تقمص قعبور الرقة العارفة شكلا للوجود والفن والحياة، فكان دائما منغمسا في كل ما يفعله، ومستغرقا فيه، وقادرا على إنطاقه بما يشاء، على اختلاف الأمزجة الفنية التي مارسها وتنقل فيها، من المأساة إلى الخفة، ومن ثقل القضايا إلى مهرجانية البهجة. ولعله كان أول من فتح الباب أمام الصوت الذي يحتفي بهشاشته ويطلقها في وجه العالم، وفي وجه التقاليد الفنية نفسها.

على امتداد خمسين عاما، غنى قعبور ضد الصراخ. فمفهوم النداء الذي تبناه يحيل إلى الاستدعاء، وإلى الاجتماع والرفقة والصداقة. لا يطلب معجبين ومستمعين، بل يستدعي الناس من خلال تلك الصفة الجامعة والعادلة والمشتركة التي لا تفرق بين شخص وآخر، والكامنة في ذلك الوصف الذي كان بالنسبة إليه بمثابة مفردة سحرية عشقها وعا شها وغناها، وهي مفردة الناس.
من هم الناس بالنسبة إلى قعبور؟ هم الكل، الجميع، من يمكننا أن نعرفهم ونحبهم، فلا يعود أحد غريبا وآيلا للعداوة. تلك كانت فكرته عن السياسة والمجتمع والفن، وخطابه حول كيف يمكن أن يحيا الناس معا: بأن يقبلوا أن يكونوا بشرا في المقام الأول.
وكانت ثورة 2019، التي شكلت آخر هبة شعبية عامة بعنوان اجتماعي ومطلبي، اللحظة التي بدا فيها هذا المفهوم وكأنه يخرج من الأغنية إلى الواقع. رأى فيها قعبور انعكاسا مباشرا لأفكاره، فشارك فيها متنقلا بين ساحاتها في بيروت وصيدا والجنوب وبعلبك، بينما عادت "أناديكم" لتحتل الساحات في أكثر من مناسبة، وتتحول إلى ما يشبه نشيدها غير المعلن، مكتسبة زخما جديدا. لم يتعامل معها كحدث عابر، بل كفعل يومي، فالثورة كما كان يقول، لا تحتاج إلى قائد ملهم بقدر ما تحتاج إلى إصرار الناس.
الرقة مشروعا فنيا
مارس أحمد قعبور التلحين والغناء وكتابة كلمات الأغاني والتمثيل، لكنه كان قليل الكلام، فما أطلقه من فن كان صمتا ينطق ويهمس. ولكن كيف للصمت أن يشتغل من قلب فن قوامه الصوت أداء وتأليفا موسيقيا وعزفا؟ لعل قعبور حل تلك المعضلة بدس الرقة كإطار جامع يشمل الأداء ومنطق كتابة النصوص الغنائية والتأليف الموسيقي.
تحيل الرقة إلى الصمت كدلالة يمكنها، من خلال الهمس والاختفاء داخل المساحة التعبيرية للعمل الفني، أن تقول الكثير عبر الترميز والكثافة والاقتصاد والإشارة. فكان قعبور ينبه ويشير ويدل، ولا يتعالى على موضوعه، بل يغرق فيه، ولا يحاول أن يكون مطربا أو نجما، بل يميل إلى الاختفاء، وإلى تقديم العمل الفني كرسالة من مسافر بعيد وحسب.
وحتى في حماسة البدايات، حين أطلق أغنيات مثل "أناديكم" و"الضفة" و"جنوبيون" وغيرها من الأغنيات المرتبطة بالنضال المباشر وبقضية فلسطين، كان قعبور منحازا إلى سرد القصة ونسبها إلى أبطالها وأصحابها، وكأن الخجل كان مهيمنا عليه، والهمس ميدانه ومنطقه المعادي للنشيدية والصخب، والقادر على تجاوزهما في الوقت نفسه.




