... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
196066 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8181 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

وهم المنطقة العازلة.. وجرح السيادة اللبنانية

العالم
مركز بيروت للأخبار
2026/04/16 - 14:59 501 مشاهدة

كتب باسم الموسوي

بينما يطلّ الربيع على سهول الجنوب اللبناني وتزهر أشجار الزيتون التي روتها دماء الشهداء، تعود رياح العدوان لتعصف بأحلام الاستقرار. فبين الحين والآخر، تطلّ علينا التصريحات الإسرائيلية، وعلى ألسنة قادة الاحتلال، لتبرّر استمرار احتلالها لأراضٍ لبنانية جنوب نهر الليطاني، بحجة واهية هي إنشاء “منطقة عازلة” تضمن أمن مستوطنات الشمال. هذا الطرح، الذي يُقدَّم للعالم على أنه إجراء دفاعي ضروري، هو في حقيقته وهم استراتيجي بائت، وكذبة سياسية مكشوفة، وانتهاك صارخ لسيادة لبنان وكرامة شعبه.

من منظور لبناني أصيل، فإن فكرة “المنطقة العازلة” ليست مجرد خطأ في التقدير العسكري أو سوء فهم للجغرافيا، بل هي إهانة للعقل وللتاريخ معاً. فبعد مرور أكثر من ربع قرن على التحرير المجيد في عام 2000، وبعد أن أثبتت المقاومة أن الأرض تُستردّ بالعزيمة وليس بالتمني، يعود الحديث عن ضرورة احتلال الأرض اللبنانية لضمان الأمن الإسرائيلي، وكأن الزمن توقف عند حقبة الاجتياحات. لكن التاريخ، ذلك المعلم القاسي، يعلمنا جيداً أن الأمن لا يُبنى على احتلال أرض الغير، وأن المناطق العازلة لم تكن يوماً حاجزاً أمام الصواريخ أو الطائرات المسيرة، بل كانت دائماً فخاً استراتيجياً يوقع الجيوش المحتلة في مستنقعات المقاومة التي لا تنضب.

## في عصر الصواريخ.. لا معنى للجدران الترابية

لنضع الأمور في نصابها منذ البداية: نحن لم نعد في عصر الحروب التقليدية حيث تكون الحدود خطوطاً دفاعية منيعة. نحن نعيش في زمن تتخطى فيه الصواريخ الباليستية القارات، وفيه تطير الطائرات المسيرة لتضرب أهدافها بدقة متناهية بغض النظر عن المسافات. في هذا العالم الجديد، ماذا تعني “منطقة عازلة” برية تمتد بضعة عشرات من الكيلومترات؟

إذا كانت الطائرات المسيرة تستطيع الوصول من أوكرانيا إلى عمق الأراضي الروسية، وإذا كانت الصواريخ الإيرانية تصل إلى تل أبيب وحيفا وديمونا دون أن تعترضها أي “مناطق عازلة”، فأي وهم ذلك الذي يراود قادة الاحتلال حين يظنون أن احتلالاً لأرض لبنانية سيحميهم؟ إن المنطق العسكري البسيط يقول: لا يمكن حماية نقطة عبر احتلال نقطة أخرى أبعد منها، لأن الخصم لن يهاجم من حيث تتوقع، بل من حيث لا تحتسب.

إن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، الذي تُقدِّر التقارير مساحته بنحو 10% من مساحة لبنان، لا يوفّر أي حماية استراتيجية حقيقية لإسرائيل. على العكس تماماً، فإنه يعرّض جنود الاحتلال لخطر مباشر، ويقربهم من خطوط تماس مع قوى المقاومة، مما يجعلهم أهدافاً سهلة في حرب استنزاف لا تعرف الهدوء. الأمن الحقيقي لا يُصنع بالاحتلال، بل يُصنع بالعدل. ولا يُبنى على أنقاض سيادة الآخرين، بل يُبنى على احترام الحقوق والحدود. إن تجربة “منطقة الأمن” التي فرضها العدو بين عامي 1985 و2000 لا تزال حية في الذاكرة؛ فقد كانت تلك المنطقة مقبرة للجنود الإسرائيليين، ولم تمنع وصول المقاومة إلى عمق المستوطنات، بل كانت السبب في انهيار معنويات جيش الاحتلال وانسحابه مهزوماً.

## نهر الليطاني: شريان لبناني لا خط أمن إسرائيلي

إن نهر الليطاني هو عرق لبناني أصيل، يجري في أرض لبنان، يروي زرعه، ويدير كهرباءه، ويشكّل جزءاً من هويته الجغرافية والتاريخية. ليس لليطاني أي علاقة بأمن دولة احتلالية اغتصبت أرضاً ليست لها، وارتكبت مجازر لا تُحصى بحق شعوب المنطقة. إن محاولة تحويل هذا النهر إلى “خط أمن” لإسرائيل هي محاولة لاختطاف الجغرافيا اللبنانية نفسها، وفرض وقائع جديدة تحت غطاء القوة العسكرية.

وما يزيد الأمر وقاحة هو السياسة الإسرائيلية المعلنة بمنع عودة النازحين اللبنانيين إلى قراهم في الجنوب طالما استمر الاحتلال. هذا الإجراء ليس مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل هو جريمة إنسانية ممنهجة تهدف إلى خلق واقع ديموغرافي دائم، يفرغ الجنوب من سكانه الأصليين ويسهل السيطرة عليه. إن اللبنانيين في الجنوب، الذين ذاقوا مرارة الحروب المتكررة منذ سبعينيات القرن الماضي، يدركون جيداً أن “الأمن الإسرائيلي” يعني دائماً “الخوف اللبناني”. كل مرة تُحتل فيها الأرض باسم الأمن، يعود اللبنانيون ليجدوا بيوتهم مدمرة، وأرضهم مغتصبة، وكرامتهم مهدورة.

إن تدمير الجسور على نهر الليطاني، كما يتباهى الوزير الإسرائيلي، ليس إجراءً عسكرياً فحسب، بل هو تخريب للبنية التحتية الحيوية التي يحتاجها اللبنانيون للعودة إلى حياتهم الطبيعية. إن قطع طرق الإمداد والجسور هو محاولة لعزل الجنوب عن جذوره، وجعله لقمة سائغة لأي مخطط مستقبلي. لكن شعب الجنوب، الذي عرف بالصمود، لن ينسى ولن يسامح، وسيعود ليعمر ما هدّمه العدو، وليطهر أرضه من دنس الاحتلال.

## السيادة الوطنية: خط أحمر لا يُتفاوض عليه

من الناحية القانونية والسياسية، فإن الذريعة الإسرائيلية لإنشاء منطقة عازلة تصطدم بجدار صلب من الثوابت الوطنية اللبنانية. إن لبنان، دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، يرفض رفضاً قاطعاً أي احتلال لأراضيه تحت أي ذريعة كانت. إن قرارات مجلس الأمن، ورغم كل ما يعتريها من خلل في التطبيق، تؤكد على وجوب احترام سيادة لبنان وسلامته الإقليمية. لكننا تعلمنا من التجربة المريرة أن القانون الدولي لا يحمي الضعفاء إلا إذا كانوا أقوياء، وأن الورق لا يردع الدبابات إلا إذا كان وراءه إرادة فولاذية.

إن السيادة الوطنية لا تُحمى بالبيانات الدبلوماسية فقط، ولا بانسحاب الجيش إلى الثكنات تاركاً الأرض للمحتل. إن نظرية “حصرية سلاح الدولة” تتهاوى أمام حقيقة أن الدولة، ممثلة بحكومتها الحالية، تبدو عاجزة عن بسط سلطتها على حدودها في وجه العدوان الإسرائيلي. في هذا السياق، تبرز المقاومة كواقع فرضته الضرورة الوطنية، وكقوة ردع وحيدة أثبتت جدارتها في حماية القرى والبلدات عندما غابت الدولة.

إن الدعوة إلى المقاومة للعودة إلى مواقعها في الجنوب ليست دعوة إلى فتنة داخلية، بل هي صرخة وطنية لاستعادة الكرامة المغتصبة. فالجنوب لن يتركه أبناؤه، سواء كانوا تحت لواء الجيش أو تحت لواء المقاومة، فالأرض واحدة والعدو واحد. والمقاومة التي حررت الأرض في الماضي، هي القادرة على حمايتها في الحاضر والمستقبل. إن أي محاولة لفصل المقاومة عن الوطن هي محاولة لخصخصة الوطن نفسه، وهذا ما لن يقبل به اللبنانيون الأحرار.

## المعضلة الداخلية: بين العجز الرسمي والإرادة الشعبية

في خضم هذا العدوان، تبرز مرة أخرى المعضلة اللبنانية الداخلية حول أدوات المواجهة. فقد شهدت الساحة اللبنانية جدلاً حول دور الجيش اللبناني مقابل دور المقاومة. وبينما ترى الحكومة اللبنانية نفسها مقيدة بتوازنات دقيقة، وتخشى من جر الجيش إلى مواجهة غير متكافئة، فإن الواقع على الأرض يفرض معادلة مختلفة.

إن التردد الحكومي في تبني خطة واضحة لبسط السيادة، والاكتفاء بذريعة حماية الجيش من التدمير، هو في النهاية حماية للكرسي السياسي على حساب الأرض والسيادة. إن الشعب اللبناني، وخاصة في مناطق الجنوب والبقاع، لا يقبل بأن تُتخذ قرارات مصيرية بشأن أرضه دون إشراكه، ولا يقبل بأن يُترك عرضة للاحتلال بحجة “الحسابات الدقيقة”.

إن السيادة الحقيقية تتطلب إرادة حديدية، وشعباً موحداً خلف هدف واحد: تحرير الأرض. لا يمكن للبنان أن يواجه عدواناً إسرائيلياً بوجهين؛ وجه رسمي يدعو للحوار مع من لا يعرف إلا لغة القوة، ووجه شعبي يحمل السلاح دفاعاً عن الكرامة. إن المطلوب هو استراتيجية دفاعية وطنية موحدة، تضع تحرير الأرض أولوية قصوى، وتستند إلى القوة الرادعة في منع استمرار الاحتلال. إن الجيش اللبناني هو جيش الوطن، والمقاومة هي سند الوطن، والجمع بينهما في رؤية موحدة هو الضمان الوحيد لعدم تكرار مأساة الاحتلالات المتجددة.

## الكلفة الإنسانية: شعب يُنزح وأرض تُغتصب

لا يمكن فصل الحديث عن المنطقة العازلة عن الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها اللبنانيون. إن منع عودة النازحين هو جريمة إنسانية تهدف إلى خلق واقع دائم من النزوح، مما يفرغ الجنوب من سكانه الأصليين ويسهل السيطرة عليه. إن الجيل الجديد من اللبنانيين، الذي نشأ بعد عام 2000 وظن أن خطر الاحتلال قد ولى، يجد نفسه اليوم أمام نفس الكابوس. هذا الأمر يعمّق الشرخ بين اللبنانيين وبين جيرانهم، ويغذي دوامة العنف التي لا تنتهي.

إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإفراغ القرى من سكانها، بل بضمان عودتهم الآمنة والكريمة إلى ديارهم تحت سيادة دولتهم. إن كل نازح لبناني في جنوبه هو شاهد على فشل السياسات الدولية في حماية المدنيين، وشاهد على وحشية الكيان الإسرائيلي الذي لا يميز بين حجر وبشر. إن معاناة النازحين ليست أرقاماً في تقارير الأمم المتحدة، بل هي آباء وأمهات وأطفال فقدوا سقفهم وأمنهم، وهم ينتظرون من يحميهم لا من يبيعهم.

## الخلاصة: الأرض تُستردّ بالمقاومة لا بالمفاوضات

إن وهم المنطقة العازلة هو اعتراف ضمني بفشل الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في تحقيق الأمن عبر القوة وحدها. فالحروب الحديثة هي حروب إرادة قبل أن تكون حروب عتاد، والسيطرة على الأرض لا تعني كسب الحرب إذا بقيت جذور المقاومة ملتهبة في قلوب الأحرار. إن إسرائيل، باحتلالها للجنوب، لا تخلق منطقة عازلة بقدر ما تخلق جبهة احتكاك دائمة، وتعرض جنودها لخطر دائم، وتوفر للمقاومة أهدافاً واضحة ومشروعة للتصدي.

من المنظور اللبناني المقاوم، فإن الحل لا يكمن في قبول منطق المناطق العازلة، ولا في الرضوخ للوقائع التي يفرضها الاحتلال. إن الحل الوحيد هو المقاومة، والمقاومة وحدها، التي أثبتت عبر العقود أنها السبيل الوحيد لاستعادة الحق. إن إسرائيل كيان غاصب لا يعرف إلا لغة القوة، ولن يفهم إلا لغة الردع. إن أي حديث عن “تسويات” أو “مفاوضات” مع هذا الكيان هو ضياع للوقت وتضييع للحقوق، لأن العدو لا يحترم إلا من يقف نداً له.

إن لبنان، بجغرافيته وتاريخه وشعبه، أكبر من أن يكون منطقة عازلة لأمن دولة اغتصبت الأرض واغتالت الحلم. إن كرامة اللبنانيين، وسلامة أرضهم، وسيادة دولتهم، خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. إن الاستمرار في سياسة الاحتلال والضم لن يجلب لإسرائيل إلا المزيد من العنف وعدم الاستقرار، ولن يجلب للبنان إلا المزيد من الدمار.

إن المستقبل لا يُبنى بالجدران العازلة والمناطق المحتلة، بل يُبنى بالعزيمة الصادقة والمقاومة الباسلة. وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن صمته أمام هذا الاحتلال هو مشاركة في الجريمة. إن صوت لبنان يجب أن يعلو عالياً: لا للمنطقة العازلة، نعم للمقاومة، نعم للسيادة الكاملة، ونعم للتحرير الذي لا يأتي إلا بدماء الأحرار وعزيمة الشرفاء.

فليعلم العدو أن الجنوب اللبناني ليس للبيع، وأن الليطاني ليس خط أمن لأحد، وأن كل شبر من هذه الأرض مقدس، وسيدافع عنه أبناؤه حتى آخر قطرة دم. إن تاريخ المنطقة يعلمنا أن المحتلين يأتون ويذهبون، لكن الأرض تبقى لأهلها، والكرامة تنتصر في النهاية. فليعد المقاومون إلى مواقعهم، وليعلم العالم أن لبنان لن يركع، وأن السيادة ليست هبة تُمنح، بل حق يُنتزع

The post وهم المنطقة العازلة.. وجرح السيادة اللبنانية appeared first on Beirut News Center.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤