لقد حمل الاسلاف الحجر وكتبوا على الصخر أجمل الشعر وأبلغه. كل تلك الرموز والإشارات والرسومات المنحوتة على الصخور وفي الكهوف كانت الشعر، وبعدما شاخت البشرية شاخت القصيدة ولم تعد تحتمل قوة الطفل/الشعر الذي انتقل إلى الرواية والمسرح والسينما والرقص ومختلف أشكال الفنون. هي في الحقيقة عودة إلى بدايات الشعر (الصورة)، فالسينما في النهاية هي اللغة الوحيدة التي حملت وستظل تحمل الشعر في أبهى معانيه.
البحث عن القصة في قلب التاريخ
كتبت سابقا سيناريوا عن شخصية إصلاحية بارزة مثل عبد الحميد بن باديس. ما الذي يجذبك إلى الشخصيات التاريخية تحديدا؟
أنا مولع بالتاريخ، أتذكر جيدا أني في المرحلة المتوسطة التهمت مكتبة المركز الثقافي بعين الخضراء، حيث كانت كتب التاريخ تمثل النسبة الكبرى، لأجد نفسي، وأنا منساق في مساري السياسي والنقابي قبل أكثر من عشرين سنة، أمام شعراء وكتاب ومثقفين ورجال دولة، ألتقيهم شاعرا أو صحافيا أو ممارسا لعمل سياسي، وكنت أطرح الأسئلة الكثيرة دون أن أعي أو أدرك الدافع الحقيقي لطرح كل هذه الأسئلة، فمن توفيق الله عز وجل أن وجدت نفسي في العقد الثالث من العمر أجلس لساعات مع صناع التاريخ في بلدي، مما دفعني أكثر للبحث والقراءة في أعماق التاريخ الوطني.

فكنت إذا اهتممت بأي شخصية تاريخية أقوم بالاقتراب منها روحيا، الى درجة أني أطرح عليها الأسئلة في حديث داخلي عميق جدا. قد يبدو الأمر مبالغا فيه إلى حد ما، فشخصية مثل ابن باديس شخصية مركبة جدلية شكلت نقاشا سياسيا ودينيا كبيرا طيلة عقود من الزمن، نحتفل سنويا بعيد العلم الذي يصادف يوم وفاته، كيف استطاع رجل واحد مثل ابن باديس أن يصنع كل هذا الزخم؟ الاجابة عن هذا السؤال تطلبت مني بحثا متكاملا في كل مراحل حياة بن باديس من ميلاده الى وفاته، واستلزمت مني تحقيقا صحافيا اعتمد على مساءلة التاريخ والالمام بكل الجوانب التي رافقت هذه الفترة من اقتصاد ونظم سياسية وبنى اجتماعية وبيئة اثنوغرافية ووسائل النقل وتطورها حتى اللهجات وتطورها.
حين أقرأ، دائما ما أبحث عن القصة داخل التاريخ وهو رهاني الحقيقي الذي رفعته منذ البداية، الرهان الحقيقي ليس تحويل التاريخ إلى قصة مثلما نشاهده في غالبية الأعمال التاريخية الكبرى، لا، فداخل التاريخ هناك عشرات القصص، وفي حياة الشخصية الواحدة عشرات القصص، لذلك رهاني هو البحث عن القصة داخل التاريخ، ولا يمكن النجاح في هذا الرهان إلا بفهم ومعرفة كل التفاصيل التي تحيط بالشخصية التاريخية، وهذا ما يستلزم تعبا كبيرا وإحساسا أكبر بشخصية مثل ابن باديس.
بين الدراما والتوثيق
في فيلمك الأخير عن أحمد باي بن محمد الشريف، حاولت الاقتراب من إحدى الشخصيات الإشكالية في التاريخ الجزائري. كيف تعاملت مع التوتر بين الأمانة التاريخية ومتطلبات الدراما؟
نعم، يكون الأمر في غاية التعقيد والحساسية، خصوصا حين يتعلق بأحد أبرز رموز المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، أحمد باي. لكن دعني أخبرك سرا، لقد كتبت فيلم أحمد باي قبل أن أكتبه. ففي سنة 2013 اتصل بي الأستاذ عز الدين ميهوبي لتحويل إحدى مسرحياته إلى عمل درامي تاريخي ملحمي بعنوان "المروحة والداي"، كلفني الأمر ثمانية أشهر بحثا وكتابة، قرأت في تلك الفترة كل ما كتب عن تلك المرحلة التاريخية محليا ودوليا، قرأت حتى صراعات أوروبا وبدايات تشكل اليمين واليسار في الغرف المظلمة وعلاقته بتاريخنا الوطني، مسلسل من ثلاثين حلقة بمعدل 52 دقيقة للحلقة الواحدة.











