ركضٌ في دائرة مفرغة!
بقلم / د. مصطفى الزائدي
لا تزال محاولات حلِّ الأزمة الليبية تكرر نفسها بالأساليب والآليات نفسها، بل وحتى بالأسماء والمسميات. وأتصور أن أغلبية الليبيين أصبحت تدرك حقيقة أن ما يُسمّى «المجتمع الدولي» يعمل على إدارة الأزمة بوضعها الراهن، ولا يفكر إطلاقًا في حلِّها. لكن هذا الوعي المتزايد لدى الشعب الليبي لم يُستثمر في وضع خريطة طريق تمكِّن الليبيين من انتزاع المبادرة ومعالجة مشاكلهم بأنفسهم.
فها هو «الحوار المهيكل» يلحق بما سبقه من حوارات وملتقيات نظَّمتها بعثة الأمم المتحدة، ليصل إلى النتائج نفسها التي يمكن تلخيصها في مطالبة الليبيين بالتوافق على قاعدة دستورية، وتشكيل حكومة موحدة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وهم يدركون أن الليبيين، لو امتلكوا قرارهم، لما احتاجوا إلى كل هذه السنوات الطويلة التي مرَّت على بلادهم وأسهمت في تعقيد الأزمة.
لقد انهمكت الأطراف الليبية المتصارعة على السلطة، التي يعتبرها المجتمع الدولي ممثلةً للشعب الليبي، في البحث عن قواعد دستورية تناسب تناقض مصالحها وأجنداتها، حتى إنهم أجروا 13 تعديلًا على ما يُسمَّى «الإعلان الدستوري» غير الدستوري أصلًا. والآن تطالبهم بعثة الأمم المتحدة بإجراء التعديل الرابع عشر، بحسب ما تسرَّب من لجنة الحوار المهيكل.
ومن بين المخرجات الغريبة والعجيبة التي تسرَّبت، تركيز البعثة على تحديد نسب مرتفعة لما يُسمَّى «الأقليات»، حيث يُقترح 40%، وهي نسبة لا تعكس – منطقيًّا – وضع أقلية أمام أغلبية، بل تبدو وكأنها وُضعت لتعميق الفجوة بين الليبيين وإثارة المشاكل الاجتماعية والصراعات القبلية التي لم تكن موجودة قبل النكبة. كما جرى تحديد نسب تمثيل أخرى للمرأة وذوي الإعاقة، وهي مطالب لم تُطرح أثناء ما سُمِّي بثورة فبراير، التي رفعت شعارات الحرية والديمقراطية والتعددية وحرية التعبير والصحافة، والرأي والرأي الآخر، وهي شعارات أثبتت الأيام زيف كثيرٍ منها.
المثير أن ما جرى من مناقشات في الحوار المهيكل هو نسخة طبق الأصل لما جرى في اللجنة الاستشارية، وقبلها لجنة الحوار في تونس، التي أفضت إلى تشكيل لجنة حوار جنيف سيئة الصيت، فضلًا عن الحوارات الطويلة والمعقدة التي سبقتها وأثناءها، في الصخيرات وأبوزنيقة والغردقة والقاهرة ومسقط وتونس وإسطنبول وباليرمو وبرلين ولندن وباريس وغيرها.
وقد كررنا سابقًا أن هذه الحوارات مصممة لتوليد حوارات جديدة، وهكذا يستمر الركض في دائرة مغلقة.
المسألة التي لا يركّز عليها المحللون السياسيون هي أن كل مكونات هذه الحوارات يتم تعيينها من قبل بعثة الأمم المتحدة، التي تدَّعي أنها تختار ممثلين للأطراف. وبعض الأفراد، ذكورًا وإناثًا، يشاركون بشكل دائم في كل الحوارات السابقة من الصخيرات إلى المهيكل. ولإضفاء مظهر ديمقراطي، تختار البعثة عددًا محدودًا جدًّا من الأفراد الذين تعلم مسبقًا أنهم يمثلون وجهة نظر الشارع الليبي.
وتهمس البعثة في آذان المتحاورين بما تريد الوصول إليه، وبحكم أنهم يشكِّلون الأغلبية، يحاولون تهميش آراء العناصر الوطنية المحدودة، والادعاء بأن ما يطرحونه لا يحظى بقبول أغلبية الليبيين. ويكتشف هؤلاء متأخرين أنهم جُلبوا كـ«ديكور» لإضفاء شكل ديمقراطي مزيف على الحوار، وهو ما يتكرر باستمرار.
أما مخرجات الحوار، فهي – كسابقاتها – مُعدَّة سلفًا، ولا علاقة لها بما يدور داخل القاعات من نقاشات. بل إن المشاركين أنفسهم يتفاجؤون بالتقرير النهائي الذي يصدر، لأنه لا يعكس ما طرحوه من أفكار.
وبالطبع، لا يمكن اتهام بعثة الأمم المتحدة بالتصرف بشكل مستقل، فهي تنفذ سياسات الدول المهيمنة على ليبيا تحت مسمى «المجتمع الدولي»، وهي في الواقع بعض الدول الغربية والولايات المتحدة. أما بقية دول العالم، فلا علاقة حقيقية لها بما يجري في ليبيا، وحتى بعض أعضاء مجلس الأمن لا يُسمح لهم بالتعمق في الملف الليبي. والسبب بسيط: أن الغرب فرض، بالقوة المسلحة، واقعًا في ليبيا يسعى إلى الاستفادة منه.
خلاصة القول: إن «الحوار المهيكل» لن يأتي بجديد، وسيبقى الحال على ما هو عليه، لأنه وضع مثالي يحقق مصالح تلك الدول دون عناء أو مسؤوليات.
وبعيدًا عن الأوهام، لن تخرج توصيات الحوار عن تشكيل لجنة جديدة بصيغة مختلفة، يُقال إنها ستضع قاعدة دستورية، وتشكّل حكومة، وتمهد لإجراء انتخابات… وهكذا دواليك.
أما حل الأزمة الليبية، فلا يخرج عن أربعة بدائل، الأول أن يسيطر طرف واحد بالقوة على البلاد ويعيد بناء الدولة على طريقته، وهو أمر صعب، وحتى إن تحقق، فقد لا يؤدي إلى دولة ديمقراطية قائمة على العدالة والمساواة، والثاني إجراء انتخابات حرة ونزيهة دون إقصاء، وهو خيار بعيد المنال في ظل تدخلات خارجية تمنع قيام سلطة وطنية مستقلة، والبديل الثالث استمرار الوضع الحالي، وهو الأقرب إلى التحقق، رغم كونه كارثيًّا على الشعب الليبي، وقد يتخلله تقاسم مؤقت للمصالح بين بعض الأطراف.
البديل الرابع هو الكفاح الوطني لعقد مؤتمر تأسيسي شامل لبناء الدولة وفرض مخرجاته، وهو خيار يتطلب دعم النخب الوطنية، خصوصًا الشباب، والعمل الجاد لفرضه على أرض الواقع.
The post ركضٌ في دائرة مفرغة! appeared first on الموقف الليبي.





