... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
123052 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9616 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

وفرة الأمطار في الجزيرة السورية: حين تتحول النعمة إلى اختبار قاسٍ للأمن الغذائي

العالم
موقع 963+
2026/04/07 - 08:27 501 مشاهدة

بعد سنوات طويلة من الجفاف القاسي، جاء هذا الموسم محمّلاً بأمطار غزيرة أعادت الأمل إلى سهول الجزيرة السورية. امتلأت التربة بالماء، واخضرت الحقول التي ظنّها المزارعون قد ماتت إلى الأبد، وعادت الحياة إلى أراضٍ أنهكتها الحرب والإهمال. في تلك اللحظة، بدا المشهد وكأنه بداية تعافٍ طال انتظاره، خصوصاً مع اندفاع الفلاحين نحو توسيع رقعة زراعة القمح والشعير، بوصفهما عماد الأمن الغذائي في البلاد.

غير أن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، فمع استمرار الهطولات المطرية بوتيرة مرتفعة، بدأت ملامح أزمة جديدة تتشكل، تحوّلت الوفرة إلى عبء ثقيل، ووجد المزارعون أنفسهم في مواجهة تحديات معقدة لم يكونوا مستعدين لها. لم يعد الجفاف هو العدو الوحيد، بل ظهرت مشاكل أكثر تعقيداً: أمراض فطرية تنتشر بسرعة، أعشاب ضارة تكتسح الحقول، وتكاليف إنتاج تتصاعد بشكل غير مسبوق في ظل اقتصاد منهك.

اقرأ أيضاً: الزراعة في سوريا.. صراع من أجل البقاء والأمن الغذائي – 963+

تربة مشبعة وأمراض تتكاثر بصمت

في مناطق واسعة من الحسكة والرقة ودير الزور، تجاوز معدل الهطولات المطرية 350 ملم، وهو رقم مرتفع قياساً بالمواسم السابقة، ورغم أن هذه الكمية تبدو مثالية نظرياً، فإن استمرار الأمطار لفترات طويلة أدى إلى تشبّع التربة بالمياه، ما تسبب في ضعف تهوية الجذور، خصوصاً في الأراضي المنخفضة.

هذه البيئة الرطبة شكّلت حاضنة مثالية لانتشار الأمراض الفطرية، وعلى رأسها الصدأ الأصفر، والبياض الدقيقي، وتعفن الجذور، وتشير تقديرات مهندسين زراعيين محليين إلى أن نسبة الإصابة بهذه الأمراض ارتفعت بنحو 40% مقارنة بالمواسم المعتدلة، وهو رقم يعكس حجم الخطر الذي يهدد المحصول.

إلى جانب ذلك، شهدت الحقول انتشاراً كثيفاً للأعشاب الضارة، التي تنافس النباتات المزروعة على الماء والعناصر الغذائية، وتؤدي إلى تراجع واضح في الإنتاجية.

حين يضمر النبات

يجسّد الحاج صالح الهنداوي، وهو مزارع من ريف الرقة (منطقة تل أبيض)، هذا التحول المؤلم في علاقة الفلاح مع المطر، قائلاً لـ”963+”: “كثرة الأمطار تسبب العفن والفطور، بالمحصلة النبات يضمر. فدائما كان في تنافس بيننا على الإنتاج الجيد، وكان الإنتاج ستين وسبعين كيسا للهكتار الواحد. ولكن السنة في ضرر بسبب الأمطار الكثيفة، بالإضافة إلى غلاء الأسمدة، كنا نأخذ طن السماد بـ 450 دولارا واليوم 750 دولارا، وكل هذه الأمور تسببت في خسارة محصول الزراعة. لأنه نتيجة الأمطار غرق النبات بالماء ونقص الأكسجين، وبالتالي يضمر الحبة ورداءة نوعية الإنتاج وقلة وصدأ. وبالتالي إذا كان هكتار الأرض ينتج خمسين كيسا، حاليا صارت تنتج 25 كيسا”.

ويضيف واصفاً المأزق اليومي: “المشكلة ليست في المطر، المشكلة إننا غير قادرين أن نسيطر حتى على الأعشاب. كل يوم تتضاعف، والعلاج غالي وخارج حدود طاقاتنا”.

تكشف هذه الشهادة بوضوح كيف تحوّلت الأمطار من عنصر إنقاذ إلى عامل ضغط إضافي، في ظل غياب أدوات المواجهة الفعالة.

تكلفة الإنتاج: معادلة خاسرة

إذا كانت الطبيعة قد فرضت تحدياتها، فإن الاقتصاد زادها قسوة. فقد شهدت مستلزمات الإنتاج الزراعي ارتفاعات حادة خلال السنوات الأخيرة: “ارتفعت أسعار الأسمدة بأكثر من 300% منذ عام 2020. قفزت أسعار المبيدات بنسبة تتراوح بين 150% و200%. تضاعفت تكاليف الحراثة والنقل نتيجة ارتفاع أسعار الوقود”.

وبحسب تقديرات محلية، فإن تجهيز هكتار واحد من القمح يتطلب اليوم أكثر من مليوني ليرة سورية، مقارنة بنحو 700 ألف ليرة فقط قبل سنوات قليلة.

المزارع إبراهيم بيجو من ريف القامشلي يشرح هذا الواقع قائلاً لـ”963+”: “غلاء السماد أجبر أغلبنا أن يقلل الكمية المستخدمة. أنا شخصيا لم أستطع رش الأرض بالشكل المطلوب. البعض يستخدم 50 كيلو، والبعض 80 للهكتار الواحد، والسبب أنه 20 كيلو سماد سائل بـ 65 دولارا! فمن يستطيع رشها وفق الكمية المطلوبة؟”.

اقرأ أيضاً: تقرير: جفاف 2025 دمّر الزراعة وعمّق الأزمة في ريف دمشق – 963+

ولا تبدأ الأزمة عند الحصاد، بل منذ اللحظة الأولى للزراعة. فضعف جودة البذار المتوفرة في الأسواق أدى إلى انخفاض ملحوظ في نسب الإنبات. في بعض المناطق، لم تتجاوز هذه النسبة 30%، مقارنة بالمعدل الطبيعي الذي يتراوح بين 70% و90%.

هذا التراجع ينعكس مباشرة على الكثافة النباتية في الحقول، ما يقلل من فرص تحقيق إنتاج جيد، حتى في حال تحسن بقية الظروف.

مدخلات مغشوشة.. وخسائر مضاعفة

إلى جانب الغلاء، يواجه المزارعون مشكلة لا تقل خطورة، تتمثل في انتشار المبيدات والأسمدة منخفضة الجودة أو المغشوشة، في ظل غياب الرقابة الفعالة على الأسواق.

تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 30% من هذه المدخلات قد تكون غير مطابقة للمواصفات، ما يعني أن جزءاً كبيراً من تكاليف الإنتاج يضيع دون تحقيق فائدة حقيقية، بل وقد يؤدي إلى نتائج عكسية.

يقول جان عثمان، وهو مزارع من ريف عامودا لـ”963+”: “هطلت أمطار غزيرة وكان الجو غائما معظم الوقت، لكن القمح لم ينمو كما كنا نتوقع. نحن في الشهر الرابع ولا يزال قصيرا وضعيفا، لم نستطع استخدام الكمية المناسبة من السماد، وانتشرت الأعشاب مثل الخردل وغطت المحاصيل، وظهرت ديدان أتلفت أجزاء واسعة من الحقول”.

أرقام الإنتاج: تراجع حاد ومقلق

تعكس البيانات المتوفرة حجم التراجع الذي شهده القطاع الزراعي في سوريا خلال السنوات الماضية. فقد انخفض إنتاج القمح من نحو 4.1 ملايين طن قبل عام 2011 إلى ما يقارب 1.15 مليون طن في موسم 2025، أي بتراجع يقارب 70%.

وفي محافظة الحسكة، التي تعد من أهم مناطق الإنتاج، تراجع الإنتاج من 805 آلاف طن إلى أقل من 210 آلاف طن، كما تقلصت المساحات المزروعة من أكثر من 1.5 مليون هكتار إلى أقل من 800 ألف هكتار.

ورغم أن هذه الأرقام متداولة في تقارير محلية، إلا أنها تبقى تقديرية في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة ومحدثة.

ولا يمكن فصل أزمة هذا الموسم عن آثار السنوات السابقة. فقد شهدت الفترة بين 2020 و2024 موجات جفاف قاسية، أدت إلى تدمير مساحات واسعة من القمح البعل، وتسببت في خسائر كبيرة للمزارعين.

تُقدّر بعض المصادر أن نسبة الخسائر في هذا النوع من الزراعة بلغت مستويات مرتفعة جداً، ما أدى إلى استنزاف مدخرات الفلاحين، وجعلهم غير قادرين على الاستثمار بالشكل الكافي في الموسم الحالي، حتى مع تحسن الظروف المناخية.

ويعاني القطاع الزراعي، سواء في مناطق الإدارة الذاتية أو تلك الخاضعة للحكومة السورية المؤقتة، من ضعف واضح في الرقابة على الأسواق، وغياب سياسات دعم فعالة.

هذا الواقع يسمح بانتشار المنتجات الرديئة، ويفتح المجال أمام ارتفاع الأسعار بشكل غير منضبط، في وقت يفتقر فيه المزارعون إلى أي ضمانات حقيقية، سواء من حيث تأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، أو تسويق محاصيلهم بأسعار عادلة.

الخبير الاقتصادي مهيب صالحة يوضح الصورة الأوسع قائلاً لـ”963+”: “القطاع الزراعي يساهم بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وازدادت أهميته بعد تراجع قطاعات أخرى بسبب الحرب. تراجع الإنتاج المحلي أجبر سوريا على استيراد أكثر من 1.5 مليون طن من القمح سنويا، بعد أن كانت دولة مصدرة صافية. استمرار هذا النزيف يعني كارثة أمن غذائي حقيقية”.

قرارات مؤجلة.. ومستقبل مقلق

في ظل هذه التحديات المتراكمة، يجد المزارع نفسه عاجزاً عن اتخاذ قرار واضح بشأن المستقبل. وتشير تقديرات ميدانية إلى أن نحو 25% من المزارعين يفكرون جدياً في تقليص المساحات المزروعة في المواسم المقبلة، إذا استمرت الظروف الحالية.

هذا التوجه، في حال تحققه، قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من تراجع الإنتاج وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على اقتصاد يعاني أصلاً من أزمات عميقة.

وتكشف تجربة هذا الموسم حقيقة أساسية: المشكلة لا تكمن في كمية الأمطار بحد ذاتها، بل في غياب منظومة متكاملة لإدارة القطاع الزراعي.

فبين ضعف الدعم الحكومي، وانهيار القدرة الشرائية، وفوضى الأسواق، وتراجع الإرشاد الزراعي، يجد الفلاح نفسه وحيداً في مواجهة تحديات تفوق قدرته. وهكذا، تتحول نعمة المطر إلى عبء، ويتحوّل الموسم الواعد إلى اختبار قاسٍ.

الجزيرة السورية، التي طالما عُرفت بأنها سلة غذاء البلاد، تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما تدخل جدي لإصلاح القطاع الزراعي، يعيد التوازن ويحمي المنتجين، أو استمرار التراجع بما يهدد ما تبقى من مقومات الاكتفاء الذاتي.

في النهاية، تبدو المعركة الحقيقية أبعد من تقلبات الطقس. إنها معركة مع السياسات، ومع غياب التخطيط، ومع اقتصاد لم يعد يحتمل مزيداً من الانهيار. وفي ظل هذا الواقع، يبقى الخاسر الأكبر هو الإنسان والغذاء والمستقبل.

The post وفرة الأمطار في الجزيرة السورية: حين تتحول النعمة إلى اختبار قاسٍ للأمن الغذائي appeared first on 963+.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤