رغم الجهود.. حرب “الكبتاجون” مستمرة في سوريا
عنب بلدي – ركان الخضر
أكثر من سنة على سقوط نظام الأسد لم تكن كافية للتخلص من ملف المخدرات، الذي يشكّل إحدى أبرز المشكلات الأمنية على الجغرافيا السورية في هذه المرحلة، فالإعلانات عن ضبط شحنات المخدرات سواء في المستودعات أو المعدّة للتهريب لا تكاد تتوقف.
العمليات التي تعلن عنها وزارة الداخلية السورية لضبط تجارة هذه الآفة المجتمعية، تطرح تساؤلات حول أسباب استمرار الظاهرة في سوريا، رغم الجهود الحكومية المعلَنة في محاربة القائمين عليها، بالإضافة إلى التعاون الإقليمي مع دول الجوار في وأد الظاهرة دون طائل إلى يومنا هذا.
أسباب استمرار الظاهرة
أعلنت وزارة الداخلية، في 28 من آذار الماضي، عن ضبط وتفكيك ماكينة لتغليف المواد المخدّرة في ريف درعا، ومصادرة كميات “ضخمة” منها داخل الموقع.
وأضافت الوزارة أنها تمكنت من مصادرة كمية “كبيرة” تُقدّر بنحو مليون حبة “كبتاجون”، كانت مخزنة ومعدّة للتهريب إلى خارج البلاد.
وأشارت إلى إحالة المتهمين إلى القضاء المختص، مع استمرار التحقيقات لكشف كامل أبعاد هذه “الشبكة الإجرامية”.
وفي سياق الجهود المعلَنة، أكدت إدارة مكافحة المخدرات ضبط أكثر من مليوني حبة “كبتاجون” و84 كغ من الحشيش، في حصيلة جهودها لمكافحة المخدرات خلال شباط الماضي.
قال الباحث في “المركز السوري للدفاع والأمن” (مسداد) معتز السيد، في حديث إلى عنب بلدي، إن أسباب عدم نجاح الدولة السورية في القضاء على عمليات تهريب المخدرات رغم الجهود المعلَنة من قبلها في هذا الشأن، يعود إلى أن الظاهرة ليست محلية فقط، بل إقليمية ومتشابكة.
وأضاف السيد أن شبكات التهريب تعمل عبر الحدود ولديها خبرة طويلة وموارد مالية كبيرة، ما يجعل تفكيكها معقدًا، مضيفًا أن طول الحدود السورية مع عدة دول وصعوبة ضبطها بالكامل يسهّل استمرار التهريب.
وأشار إلى أن بقايا بعض الشبكات القديمة التي نشأت خلال سنوات حكم نظام الأسد، لا تزال موجودة ولم تُفكك بالكامل، كما أن ضعف الإمكانيات التقنية واللوجستية يحدّ من قدرة الدولة على المراقبة والمتابعة.
الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن اختفاء التشكيلات الأساسية التي كانت قائمة على إنتاج “الكبتاجون”، مثل “الفرقة الرابعة” وغيرها من التشكيلات الأمنية أيام النظام السابق، لم يمنع استمرار الشبكات الإجرامية الصغيرة التي ما زال لديها مخزون منذ تلك الفترة.
وأضاف قباقيبو أن هذه الشبكات ما زالت تحاول مرارًا وتكرارًا أن تمرر هذا المخزون، معتبرًا أن المستودعات التي يعلَن عن ضبطها بين الحين والآخر تعود إلى مخزونات قديمة، فهذه الشبكات ستبحث عن فرصة واثنتين وأكثر لتمرير مخزونها من “الكبتاجون”.
تعاون مثمر مع دول الجوار
لم تتوقف الجهود الحكومية السورية على إمكانياتها الذاتية في مكافحة تجارة المخدرات بالبلاد، فقد تعدّتها إلى إجراء عمليات مشتركة مع دول الجوار.
ومن هذه العمليات ما أعلنته وزارة الداخلية، في 18 من شباط الماضي، عن إحباط مخطط لتهريب شحنة كبيرة من المواد المخدرة إلى خارج البلاد، خلال عملية أمنية نُفذت في محافظة حمص، بالتعاون والتنسيق مع المديرية العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في العراق.
وذكرت الوزارة أن وحدات إدارة مكافحة المخدرات تمكنت من إلقاء القبض على شخصين، قالت إنهما متورطان في إدارة شبكة تهريب دولية تنشط عبر الحدود.
وأضافت أن العملية أسفرت عن ضبط نحو 400 ألف حبة “كبتاجون”، تُقدَّر بوزن يقارب 65 كيلوغرامًا، كانت مُعدّة للتهريب خارج سوريا.
كما أجرت السلطات السورية عمليات مشابهة في التعاون مع الجانب الأردني في المجال ذاته.
بيّن الباحث نوار شعبان قباقيبو أن الشبكات العاملة في تجارة “الكبتاجون”، تمثل سلسلة مركبة من مراحل الإنتاج والبيع وصولًا إلى الشراء، فمورد المواد الأولية ما زال موجودًا ومجهول المصدر، وقد يكون من دول أمريكا الجنوبية أو أفغانستان أو غيرها، وكذلك الجهة المشترية.
وقال إن ضبط شحنة مخدرات متجهة إلى دولة أخرى، يؤكد أهمية عدم إغفال الجهة المشترية، مشيرًا إلى أن كثافة الطلب تشجع على استمرار التصنيع، خاصة في ظل مردود مالي كبير قد يتجاوز تكلفة الإنتاج ثلاثة أضعاف.
المعطيات السابقة، برأي قباقيبو، تؤكد أن القضاء على ظاهرة المخدرات تتطلب تعاونًا دوليًا، نظرًا للحاجة إلى معرفة سلسلة التوريد بدءًا من إنتاج المواد الأولية وصولًا إلى سلسلة الشراء.
وأضاف قباقيبو أن الأمر يتطلب جهدًا استخباراتيًا دوليًا مشتركًا، فالعثور على مستودعات أو مصادرة شحنات معدّة للتهريب لا يعد أمرًا كافيًا، لأن المنتج سيجد طرقًا بديلة للإنتاج طالما أن الطلب موجود.
الباحث معتز السيد يعتقد أن تعاون الحكومة السورية مع دول الجوار في مكافحة آفة المخدرات يمثل خطوة أساسية، لأن التهريب بطبيعته عابر للحدود.
ونوه إلى أن التنسيق مع العراق والأردن وحتى لبنان أيضًا، يساعد في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات ومسارات التهريب، ما يزيد من فرص ضبط الشحنات قبل وصولها.
كما أن العمليات المشتركة أو المتزامنة تضيق الخناق على المهربين، الأمر الذي يسهم في توحيد الإجراءات الأمنية على الحدود، بدلًا من العمل بشكل منفصل، فغياب هذا التنسيق يبقي الجهود داخل سوريا محدودة التأثير، لأن الشبكات ستجد دائمًا مسارات بديلة، برأي الباحث معتز السيد.
الإتلاف يحتاج إلى تقنيات حديثة
خلال فعالية نظمتها وزارة الداخلية السورية بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة، في 11 من آذار الماضي، أشار نائب وزير الداخلية السوري، اللواء عبد القادر طحان، إلى أن إتلاف حبوب المخدرات المصادَرة يحتاج إلى آليات حديثة لا تسبب أضرارًا على البيئة والمجتمع، مطالبًا بالحصول على مساعدة دولية لإتلاف 653 مليون حبة “كبتاجون” تم ضبطها خلال 15 شهرًا.
الباحث نوار شعبان قباقيبو قال إن هناك طرقًا حديثة صديقة للبيئة لإتلاف حبوب المخدرات، باعتبارها مواد كيماوية قد تلوث الجو إذا ما تمت عملية التخلص منها بطرق عشوائية، وهو ما يفسر أهمية التعاون بين الأمم المتحدة والدولة السورية للوصول إلى التقنيات المطلوبة في هذا المجال.
من جانبه، الباحث معتز السيد أشار إلى أن الطرق الحديثة للتخلص من المخدرات تركز على تقليل الأضرار البيئية، مثل الحرق في أفران متخصصة مع أنظمة تنقية، أو استخدام المعالجة الكيماوية لتفكيك المواد إلى مركبات غير فعالة.
وأضاف أن الدولة السورية ربما لا تمتلك حاليًا الإمكانيات التقنية الكافية لاعتماد هذه الوسائل المتقدمة بشكل واسع، مما يجعل الحرق الخيار المتاح رغم مخاطره البيئية، الأمر الذي دفع الحكومة السورية للبحث عن خيارات أكثر واقعية من خلال تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، للحصول على الدعم التقني واللوجستي.
تراجع التصنيع ليس نهاية المشكلة
أصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) تقريرًا حول واقع إنتاج “الكبتاجون” في سوريا بعد عام على سقوط نظام الأسد، مشيرًا إلى تعطل التصنيع واسع النطاق لمادة “الكبتاجون”.
وأضاف التقرير، الصادر في 22 من كانون الأول 2025، أن الحكومة السورية قامت بتفكيك 15 مختبرًا صناعيًا و13 منشأة أصغر لتخزين “الكبتاجون” منذ كانون الأول 2024.
الباحث معتز السيد أبدى شكوكًا في توقف إنتاج “الكبتاجون” في سوريا بشكل كامل، موضحًا أن عمليات التصنيع تراجعت وأصبحت أكثر سرية لكنها لم تتوقف نهائيًا رغم الجهود المبذولة.
وأضاف السيد أن التقديرات التي كانت تشير إلى مسؤولية نظام الأسد عما يقارب 70 إلى 80% من إنتاج “الكبتاجون” في العالم، تعطي مؤشرات واضحة أن المخزونات التي خلّفها وراءه كبيرة جدًا وما زالت تُهرب إلى اليوم.
وبيّن أن تصنيع “الكبتاجون” استقطب عددًا هائلًا من الأشخاص الذين عملوا في هذا المجال خلال السنوات الماضية، سواء في التصنيع أو التهريب ممن يمتلكون خبرة وشبكات علاقات تساعدهم على الاستمرار أو إعادة تشغيل النشاط.
كما أن شبكات التصنيع والتهريب، بحسب السيد، أعادت تنظيم نفسها، وبعضها انتقل خارج الحدود، منوهًا إلى أن نشاطها لا يزال قائمًا وسيبقى موجودًا حتى اكتمال بناء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية السورية، وفق رأيه.
من جهته، أوضح الباحث نوار شعبان قباقيبو، أن تقرير الأمم المتحدة يتحدث عن توقف الإنتاج خلال الفترة الحالية، لكن المستودعات العاملة منذ عهد الأسد ما زالت موجودة، والشبكات القائمة عليها تعمل على ترويج مخزونها.
وأوضح قباقيبو أن وجود تهديدات أمنية مركبة عديدة، مثل تنظيم “الدولة” وفلول النظام و”حزب الله” اللبناني، بالإضافة إلى الجريمة المنظمة، يبقي بعض البؤر من الجغرافيا السورية في حالة هشاشة أمنية، خاصة في دولة خارجة للتو من نزاع عسكري وما زالت في مرحلة التعافي.
وبالتالي سيكون هناك بعض الإرهاصات الأمنية والجغرافية في المناطق التي تعتبر رخوة أمنيًا، والتي تستفيد منها شبكات المخدرات، برأي الباحث قباقيبو.





