رمزي الغزوي : ضجيج يتقدّم
لم تعد منصات التواصل نوافذ نطل منها على أفكار الآخرين، صارت ساحة اختبار قاسية لصلابة وعينا. تدخلها محمّلا بشغف البحث عن فكرة، فتخرج مثقلا بضجيج لا يترك في رأسك متسعا لالتقاط معنى واحد صاف. وجوه بلا ملامح، وأصوات تتكاثر دون أصل، وحسابات تولد فجأة وتجلس على مقاعد الحكم كأنها نهاية القول وفصله. الجميع يتحدث بثقة مدهشة، كأن الشك خطيئة، وكأن التريث ضعف لا يليق بهذا الزمن المسرع. المشكلة لم تعد في وجود الجهل، فذلك قديم قدم الحكاية، وإنما في صورته الجديدة: جهل واثق من نفسه، مكتفٍ بها، لا يرى في التعلم ضرورة ولا في الفهم شرطا. يندفع صاحبه إلى المنصات مسلحا بيقين هش، يوزع الاتهامات كما توزع المنشورات، ويجد من يصفق له بما يكفي ليصدق أنه أصاب الحقيقة. وهكذا، يتسلل الضجيج إلى الواجهة بثياب الانتصار، فيما يتراجع المعنى خطوة بعد أخرى، حتى يكاد يختفي في الزوايا المعتمة. ما يجري لا يشبه حوارا عاما، أقرب إلى فوضى مفتوحة الإيقاع، تتحكم فيها سرعة الانفعال لا عمق الفكرة. من يصرخ أكثر يُسمع، ومن يتأنى يبدو كأنه غريبا عن المشهد. التفكير الهادئ صار عبئا، والتأمل تهمة خفية، واللغة التي كانت جسرا للفهم تحولت إلى أداة اشتباك. كأن الوعي أعيدت صياغته على مقاس لحظة غاضبة، لا تحتمل الانتظار ولا تصغي لما وراء الصوت العالي. في هذا المناخ، تتبدل معايير القيمة دون أن نشعر. التفاهة تلبس ثوب المرجعية، وعدد المتابعين يتحول إلى شهادة صلاحية، والإعجابات تختصر الحقيقة في رقم قابل للزيادة والنقصان. آلاف النقرات السريعة تمنح إحساسا زائفا بالشرعية، وتغري صاحبها بالاستمرار، فيما تُدفع الأفكار الرصينة إلى الهامش لأنها لا تجيد لعبة الاستعراض. الخسارة هنا لا تُقاس بما نقرأه فقط، تمتد إلى ما نخسره من أنفسنا ونحن نغرق في هذا التيار. الوقت يتسرّب بهدوء، الأعصاب تستهلك في معارك عابرة، والقدرة على التمييز تتآكل دون إعلان. ومع التكرار، يصبح الانخراط في الضجيج سلوكا مألوفا، فنجد أنفسنا نرد بالصوت ذاته الذي كنا نشكو منه، وندخل الدائرة التي كنا نظن أننا نراقبها من الخارج.



