واشنطن تفتح الباب وبيروت تدخل أصعب اختبار للدولة
شفق نيوز- بيروت/ واشنطن
قبل أسابيع قليلة فقط، كان من الصعب تصور أن لبنان وإسرائيل قد يبدآن السير، ولو بحذر وتحت ضغط الحرب، نحو مسار قد يفضي في نهايته إلى اتفاق سلام أو شكل من أشكال التطبيع السياسي. فالعلاقة بين البلدين ظلت لعقود محكومة بالعداء المفتوح، والهدن الهشة، والحروب المتكررة، والحدود المشتعلة.
لكن ما جرى في واشنطن، وما أعقبه من إعلان هدنة لعشرة أيام برعاية أميركية، أظهر أن ما يُصاغ يتصل برؤية أوسع تريدها واشنطن مدخلاً إلى ترتيبات دائمة للأمن والسلام في المنطقة، في لحظة يتراجع فيها نفوذ حزب الله وتجد الدولة اللبنانية نفسها مضطرة إلى خوض مسار لم يكن ممكناً تخيله بهذا الوضوح قبل وقت قصير.
هذا المسار بدأ فعلياً قبل إعلان الهدنة بيومين، حين جلس السفير اللبناني والسفير الإسرائيلي في واشنطن في 14 نيسان أبريل 2026، في أول محادثات مباشرة بهذا المستوى منذ أكثر من ثلاثين عاماً. لم يكن اللقاء اختراقاً نهائياً، لكنه كسر واحداً من أسمك الحواجز السياسية والنفسية في هذا الملف. للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يعد السؤال في بيروت هو فقط كيف يمكن وقف القصف، بل أيضاً ماذا سيأتي بعد وقفه، ومن سيمسك بملف التفاوض، الدولة أم من قاتل باسمها وخارج مؤسساتها في الوقت نفسه.
نص الاتفاق الأميركي نفسه يوضح حجم التحول. فهو ينص على وقف الأعمال القتالية ابتداءً من 16 أبريل لفترة أولية مدتها عشرة أيام قابلة للتمديد باتفاق الطرفين. كما ينص على أن الحكومة اللبنانية، بدعم دولي، ستتخذ خطوات ملموسة لمنع حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى من شن هجمات على إسرائيل، ويكرس مبدأ أن القوى الأمنية اللبنانية وحدها تتحمل المسؤولية الحصرية عن سيادة البلاد والدفاع عنها. وفي المقابل، تحتفظ إسرائيل بحق اتخاذ ما تعتبره تدابير دفاعية، مع تعهدها بعدم تنفيذ عمليات هجومية داخل الأراضي اللبنانية خلال مدة الهدنة. كما اتفق الطرفان على مواصلة التفاوض المباشر، خصوصاً بشأن ترسيم الحدود البرية الدولية.
لكن ما يقوله النص لا يقل أهمية عما يتجنبه، فهو لا يُلزم إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان، حيث تقول تل أبيب إن قواتها ستبقى داخل منطقة عازلة تمتد حتى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وهو لا يمنح لبنان لغة مماثلة لحق الدفاع عن النفس الذي احتفظت به إسرائيل، ولا يتناول صراحة نزع سلاح حزب الله، ولا يحدد مصير مئات آلاف النازحين الذين بدأ بعضهم العودة إلى قرى مدمرة أو غير آمنة. هذا ما يجعل الاتفاق، حتى الآن، أقرب إلى هدنة غير مكتملة الشروط من كونه بداية تسوية ناضجة.
ومن الجهة الإسرائيلية، بدت القراءة أكثر صراحة وأقل حذراً، حيث قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في بيان مصور عقب إعلان الهدنة إنه وافق على وقف النار لعشرة أيام، معتبراً أن هناك "فرصة لإبرام اتفاق تاريخي مع لبنان".
لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لم يوافق على سحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وأن إسرائيل ستبقي منطقة أمنية واسعة هناك، فيما يبقى مطلبها الأساسي تفكيك حزب الله. بهذا المعنى، لا تبدو الهدنة في القراءة الإسرائيلية مجرد استراحة لوقف النار، بل مدخلاً إلى ترتيب أوسع تريد تل أبيب أن يترجم تفوقها الميداني إلى مكسب سياسي وأمني طويل الأمد.
في المقابل، لم تذهب بيروت الرسمية إلى اللغة الأميركية نفسها. ففي التصريحات الرسمية التي صدرت عن الرئيس جوزيف عون، لم يظهر تبنٍّ لبناني معلن لفكرة التطبيع بوصفها هدفاً مباشراً. ما شدد عليه عون هو أن وقف إطلاق النار هو المفتاح لأي مفاوضات مباشرة، وأن الدولة وحدها يجب أن تقود هذا المسار، وأن الاستقرار الكامل في الجنوب يبقى مرتبطاً بانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دولياً.
هنا تحديداً تتداخل السياسة اللبنانية الداخلية مع حسابات الخارج، أو على الأقل هذا ما ذهب إليه باولو فان شيراك، رئيس مركز الدراسات السياسية العالمية في واشنطن، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز.
ويقول إن ما يجري يشكل خرقاً دبلوماسياً استثنائياً، لكنه حذر من أن أصل العقدة ليس في بيروت بل في طهران. فلبنان، في نظره، صار جبهة ثانوية في معركة أكبر، والولايات المتحدة تريد إغلاقها لأنها مكلفة، لكن ذلك لا يعني أن إيران ستتخلى طوعاً عن برنامجها النووي أو عن أوراق نفوذها الإقليمية. ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن نزع سلاح حزب الله لا يمكن أن يحصل تلقائياً ما دامت خطوط الإمداد الإيرانية قائمة، ولو بالحد الأدنى.
لكن الرأي في الداخل اللبناني يذهب أبعد من الصيغة التي تضعها واشنطن الى الان، حيث يرى السياسي خليل نصرالله أن الحديث عن التطبيع في ظل الحرب القائمة، والبيوت المهدمة، والمهجرين، هو "قفز فوق الجرح المفتوح، لا معالجة له". ومن وجهة نظره، يجب أن تبقى الأولوية لتنفيذ تفاهم 27 نوفمبر 2024، ووقف الاعتداءات، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، لا للانتقال إلى لغة سلام أكبر من قدرة البلد على احتماله.
وهو يحذر من أن أي دفع سريع نحو هذا الخيار قد يثير رد فعل شعبياً واسعاً، لا يقتصر على بيئة حزب الله ولا يختزل بالاصطفاف الطائفي التقليدي.
هذا المعنى نفسه ظهر أيضاً في موقف النائب حسن مراد بعد لقائه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي شدد على أن أي تفاوض، أياً كان شكله أو مساره، لا يكتسب شرعيته إلا من التوافق الوطني، والالتزام بالموقف العربي العام ومرجعياته السياسية.
وهذه نقطة بارزة، لأنها تظهر أن التحفظ على المسار الحالي لا ينحصر في المعسكر المؤيد لحزب الله، بل يمتد أيضاً إلى أوساط سنية ترى أن الحرب لا يجب أن تتحول إلى مدخل لقرار بهذا الحجم.
في المقابل، هناك من يرى العكس تماماً. جورج العاقوري وهو محلل سياسي لبناني، يقرأ ما يجري بوصفه لحظة اضطرارية لا خياراً مريحاً.
خلال حديثه لمراسلنا يرى أن الاتفاق يحمل بعدين متلازمين، أحدهما عاجل لوقف "الأعمال الجنونية" على الأرض، والآخر أوسع يتعلق برؤية السلام في المنطقة. لكنه يصر على أن ما دفع لبنان إلى هذا التموضع هو ما ارتكبه حزب الله حين ربط مصير البلاد بمصير إيران، ولم يترك للدولة وسيلة أخرى لوقف الحرب.
وبهذا المعنى، لا يعتبر العاقوري أن جوزيف عون ونواف سلام ذهبا إلى هذا المسار طلباً لمكسب سياسي أو نزوعاً إلى التطبيع، بل لأنهما يواجهان فاتورة حرب لم تتخذها الدولة وحدها، ويحاولان تجرع الكأس المرة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ويقترب من هذا المنطق، وإن بصيغة أكثر براغماتية، موقف النائب نزيه متى من حزب القوات اللبنانية، فمتى لا يرى أن لبنان ذاهب بالضرورة إلى تطبيع كامل، لكنه يعتبر أن أهمية اللحظة تكمن في أن الدولة تفاوض الآن باسمها، لا عبر سوريا، ولا عبر حزب الله، ولا عبر وسطاء يتكلمون عنها.
وفي رأيه لوكالة شفق نيوز، قد لا يكون الحد الأقصى الواقعي الآن اتفاقاً نهائياً، بل العودة إلى صيغة شبيهة بهدنة 1949، توقف الحرب وتسمح للبنان بأن يحاول لاحقاً تحسين شروطه. غير أنه يقر، في الوقت نفسه، بأن إسرائيل تفاوض من موقع المنتصر ميدانياً، وأن الدولة اللبنانية لا تستطيع استعادة شروط تفاوض أفضل ما لم تستعد قرار السلاح من حزب الله.
هذا الانقسام لا يمكن فهمه من دون العودة إلى التاريخ، فالعلاقة بين لبنان وإسرائيل لم تعرف في جوهرها سوى الحرب، أو الهدنة، أو الترتيبات المحدودة. وُقعت هدنة 1949 بعد حرب 1948، لكنها لم تتحول إلى سلام دائم. ثم جاء اتفاق 17 مايو 1983 برعاية أميركية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حاملاً تصوراً لإنهاء حالة الحرب، لكنه انهار سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي والرفض الإقليمي. وبعد ذلك رسخت حرب 2006، وما أعقبها من القرار 1701، واقعاً جديداً على الحدود، لكنه لم يُنهِ الصراع بل جمّده في صيغة ردع هش قابلة للانفجار في أي لحظة.
وحين اندلعت حرب غزة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، انخرط حزب الله في ما سماه "حرب الإسناد"، فاتحاً الجبهة الجنوبية ومربطاً لبنان مرة أخرى بصراع إقليمي أوسع تقوده إيران وحلفاؤها.
وحتى الاختراق الأبرز في السنوات الأخيرة، أي اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، بقي محصوراً في الترسيم والطاقة، من دون أن يفتح باب تطبيع سياسي فعلي. لذلك، فإن الذاكرة اللبنانية لا تستقبل أي تفاوض مباشر مع إسرائيل بوصفه خطوة تقنية عابرة، بل بوصفه احتمالاً لتكرار تجربة سابقة، أو كسرها، أو الذهاب إلى صيغة جديدة لم يُحسم بعد كيف سينظر إليها اللبنانيون.





