واشنطن تختبر الضغط وطهران تلوّح بخياراتها
خاص مركز بيروت للأخبار- رئيس التحرير
مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار، تبدو المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد محاطة بقدر كبير من الغموض، ليس فقط بسبب تعقيد الملفات المطروحة، بل أيضاً نتيجة التناقض في الإشارات الصادرة عن واشنطن نفسها. ففي الوقت الذي يُفترض أن تمهّد فيه الهدنة لمسار دبلوماسي مستقر، يتقاطع التصعيد البحري مع خطاب سياسي متشدّد، ما يثير تساؤلات حول جدية البيئة التفاوضية التي تحاول الولايات المتحدة فرضها.
هذا التوقيت الحرج لا ينفصل عن مسار موازٍ أعلنه ترامب لـ إنهاء الحرب في لبنان، في خطوة تعكس محاولة إدارة عدة ملفات إقليمية دفعة واحدة، لكنها في الوقت ذاته تضعف من وضوح الأولويات وتزيد من تعقيد التوازنات.
ووفق مصادر باكستانية، فإن انتهاء الهدنة مساء الأربعاء يفرض على جميع الأطراف التحرك ضمن هامش زمني ضيق، في ظل استمرار التباين حول طبيعة الوفد الأمريكي، بما في ذلك الغموض المرتبط بمشاركة نائب الرئيس.
في المقابل، تبدو إسلام آباد وكأنها تحاول لعب دور الموازن بين طرفين غير مستعدين لتقديم تنازلات حقيقية. فقد نقلت مصادر أمنية أن قائد الجيش الباكستاني أبلغ واشنطن بأن الحصار البحري يقوّض فرص نجاح المفاوضات، وهي ملاحظة تعكس إدراكاً إقليمياً بأن أدوات الضغط العسكري لا تنسجم بالضرورة مع مسار التهدئة.
هذا التقدير يتقاطع مع الموقف الإيراني الذي يرفض التفاوض تحت الإكراه، حيث ترى طهران أن الجمع بين الدعوة إلى الحوار واستمرار الضغوط يمثل تناقضاً بنيوياً في المقاربة الأمريكية.
وتزداد هذه الفجوة عمقاً مع استمرار الخطاب العلني لترامب، الذي تشير تسريبات داخل إدارته إلى أنه ساهم في تقويض ما تبقى من الثقة، خاصة مع لجوئه إلى الإعلان عن مواقف تفاوضية عبر الإعلام ووسائل التواصل.
من وجهة النظر الإيرانية، لا يتعلق الأمر فقط بمضمون المقترحات، بل أيضاً بطريقة عرضها، والتي توحي بمحاولة فرض وقائع قبل التوصل إلى اتفاق فعلي، وهو ما يفسر الحذر الإيراني من الانخراط في مسار قد يُصوَّر لاحقاً كتنازل.
ورغم ذلك، تلمّح مؤشرات محدودة إلى أن طهران لا تغلق الباب بالكامل، إذ تتحدث تقارير عن استعدادها لدراسة المشاركة في محادثات إسلام آباد، خصوصاً إذا تم تخفيف الضغوط البحرية. غير أن العقدة الأساسية لا تزال متمثلة في الملف النووي، حيث يتباين الطرفان بشكل واضح: واشنطن تتحدث عن تنازلات إيرانية لم تؤكدها طهران، بينما تطرح الأخيرة صيغاً تدريجية—مثل تجميد طويل الأمد للتخصيب—تعكس مقاربة تفاوضية قائمة على التدرج لا الانسحاب الكامل.
ميدانياً، يزيد التصعيد البحري من هشاشة الوضع. فاعتراض سفن إيرانية وإعادة تشديد القيود على الملاحة في مضيق هرمز يسلّطان الضوء على مدى ترابط الأمن الاقتصادي العالمي مع هذا النزاع. وقد بدا أن هذه الخطوات، بدلاً من دفع طهران إلى التراجع، عززت خطابها القائم على الرد بالمثل، سواء عبر التحكم بالممرات البحرية أو التلويح باستهدافات مقابلة.
في هذا السياق، تبدو التهديدات المتبادلة جزءاً من لعبة ردع أكثر منها مقدمة لحرب شاملة. فالتجربة الأخيرة أظهرت أن التصعيد المفتوح لم يحقق أهدافاً حاسمة لأي من الطرفين، ما يجعل خيار تمديد الهدنة أو الإبقاء على مستوى منخفض من الاشتباك هو الأكثر واقعية. وهذا التقدير يتعزز بقراءات خبراء يرون أن كلفة المواجهة الشاملة—سياسياً واقتصادياً—تفوق بكثير مكاسبها المحتملة.
أما في لبنان، فإن وقف إطلاق النار الهش يعكس بدوره حدود القدرة الأمريكية على ضبط مسارات متعددة في وقت واحد. وبينما تسعى واشنطن إلى دفع بيروت نحو مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل”، يبرز رفض شعبي داخلي لأي مسار قد يُفسَّر كمدخل للتطبيع. وهكذا، يتضح أن المسار اللبناني ليس منفصلاً عن التفاوض مع إيران، بل يشكّل امتداداً له في ساحة مختلفة.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف حول بنود تقنية، بل تعبيراً عن صراع أعمق على قواعد التفاوض نفسها: بين مقاربة أمريكية تقوم على الضغط المتزامن مع الحوار للوصول إلى تطبيع على المستوى اللبناني، إلى رؤية إيرانية ترى في هذا الضغط محاولة لإعادة تعريف التفاوض كأداة لإنتاج الاستسلام، لا التسوية وبالتالي صياغة موازين ومعادلات قوة جديدة على مستوى المنطقة التي أنهكتها الحروب.
The post واشنطن تختبر الضغط وطهران تلوّح بخياراتها appeared first on Beirut News Center.





