رومان حداد : المجتمع الأردني يتغير.. هل ندرك ذلك؟
يكثر الحديث عن المجتمع الأردني في كل نقاش سياسي أو اجتماعي أو ثقافي، ويتم حصر المجتمع الأردني بصورة نمطية واحدة، وغالباً ما يدعي من يتبنون هذا الموقف أنهم يمثلون المجتمع الأردني ولهم حق الوصاية عليه، ويعلنون رفضهم لوجود تنوع واسع داخل المجتمع. ويتبنى أصحاب هذا الرأي وجود جهات محددة فقط هي المسموح لها بتشكيل الوعي لدى الأردنيين، وكأنهم يريدون عزل الأردن عن عصره وتسكينه في الماضي، فاليوم، لم يعد تشكل الوعي في الأردن يحدث بالطريقة التقليدية التي عرفها المجتمع لعقود طويلة، حيث صار الفضاء الرقمي عاملاً في تشكيل الوعي الفردي، وبات الهاتف المحمول في يد الفرد أكثر تأثيراً أحياناً من أي مؤسسة تقليدية كاملة. هذا التحول لا يعني فقط تغير في أدوات التواصل، بل يعكس تغيراً أعمق في طريقة تشكل الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي لدى الأردنيين، خصوصاً لدى الأجيال الشابة، حيث لم تعد المعرفة أو التأثير أو النقاش العام محصورين داخل المؤسسات التقليدية أو النخب المنظمة، بل أصبحت موزعة على شبكات مفتوحة وسريعة وعابرة للحدود. وهذا التغير خلق حالة جديدة أصبح فيها الفرد أكثر اتصالاً بالعالم، ما أدى إلى تغييرات جذرية في آليات التفاعل والتعامل مع قضايا سياسية واجتماعية وثقافية بصورة مختلفة عن المخيال الذي يحاول كثيرون فرضه جبراً عند قراءتهم الأردن من الداخل. ومن أبرز ما أحدثته الثورة الرقمية هو تراجع الاحتكار التقليدي للمعرفة، حيث أصبح أي فرد قادراً على إنتاج محتوى أو الوصول إلى جمهور واسع، وهذا التحول لا يمكن قراءته فقط بوصفه تطوراً تقنياً فقط، فالمجتمع الرقمي أعاد أيضاً تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع، ولم يعد يقبل بوجود وصاية عليه تحدد ما هو الصواب وما هو الخطأ، فالفرد أصبح يمتلك مساحة أوسع للتعبير وفرصة أعلى للوصول إلى المعلومات، وقدرة أكبر على بناء الشبكات ومراقبة الأداء العام. وكل ذلك أدى إلى تراجع المرجعيات التقليدية التي تقدم نفسها بخطاب متشدد ولا تدرك أبجديات العصر الجديد بما فرضه من تنوع أكبر واستقلالية أعلى ومعرفة مبنية على الشك لا على اليقين، واختبارات دائمة لمقولات قديمة. ما يحدث اليوم من نقلة نوعية في وعي الشباب وسلوكهم ومنظومتهم القيمية يظهر بوضوح أن المؤسسات التقليدية نفسها لم تنجح بالكامل في التكيف مع هذا الواقع الجديد، الذي يتحرك فيه الجيل الشاب ضمن بيئة مختلفة تماماً في سرعتها ولغتها وأدواتها، ولهذا تظهر فجوة متزايدة بين خطاب المؤسسات والأحزاب التقليدية من جهة والطريقة التي يفكر ويتفاعل بها الشباب في الفضاء الرقمي من جهة أخرى. وتزداد أهمية هذا التحول بسبب الطبيعة الديمغرافية للمجتمع الأردني، حيث يشكل الشباب النسبة الأكبر من السكان، إضافة إلى الانتشار الواسع للهواتف الذكية والإنترنت ومنصات التواصل، وهذا يعني أن المجتمع الرقمي لم يعد هامشاً موازياً للحياة العامة، بل أصبح جزءاً أساسياً من تشكيل الرأي العام والاتجاهات الاجتماعية والسياسية. هذا التحول يعكس انتقال المجتمع من نموذج الوعي المركزي الذي تصنعه المؤسسات الجامدة والمغلقة، إلى نموذج أكثر انفتاحاً وتعددية، حيث يصبح الفرد أكثر استقلالاً في تشكيل قناعاته واختيار مصادره المعرفية، والخطاب الأحادي الرافض للآخر لم يعد مقنعاً لجيل الشباب، وصار كل من الشاب والشابة يبحثان عن امتلاك رأي خاص بهما ويرفضان سياسة القطيع. المعركة الحقيقية أمام من يدعون أنهم يعملون بالشأن العام لا تتمثل في مقاومة المجتمع الرقمي أو محاولة إعادة الناس إلى أنماط الاتصال القديمة، بل في فهم أن الوعي الاجتماعي والسياسي لم يعد يتم إنتاجه بالطريقة نفسها، ولا يجوز مقاربة القضايا العامة عبر وصاية على المجتمع أو عبر أحكام مسبقة.




