... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
35661 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7960 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

رحيل أحمد قعبور صاحب "أناديكم" و"نحنا الناس" في لحظة لبنانية فارقة

العالم
مجلة المجلة
2026/03/27 - 10:06 503 مشاهدة
رحيل أحمد قعبور صاحب "أناديكم" و"نحنا الناس" في لحظة لبنانية فارقة layout Fri, 03/27/2026 - 10:06

يأتي رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور، بعد معاناة مع المرض عن عمر 71 عاما، في لحظة لبنانية لا يكاد يميز المرء فيها البدايات عن النهايات. فجنوب لبنان معرض لاحتلال إسرائيلي واسع، مذكرا بلحظة أخرى سجلت صعود صوت قعبور في المشهد الغنائي اللبناني والعربي، أي اجتياح 1982 الإسرائيلي للبنان، يوم صدح صوت الراحل بأغنيته الأشهر "أناديكم" من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، فضلا عن أغنياته العديدة التي كرسها لجنوب لبنان.

المنادي حتى الرحيل

بهذا المعنى، كان قعبور بشجنه وصفائه وهدوئه، ومعايشته لمراحل عديدة في تاريخ لبنان الحديث، حربا وسلما ، كأنه يحيا في هيئة جرح مفتوح. كثر سواه تبنوا الآلام والجراح وكتبوا وغنوا عنها، لكنها بقيت خارجهم. أما قعبور فقد سكن صوته في كل الجراح، من فلسطين إلى الحب المخذول، ومن النبطية والليطاني وحي السلم والخيام إلى بيروت. لم يضع مسافة بينها وبين روحه، ولم يغنها، بل عاشها في كل نفس من أنفاسه، وكل خفقة من قلبه.

منذ العام 1975، عشية الحرب الأهلية اللبنانية، ظل قعبور ينادي حتى لحظة رحيله، واختار ذلك الدور القاسي في فضاء لا يستجيب لأي نداء، فعاش انكسار الصوت والقضايا، لكنه بقي مصرا على النفخ في رمادها، لعل جمرة عاصية لا تزال مشتعلة، فتصعد منها نار الحب والأمل. أوجعه يقين يأسك، الذي كان دائما يحارب وضوح عقله، لكنه اختار على الأرجح أن يكون قلبا يفكر، وهذا النوع من القلوب لا يغادر الانكسار.

المنادي غير المنذر، فهو حامل البشارات دائما، وقد كرس قعبور نفسه لها، فصنع لجيل وأكثر من اللبنانيين أعيادا ومباهج، وعلمهم قراءة الأمكنة، وتهجي ملامح التراب وروائح البيوت، كمما علمهم معنى عاصمتهم بيروت بالمعنى الرحب الذي منحه للمدينة، والذي ساهم في توسيعه حتى صار كونا رحبا.

العيد وروحه

عندما غام وجه الأعياد واسود، لونه قعبور بأغنيات لا تزال توقظ في كثر من اللبنانيين دفء العيد وروحه، على الرغم من كل شيء. فقد أعاد المدينة، بيروت، عروسا تضع طرحة بيضاء على الدوام، ولا تغادر حسنها أو تخونه. وكان في الوقت نفسه لا يتوقف عن الارتحال إلى فلسطين وترابها وليمونها، فصنع ما لا يمكن استهلاكه أو نسيانه ، وقدم في الوقت نفسه أثرا صافيا يحل في الروح مباشرة، ويعيدها إلى ألفتها الأصلية.

فن أن يكون البشر بشرا
26 مارس , 2026

عاش انكسار الصوت والقضايا، لكنه بقي مصرا على النفخ في رمادها، لعل جمرة عاصية لا تزال مشتعلة، فتصعد منها نار الحب

تقمص قعبور الرقة العارفة شكلا للوجود والفن والحياة، فكان دائما منغمسا في كل ما يفعله، ومستغرقا فيه، وقادرا على إنطاقه بما يشاء، على اختلاف الأمزجة الفنية التي مارسها وتنقل فيها، من المأساة إلى الخفة، ومن ثقل القضايا إلى مهرجانية البهجة. ولعله كان أول من فتح الباب أمام الصوت الذي يحتفي بهشاشته ويطلقها في وجه العالم، وفي وجه التقاليد الفنية نفسها.

AFP
المغني اللبناني أحمد قعبور يحيي حفلا ضمن مهرجان «أنغام من الشرق» في أبوظبي، 7 أيار 2010.

على امتداد خمسين عاما، غنى قعبور ضد الصراخ. فمفهوم النداء الذي تبناه يحيل إلى الاستدعاء، وإلى الاجتماع والرفقة والصداقة. لا يطلب معجبين ومستمعين، بل يستدعي الناس من خلال تلك الصفة الجامعة والعادلة والمشتركة التي لا تفرق بين شخص وآخر، والكامنة في ذلك الوصف الذي كان بالنسبة إليه بمثابة مفردة سحرية عشقها وعا شها وغناها، وهي مفردة الناس.

من هم الناس بالنسبة إلى قعبور؟ هم الكل، الجميع، من يمكننا أن نعرفهم ونحبهم، فلا يعود أحد غريبا وآيلا للعداوة. تلك كانت فكرته عن السياسة والمجتمع والفن، وخطابه حول كيف يمكن أن يحيا الناس معا: بأن يقبلوا أن يكونوا بشرا في المقام الأول.

وكانت ثورة 2019، التي شكلت آخر هبة شعبية عامة بعنوان اجتماعي ومطلبي، اللحظة التي بدا فيها هذا المفهوم وكأنه يخرج من الأغنية إلى الواقع. رأى فيها قعبور انعكاسا مباشرا لأفكاره، فشارك فيها متنقلا بين ساحاتها في بيروت وصيدا والجنوب وبعلبك، بينما  عادت "أناديكم" لتحتل الساحات  في أكثر من مناسبة، وتتحول إلى ما يشبه نشيدها غير المعلن، مكتسبة زخما جديدا. لم يتعامل معها كحدث عابر، بل كفعل يومي، فالثورة كما كان يقول، لا تحتاج إلى قائد ملهم بقدر ما تحتاج إلى إصرار الناس.

الرقة مشروعا فنيا

مارس أحمد قعبور التلحين والغناء وكتابة كلمات الأغاني والتمثيل، لكنه كان قليل الكلام، فما أطلقه من فن كان صمتا ينطق ويهمس. ولكن كيف للصمت أن يشتغل من قلب فن قوامه الصوت أداء وتأليفا موسيقيا وعزفا؟ لعل قعبور حل تلك المعضلة بدس الرقة كإطار جامع يشمل الأداء ومنطق كتابة النصوص الغنائية والتأليف الموسيقي.

تحيل الرقة إلى الصمت كدلالة يمكنها، من خلال الهمس والاختفاء داخل المساحة التعبيرية للعمل الفني، أن تقول الكثير عبر الترميز والكثافة والاقتصاد والإشارة. فكان قعبور ينبه ويشير ويدل، ولا يتعالى على موضوعه، بل يغرق فيه، ولا يحاول أن يكون مطربا أو نجما، بل يميل إلى الاختفاء، وإلى تقديم العمل الفني كرسالة من مسافر بعيد وحسب.

وحتى في حماسة البدايات، حين أطلق أغنيات مثل "أناديكم" و"الضفة" و"جنوبيون" وغيرها من الأغنيات المرتبطة بالنضال المباشر وبقضية فلسطين، كان قعبور منحازا إلى سرد القصة ونسبها إلى أبطالها وأصحابها، وكأن الخجل كان مهيمنا عليه، والهمس ميدانه ومنطقه المعادي للنشيدية والصخب، والقادر على تجاوزهما في الوقت نفسه.

مفهوم النداء الذي تبناه يحيل إلى الاستدعاء، وإلى الاجتماع والرفقة والصداقة. لا يطلب معجبين ومستمعين، بل يستدعي الناس

الحماسة التي كان يبحث عنها كانت دعوة للتفرس في الوجوه، وحفظ الأسماء والسير، وبناء الثورة والغضب من الانحياز إلى الضحايا الذين كان حريصا على التعريف بهم بوضوح شديد. لم يعترف بالإطلاق أو بالمفاهيم المجردة، بل برز في تجربته ذلك النزوع إلى تسمية كل شخص باسمه، أو بصفة لصيقة به لا تغادره ولا تختصره، بل تشمله وتوسع معناه.

أحمد قعبور

الفلسطيني في تجربة أحمد قعبور لم يكن القتيل، بل ذلك الذي ينادي بدمه العالم ويدينه، والجنوبي كان ذلك الذي يعاند الشمس التي تأكل لحمه، ومن تلك المعاندة يمتلك صفاته ويصنع وجوده. وبالتالي، لم يمنح أصحاب الحكايات أوصافا خارجة عنهم، ولم يستسغ البطولة نفسها، بل سعى إلى تجاوزها بمنح هؤلاء الذين يحيون الحالات القصوى للقمع والاحتلال الصوت كله.

لم يقبل قعبور على الأرض بأن يكون ناطقا باسمهم أو معبرا عنهم، بل قد يكون ما ميزه عن غيره من المغنين الذين انتموا إلى ما أطلق عليه عنوان الغناء الملتزم أنه اختفى وراء موضوعه، ولم يجعله وراءه، ولم يتقدم بصورته إلى الواجهة، وكأنه صاحب الموضوع، بل سعى إلى الإخبار عنه وتصوير الآلام والمعاناة كعنوان لا يمكن القبض عليه، انطلاقا من قناعة واعية أو غير واعية، إلى أن المغني والشاعر لا يستطيعان سوى أن يشيرا وحسب.

ومع انتقاله إلى تلفزيون المستقبل في التسعينات، لم يخرج عن هذا المنطق، بل وسّعه، حين صاغ  شارات وفواصل غنائية  شكلت  ذاكرة سمعية جماعية متآلفة مع مزاج بصري شعبي وحميم ، كما في "لعيونك" و"حلونجي يا إسماعيل" وشارة "نجوم المستقبل"  و"الليل المفتوح"،  وصنع بذلك ما يسمى بالمرحلة الذهبية للإنتاج المحلي اللبناني ومعالم تكوين هوية سمعية وبصرية تعكس خصوصية بيروتية محلية ومزاجا لبنانيا عاما.

كان قعبور منحازا إلى سرد القصة ونسبها إلى أبطالها وأصحابها، وكأن الخجل كان مهيمنا عليه، والهمس ميدانه ومنطقه المعادي للنشيدية والصخب

وبذلك كانت طريقة قعبور في الغناء، تحمل بنية إشارة وتنبيه، وقد لازمه هذا التوجه مع تطور منهجه واتساع مجالاته التعبيرية. فحين غنى لبيروت، كان يشير إلى مكامن الجمال والعذوبة فيها وينبه إليها، وكذلك حين تحدث عن الحب الشقي، وعن الناس، وعن البحر، والأشياء الحميمة المفقودة، والعلاقات، والصداقة، والأخت، وكل ذلك.

أن تكون طفلا

في ذلك كله، لم يغادر أحمد قعبور دهشة الطفل الذي ينبهر بالأشياء والوجود، من دون أن يغادر الانكسار الذي يزرعه العقل، ولكنه في انحيازه الأدائي لسطوة الطفل نجح في أن يكون شاعرا في كل ما أنتجه، فشحن ذلك الطفل بألم النظرة المسحورة والواعية والمنتبهة في الآن نفسه ، فكان سخيا، فالانتباه النقي وفق سيمون فايل هو أندر أنواع السخاء وأكثرها نقاء.

في الأعمال المسرحية المخصصة للأطفال التي شكلت جزءا مهما من تجربته، لم يخاطب قعبور الأطفال من موقع من يمتلك المعرفة والعلم، بل تعامل معهم كجمهور ذكي وناقد وصعب، فأجرى عليهم ما يجري على كامل عمله الفني، وصاغ خطابا متكاملا مع مشروعه العام، يخاطب الأطفال بلغتهم.

ومنذ انخراطه في فرقة "السنابل" في السبعينات، وصولا إلى المسرح الغنائي، حيث في "شو صار بكفر منخار" لم يكن اللحن خلفية للنص ، بل جزءا من بنيته، يعيد توزيع المعنى داخله. تكرس هذا المنحى بوصفه جزءا أصيلا من مشروعه، واستمر في أعمال مثل "حكاية السوار" و"مشوار الخير"، كما في عمله الطويل مع كورال الأطفال، حيث كتب "علوا البيارق" و"كل الأطفال".

AFP
المغني اللبناني أحمد قعبور يحيي حفلا ضمن مهرجان «أنغام من الشرق» في أبوظبي

عرف أنه لا يمكن استغباء الأطفال ولا جرهم إلى عوالم خيالية وسحرية وخرافية، لذا عمد إلى جر الخيال إلى الواقع بإحالات ذكية ومتوازنة ومنطقية، تدخلهم في السياسة وفي العناوين الاجتماعية والثقافية، من دون أن تكون بيانا سياسيا أو خطابات مستعلية. أدخل العالم المهني إلى ذاكرة الأطفال، وجعل أصحاب المهن يبدون سحرة يصنعون الأدوات بجمال وخبرة، وبدل عوالم العجائب جعلت من الشخصيات التي يلتقون بها ويعرفونها، والمهن التي يعمل بها أهلهم وعائلاتهم، تشع بالسحر والدهشة.

عرف أنه لا يمكن استغباء الأطفال ولا جرهم إلى عوالم خيالية وسحرية وخرافية، لذا عمد إلى جر الخيال إلى الواقع بإحالات ذكية ومتوازنة ومنطقية

في ذلك الجهد الكبير، والذي شمل جزءا عريضا من تجربة قعبور وأرشيفه، كان بمثابة زارع زيتون يعرف أنه يزرع لسواه ويخاطب الآتي ويؤمن به. العمل للأطفال، ومن داخل روح الطفولة، كان لحظة تفاؤله الكبرى التي شاء أن يطلقها ويدعها تنمو. تعلم أن يكون طفلا وأن يبقى كذلك، وأن يجر الفن إلى عالم طفولي يعرف ويحلل ويقرأ، ولكنه يحافظ في الآن نفسه على براءته.

27 مارس , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤