لا إلى موقف رسمي أقره. وفي نظام تحكمه الشكوك في زمن الحرب، كان هذا وحده كافيا لإثارة رد فعل عنيف.











