... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
264257 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 5412 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

رأس المال البشري.. “الغراء” الذي يعيد تماسك سوريا

العالم
موقع 963+
2026/04/26 - 12:18 501 مشاهدة

عند نهاية الحروب تُحصى الأرقام للدمار المادي من أبنية منهارة وطرقات ومرافق مدمرة، لكن الأخطر يبقى خسارة رأس المال البشري غير المرئي. في سوريا بعد أكثر من 15 عاماً من الحرب والاستبداد، تضرر التعليم لثلاثة أجيال، وتشتت أكثر من نصف الكفاءات الأكاديمية والتقنية في المنافي، ما كشف نزيفاً يفوق كل الإحصاءات. وبينما تُسجَّل صور الركام، يظل السؤال المركزي: كيف يمكن لبلد فقد عقوله وسواعده أن يعيد بناء نفسه، وهل يمكن إعادة توظيف رأس ماله البشري كقاعدة لإعادة بناء مؤسسات الدولة؟

يقول الباحث الاجتماعي نضال العامري في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن التحدي في سوريا لا يكمن في إعادة إعمار الحجر بل في استعادة ما تهدّم داخل الإنسان من تعليم وكفاءات وثقة مجتمعية، فالإسمنت يمكن استيراده لكن لا يمكن استيراد جيل متعلم أو تعويض انقطاع معرفي أو إعادة بناء الثقة الاجتماعية.

ويشير إلى أن النقاشات الدولية حول إعادة الإعمار تركز على العقود والبنية التحتية، بينما تُهمل الخسارة الأعمق المتمثلة في رأس المال البشري الذي تآكل مع تهجير العقول وتفريغ المؤسسات من كوادرها.

ويؤكد العامري أن إعادة الإعمار المادي ضرورية لكنها غير كافية، إذ تنهض الدول عبر الاستثمار في الإنسان كما في نماذج مثل ألمانيا ورواندا، موضحاً أن رأس المال البشري يشمل التعليم والكفاءات والثقة المجتمعية، وبدونه تصبح المشاريع غير مستدامة.

ويدعو إلى “طرح عام لرأس المال البشري السوري” عبر سياسات ذكية تشمل إنشاء هيئة وطنية مستقلة، وإطلاق منصة رقمية تربط كفاءات المهجر بالمؤسسات داخل سوريا للاستشارات والتدريب ونقل الخبرات، بما يحوّل العقول المهاجرة إلى رصيد استراتيجي بدل خسارة دائمة.

ثقب أسود في التعليم: ثلاثة أجيال خارج الزمن والجرح الأعمق

في خيمة بريف إدلب يعيش عدنان (14 عاماً) الذي لا يعرف من الأبجدية سوى كتابة اسمه، رغم بلوغه سن المرحلة الثانوية، بعد أن أمضى سنواته متنقلاً بين النزوح والقصف، إذ دُمّرت مدرسته الأولى وتحولت الثانية إلى مأوى للنازحين، ما دفعه للعمل في ورشة سيارات بدل التعليم، ليجسّد “الجيل التائه” وخسارة سوريا لطفولة تحولت إلى فاقد تعليمي وإنتاجي مبكر، وفي عام 2025 عاد مئات الآلاف من الأطفال إلى المدارس في عام وُصف بالتاريخي بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، إلا أن هذه العودة، رغم رمزيتها، كشفت واقعاً أعمق من الفاقد التعليمي الذي خلّفته سنوات الحرب.

ووفقاً لأحدث بيانات منظمة اليونيسف، لا يزال 2.45 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة في سوريا، بينما يواجه 1.6 مليون طفل آخر خطر التسرب بسبب البنية التحتية المدمرة والفقر والنزوح، وهذه الأرقام المخيفة لا تروي سوى جزء من الكارثة.

ويؤكد الخبير التربوي عباس الجميل في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن أكثر من 50% من الأطفال واليافعين السوريين حُرموا من التعليم خلال 14 عاماً من الحرب، سواء داخل سوريا أو في دول اللجوء، حيث تحولت المدارس إلى ملاجئ أو دُمّرت، وواجه اللاجئون عوائق اللغة والفقر والعمل المبكر، ما أدى إلى ضياع جيل كامل من التعليم المنتظم.

ويضيف أن الكارثة تتجاوز الحرب، إذ إن جذور التجهيل تعود لعقود سابقة حين استُخدمت المدارس لتكريس الولاء السياسي عبر مناهج وشعارات حزبية، قبل أن تتفاقم بعد 2011 مع تدمير آلاف المدارس وخروج نصف البنية التعليمية عن الخدمة.

ويشير الجميل إلى أن عدد المدارس المدمّرة بلغ نحو 8 آلاف، بينها ألف تحتاج إعادة بناء كاملة، وأكثر من 40% من المتبقي غير صالح للاستخدام، ما أنتج أجيالاً متباينة: أمية قسرية في المخيمات، وشهادات منقوصة، ونقصاً حاداً في الكوادر التعليمية بسبب الهجرة.

ورغم ذلك يلمح إلى بوادر إصلاح مثل برامج التعليم التعويضي في 2025، وحذف رموز النظام السابق من المناهج، والانضمام إلى الشراكات التعليمية الدولية، لكنه يحذر من “فقر تعليمي” طويل الأمد يهدد مستقبل البلاد ما لم تُنفذ خطط استدراكية عاجلة وتُعالج فجوات المهارات والانقطاع المعرفي.

العقول المهاجرة: استنزاف النخبة السورية

تقول د. ميساء (45 عاماً)، رئيسة قسم جراحة الأعصاب سابقاً في أحد أكبر مشافي حلب واستشارية حالياً في ألمانيا، إنها غادرت بعد استهداف مشفاها ثلاث مرات وفقدان زملائها تحت القصف أو التعذيب، مشيرة إلى أن ألمانيا استثمرت فيها “صِفر” يورو لتكسب كفاءة جاهزة كلف تدريبها الدولة السورية ملايين، معتبرة أن هجرة أمثالها هي “تصدير مجاني للثروة” وأن بناء المستشفيات دون عقولها يعني جدراناً بلا حياة.

فيما يوضح الكاتب فادي حنا في تصريحات لـ”963+” أن ما يجري هو نزيف صامت حوّل الطبيب والمهندس والأستاذ إلى طاقات تبني خارج البلاد، نتيجة هجرة كفاءات واسعة منذ 2011 طالت الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، حتى باتت المؤسسات تعاني من نقص الخبرة أكثر من المعدات.

ويضيف حنا أن هذه الهجرة ليست فردية بل “تحول في الوعي والإنتاج” مدفوع بسياسات استقطاب عالمية عبر فرص ورواتب ومختبرات، ما أدى إلى إعادة توزيع الكفاءات من الدول المنهكة إلى المراكز الغنية، مع تفريغ سوريا من طاقاتها في الطب والهندسة والتعليم، حيث يعيش السوريون في المهجر كواحدة من أكثر الجاليات تعليماً في العالم (أكثر من 50 ألفاً في ألمانيا وحدها)، موزعين بين تركيا ومصر وكندا والخليج وأمريكا.

ويحذر من أن العودة لا تتم تلقائياً بعد النزاعات بسبب هشاشة الاقتصاد والبنية التحتية وغياب الاعتراف بالشهادات، رغم وجود مؤشرات عودة للاجئين، داعياً إلى حلول مثل العمل عن بعد، ومنصات ربط الكفاءات بالداخل، وبرامج تبادل معرفي، وإنشاء هيئة للاعتراف بالمؤهلات، مؤكداً أن استمرار النزيف يعني فقدان “ذاكرة المؤسسات” السورية.

المجتمع المدني: ولادة مدهشة وصوت خافت وسط الدمار

عامر (33 عاماً)، ناشط مدني كان يدير منظمة من غازي عنتاب، عاد اليوم ليقود مبادرة لتمكين الشباب في حمص بعد أن كان تواصله مع الداخل يعرّض المتطوعين للخطر، واعتمد خلال سنوات المنفى على إدارة مشاريع تعليمية في الداخل عبر “الواتساب” وتحويلات مالية معقدة، ما جعل غيابه يترك فراغاً كبيراً لأن المجتمع المدني يُعد “خط الدفاع الأول” عن القيم المدنية، بحسب ما يقول لـ”963+”.

وبين 2011 و2024 برز مجتمع مدني سوري واسع داخل البلاد وخارجها شمل الإغاثة والتعليم البديل وتوثيق الانتهاكات والدفاع القانوني وتمكين النساء والصحة النفسية والإعلام البديل، في محاولة لملء فراغ الدولة المنهارة رغم القمع والتقييد.

وتؤكد الناشطة الحقوقية الأكاديمية ناهد زنبقة في تصريحات لـ”963+” أن المجتمع المدني هو “الغراء بين الدولة والمواطن” وعمود العدالة الانتقالية، لكنه تعرّض للتفكيك عبر عقود من القمع وتحويله لواجهات خاضعة للرقابة، ومع ما بعد 2024 ورغم تنامي النشاط وتسجيل منظمات جديدة، لا يزال العمل مقيداً بقانون 93 لعام 1958 الذي يمنح الدولة سلطة حل الجمعيات والتدخل بتمويلها دون رقابة قضائية، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أداة لحرمان السوريين من حرية التنظيم.

وتحذر زنبقة من أن بناء مجتمع مدني حقيقي يتطلب إلغاء هذا القانون، ومعالجة تبعية التمويل الخارجي وغياب الإطار القانوني وتشتت الولاءات، مؤكدة أن الأولوية هي استعادة الثقة، وضمان استقلالية المنظمات، وتوسيع المشاركة المدنية خارج الطابع الإغاثي الضيق.

الطرح العام لرأس المال البشري: رؤية استراتيجية

يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي عبدالحميد العبود في تصريحات لـ”963+” إن “الطرح العام” لرأس المال البشري السوري هو استعارة من عالم المال تعني جعل التعليم والكفاءات والمبادرات المدنية مرئية ومفعّلة في مشروع الدولة، عبر الإعلان عن قيمتها، وتوظيفها في إعادة البناء، وإتاحة فرصها بشكل عادل، لا حصرها بنخبة.

ويوضح أن هذا يتطلب هيئة وطنية مستقلة لرسم سياسات التعليم والكفاءات، وخطة لإعادة بناء التعليم تشمل تأهيل المدارس وتوحيد المناهج ورفع أجور المعلمين، ومنصة رقمية “كفاءات للوطن” لربط خبرات المهجر بالمؤسسات داخل سوريا، إضافة إلى ميثاق للمجتمع المدني يضمن الحرية والاستقلالية، وتمييز إيجابي لمناطق الأطراف لضمان عدالة توزيع الكفاءات والخدمات خارج المركز.

ويضيف العبود أن الحل يبدأ باستراتيجية وطنية لترميم الإنسان عبر تعليم مرن عابر للحدود، ودبلومات سريعة لتعويض الفاقد، ورقمنة التعليم، و”عودة افتراضية” للكفاءات عبر العمل عن بعد في الإدارة والاستشارات، مع صناديق لدعم العودة أو المشاركة، وتحويل الدعم الدولي من الإغاثة إلى بناء القدرات، إضافة إلى قوانين تضمن استقلال مؤسسات الدولة على أساس الجدارة.

ويختم بأن إعادة إعمار الحجر بلا إنسان مؤهل هو هدر، فالمعركة الحقيقية في سوريا هي داخل الإنسان، وأن الدول لا تُبنى بالحجارة بل بالعقول التي تعيد تحويل الركام إلى معنى، وإلا ستواجه سوريا أزمة وجود لا مجرد أزمة إعمار.

The post رأس المال البشري.. “الغراء” الذي يعيد تماسك سوريا appeared first on 963+.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤