رمضان الوافدين: في الحنين إلى اللمّة
في الستينيّات، غنّت شادية واحدة من أجمل أغاني شهر رمضان، وتقول فيها: «كل بيت اتلمّ فيه خلّانه، واتلمت العيلة وعيلة العيلة، يتهنوا ويهنوا… ويباركوا ويغنوا، يا حليله يا شهر الهنا يا حليله». لكن ماذا لو جاء الشهر الكريم بعيدًا عن هذا الهنا وهذه اللمّة. وبعيدًا عن الزقططة التي دعت الأغنية المصرية الأخرى لها قائلة: «أهوه جه يا ولاد… هيصوا يا ولاد… أهو جه يا ولاد… زقططوا يا ولاد»؟
أن يأتي علينا الشهر الفضيل دون أن يدخل أحدنا إلى المطبخ قبل الغروب بنصف ساعة ليمدّ يد العون في تجهيز الأطباق، أو حشو القطائف، أو تحضير العصائر المختلفة كالتمر هندي أو قمر الدين؟ أو أن يبدي الإعجاب للأم بالرائحة الزكية؟
في هذه القصة المصورة، نشارك مجموعة من الطلبة والعمال والعاملات الوافدين والوافدات لحظات الإفطار في رمضان على بعد مئات أو ربما آلاف الكيلومترات من بلدانهم وعائلاتهم بلمّتها وبهجتها.

اقترحنا على اليمني أحمد عمر أن نزوره في بيته وقت المغرب لنرى كيف تسير الأمور وقت الإفطار بعيدًا عن العائلة الممتدة، لكنّ إجابته كانت: «للأسف لن أكون هناك، سأكون في العمل».
يعيش الشاب الأربعيني، أحمد عمر في الأردن منذ 12 عامًا تقريبًا، «ما رحت اليمن من عشر سنوات تقريبًا، التذاكر غالية». يبقى عمر في عمله، في أحد المطاعم اليمنية في عمّان حتى منتصف الليل تقريبًا، ويوضح أنه يعيش أجواء رمضان في العمل، إذ إن «عجقة الناس في المحل»، وشراءهم طعام الإفطار يشعره بالألفة. أمّا أكثر ما يفقتده فهو الإفطار مع والديه، يقول ثم يصمت بينما يستمر في قليْ السمبوسك، وتأمل الزيت شارد الذهن، «أفتقد لمة العائلة، ليس العائلة الصغيرة وحسب، إنما أقربائي وأهلي وناسي» لأن لرمضان في اليمن طعمًا مختلفًا، إذ كان من المعتاد أن يذهب مع عائلته إلى البحر في منطقة الحديدة.


رُفع أذان المغرب في الأثناء، وجاء أحدهم بكوب ماء وحبة تمر لعُمر. كسرَ صيامه واستمر في عمله، وكذلك فعل البقية؛ صاحب المطعم اليمني أبو معاذ، وأطفاله الذين جاءوا إليه، وبقية العمال «ناكل بعدين عراحتنا، لما نخلص من الزباين».
ما يحصل عليه أحمد عمر كمرتب لا يكفي لأن يدّخر منه قرشًا واحدًا، «حتى لو كنت بدي أرجع، ما بش شغل هناك، تعرف الحرب والمشاكل»، ويضيف «الأسعار غالية، كلشي غالي ذا الحين».
رغم وجود الأصدقاء من حوله، إلا أن رمضان يضفي مزيًدا من الحزن على قلب عمر، لا لأجل غياب اللمة التقليدية والطقوس المحببة للعائلة، إنما لأجل شعوره بتأنيب الضمير وقلة الحيلة، «مات أبي ولم أتمكن من الذهاب لتوديعه، أو حتى الصلاة على قبره»، ومن ثم تكرر الأمر مع الأم التي ماتت بعده ببضع سنين، «حتى أمي، ما قدرت أروح على جنازتها».
يقول عمر إن حياة العمل في عمان، لا سيما عمله في أحد المطاعم، لا دخل لها بطقوس رمضان التي يعرفها الجميع. وبالتالي يحاول صنع تلك الأجواء قدر الإمكان، لا سيما عندما يعود للبيت إلى أسرته في ساعة متأخرة من الليل.
«تبدأ طقوس رمضان عندي بعد الساعة 11 ربما»، يقول، «بجلس مع جوري وأمها»، جوري هي طفلته التي تبلغ من العمر ثماني سنوات. يحرص عمر أن يقضيَ بعض الوقت الجيد مع عائلته الصغيرة، فطقوس العائلة الرمضانية تبدأ لمجرد أن ينتهي الأب من العمل، حتى وإن كانت في وقت متأخر، «الله كريم، بحاول أعوضهم» يقول عمر، بينما يمد لي حبة سبموسك. «بحاول أخذ جوري ومرتي نطلع شوي بعد الفطور نمشي ونشتري أغراض لجوري».

بالقرب من الجامعة الأردنية، توجّهنا إلى شقق سكنية يقطنها طلبة أتراك جاءوا لدراسة القرآن واللغة العربية في أحد المعاهد الخاصة في عمان. ومقارنة بحياة العمل، لا سيما خلال وقت الإفطار، فإن الأجواء الرمضانية أوضح ما تكون عند الطلبة، فهناك لمّة حميمية تشعر بها ما إن تدخل البيت، وإن كانت تختلف عن لمّة العائلة التقليدية.
في الخلفية، ثمة مذيعة تتحدث التركية عبر إحدى المحطات في التلفاز الذي يتوسط غرفة المعيشة، وفي المطبخ الصغير المقابل لها، امرأة ستينية منخرطة، كالأمهات، في إعداد الطعام. لوحنا لها فابتسمت.
«نحن عائلة هنا» يقول محمد، الشاب العشريني الذي يجيد العربية أكثر من زملائه، ثم يشير للبقية، «نسكن في بيتين متقابلين، لكننا نقضي كثيرًا من الوقت معًا كأخوة».
«هل هي والدتك؟» أسأله «أو ربما والدة أحد منكم؟».
«لا، هذه أمينة، زوجة العم نور الله» ويُشير إلى رجل ستينيّ بذقن بيضاء، قدم ورحّب بنا بالتركية، إذ لا يتحدث العربية، وكان هو الآخر منهمكًا في تحضير السفرة.
يقول محمد: «إنها بمثابة الأم، فهي تعتني بنا في رمضان. هي والعم دون مقابل».

يقول العم نور الله، إنه مرّ بتجربة دراسية صعبة، لذلك يشعر بالسعادة عندما يساعد الطلبة، وقد جاء هو وزوجته أمينة من تركيا إلى الأردن، ليساعدا الطلبة طيلة شهر رمضان في تحضير الطعام، فلا بد أنهم يجدون صعوبة في ذلك.
في الأثناء، يُفتح الباب ويدخل المزيد من الشبان، يُلقون التحية علينا وعلى زملائهم ويجلسون في الصالة، وفي كل مرة يلمح محمد تساؤلي، فيقول «نحن عائلة كما قلت لك، الجميع يأتي هنا وقت الإفطار، هذا بيت العم نور الدين وأمينة وهما يرحبان بنا جميعًا».
تعرّف محمد إلى نور الله وزوجته أمينة في تركيا عندما كان يقيم مع زملائه في اسطنبول، وقت كان وزملاءه القادمين من محافظات مختلفة يدرسون القرآن في معهد هناك.
يوشك أذان المغرب أن يُرفع، يتناول الطلبة الأطباق من أمينة، ويدخلون بها إلى الصالة، الكل يُساعد في العمل. وعندما رُفع الأذان، شرعَ أحدهم في قراءة بعض الأدعية، بينما كان البقية يؤمّنون من خلفه.



يصرّ محمد أن نتناول معهم طعام الإفطار؛ معكرونة، وصينية خُضار، وطبقًا رئيسيًا من البطاطا والجزر المطبوخ بمرق الدجاج، بالإضافة لحلوى المهلبية باللوز. أسأله في الأثناء: «هل تأكلون في الخارج، في المطاعم ربما في رمضان؟».
«نادرًا جدًا، فأمينة دائمًا ما تعد لنا الطعام في رمضان» يقول.
«وبعد الطعام؟».
«نأكل الحلوى، ونصلي التراويح هنا أيضًا» يقول محمد، وقد نجلس مع أصدقائنا الأردنيين على الرصيف أمام البناية، فقد تعرّفنا إلى بعض منهم، شُبّان من جيلنا، ويضيف بينما يقدم لنا الشاي: «الشاي ضروري بعد الإفطار، أفتقد الشاي مع أسرتي والأحاديث معهم. لكن الحمد لله».
«تفتقد العائلة إذًا؟»
«نعم، رمضان بعيدًا عن العائلة تجربة صعبة، لكنها مفيدة في الوقت نفسه، تجربة تفهم منها معنى العائلة وقيمتها». يقول محمد.


تنزل إلى بيت أسمى في جبل النظيف عبر درج ضيّق. ومن وقت لآخر، وبينما تعصر يديها شاعرة ببعض الخجل، تُذكّرنا أسمى أن البيت صغير وغير مناسب. فأقول لها إنه دافئ ومليء بالحب، تقول «أجل شكرًا. يكفيني. فأنا أعيش فيه بمفردي، أعمل ثم أعود للنوم فقط».
كان الوقت قبل الإفطار بقليل عندما أتينا. أشير إلى زاوية السُّفرة وأقول «هذا فتوش إذًا؟» تقول: «أجل، أحب الفتوش، وأحب أن أُحضّره في رمضان»، ثم ترفع لي طبقًا محليًا من بنغلادش، بيض مسلوق، مطهو مع التوابل والخضار. «عليك أن تُجرّبه بعد قليل».

تقطن أسمى في هذا البيت منذ 2016، لكنها جاءت إلى الأردن قبل ذلك بعشر سنوات تقريبًا، تنقّلت من مكانٍ إلى آخر، وعملت في أكثر من محافظة، إلى أن استقر بها الحال في عمّان. «بحب العيش بالأردن أكثر من بنغلادش» تقول أسمى بعربية جيدة، «الحياة هناك صعبة، ما في شغل، للرجال أو النساء». رغم ذلك، تفتقد الطقوس الرمضانية هناك، ولمّة العائلة. لديها ابن وابنة في بنغلادش، تتواصل معهما عبر الهاتف. تزوجت الابنة وأنجبت هي الأخرى، والابن أعزب في الثانية والعشرين من عمره، بينما تستمر أسمى، والتي أصبحت جدة، في العيش هنا وحدها، بعد أن عاد زوجها إلى البلاد منذ أربع سنوات، إذ تم تسفيره لأنه لا يملك تصريح عمل.

تنتهي من طهي كل شيء في مطبخ صغير في آخر البيت، وتجلس مع صديقاتها بانتظار أن يرفع الأذان، «مرات نفطر مع بعض، سوا سوا، عشان أنا لحالي».
تسكب لنا شهيناز، الصديقة العشرينية التي جاءت مؤخرًا من البلاد للعمل في عمّان، طبقًا آخر من النودلز المطهو مع الخضار. في الأثناء تقول أسمى إنها في كثير من الأيام تكون تعمل في ساعات النهار، لكن وقت الإفطار مؤلم بالنسبة لها «مرات كثير بفطر لحالي». وبينما تتحدث، ألمح الأسى في ملامحها، ثم تجيء مني التفاتة إلى الخلف منها، إلى الخزانة المفتوحة، فأرى صورًا وأيقونات: «هل هذه صور العائلة؟».
«أجل» ثم تشير بيدها، «ذاك على اليمين زوجي، والآخر ابني عندما كان صغيرًا». ثم تخرج الهاتف، وتعرض لنا صورًا أخرى حديثة، «أفتقد الاجتماع معهم على المائدة، أنا وحيدة هنا، لكن علي أن أعمل». بينما تستمر في تقليب صور العائلة.


«في رمضان أذهب للتراويح، وأحيانًا أُعلّم العربية للقادمات الجدد» تقول أسمى، بنبرة تفاخر، فهي الأقدم من بينهن. وتؤيد ذلك صديقتها الأخرى عائشة، والتي تعيش في عمّان منذ عشر سنوات تقريبًا، «أسمى تعرف عربي كويس». تبتسم أسمى لهذا الإطراء، ثم تُصرّ أن نشرب الشاي معهن، قبل أن نغادر.

إن غابت لمّة العائلة عن سفرة رمضان لدى البعض، فإنها حاضرة في مكان آخر لديهم؛ في المخيلة على سبيل المثال، في الذكريات، والصور والأيقونات وفي الاتصالات المرئية، أو ربما في طبقٍ تقليدي مُحبب يحمل رائحة المكان والزّمان والحنين. وإن لم يُغنوا مع شادية، «يا حليله يا شهر الهنا يا حليله»، فإن بإمكانهم ربما أن يُغنوا مع هيام يونس مُرحبين بالشهر الفضيل «وحوي يا وحوي..».





